التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 10

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 10

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التحذير من البدع والرهبانية المبتدعة

يتناول هذا الفصل تحذير شيخ الإسلام بن تيمية من الرهبانية المبتدعة التي ابتدعها النصارى وانتقدها الله، كما يشير إلى أهمية تجنب تقليد الكفار في مثل هذه البدع.

تحذير النبي من بناء المساجد على القبور

يتناول هذا الفصل تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من بناء المساجد على القبور وتعظيمها، معتبرا ذلك تقليدا للكفار مثل اليهود والنصارى.

انتقاد الإمام أحمد لطريقة الصوفية

يركز هذا الفصل على انتقاد الإمام أحمد لطريقة الصوفية في سماع القصائد الزهدية، معتبرا أن صلاح القلوب يكون بسماع الكتاب والسنة.

مضاهاة حال الضالين وتقليدهم

يناقش هذا الفصل مسألة المضاهاة لبعض حال الضالين ويستشهد بقول الله تعالى عن اليهود والنصارى، مشيرا إلى قضايا أخرى ستُناقش لاحقا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: قد ابتلي طوائف من المسلمين بالرهبانية المبتدعة، مما الله به عليم. الرهبانية التي ابتدعها النصارى، وهي التعبد وترك الدنيا والتزهد والجلوس في الصوامع والبيع، وعدم الخروج منها، هذه الرهبانية ابتدعوها. وذكروا، أو ذكر العلماء، السبب في ذلك، أو ذكروا أسبابا كثيرة، لكن المهم أنه أنكر الله عز وجل عليهم هذه الرهبانية، كما هو التفسير الصحيح في هذه الآية، أنه أنكر عليهم الرهبانية. قالوا: رهبانية ابتدعوها، أولا أنها مبتدعة، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، أي ما كتبنا عليهم إلا ما يرضي الله عز وجل، وهو أن يتبعوا شرعه. لكن فوق هذا، مع أنهم ابتدعوها هذه الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها، أي ما قاموا بها حق القيام. فلهذا تجد أكثر هؤلاء الرهبان لهم مخارج ومداخل، وأيضا غشاشين غالبا، فيأخذون أموال الناس بالباطل، ويأكلون أموال الناس بالباطل، كما قال الله عز وجل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ﴾. فهؤلاء يصدون عن سبيل الله، أنهم يأتون بأحكام غير صحيحة، وأيضا جهلة الرهبان، غالبهم جهلة لا يعرفون دين الله عز وجل، أي لا يعرفون أيضا دينه. فلهذا ابتدعوا هذه البدعة، وصاروا في الصوامع والبيع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فتلك بقاياهم في الصوامع والبيع، ما استفادوا من شيء». قال الله عز وجل: ﴿ هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ﴾. إن تجد الواحد منهم يعبد الله خمسين سنة، أكثر أو أقل، وهو في صومعته، لكنه يعبد الله على شيء ابتكره، وكذلك على دين باطل. فلهذا فهو في نار جهنم، العياذ بالله، لأنه يعرف أن هذا النبي يجب أن يتبع، لكنه يمنعه الكبر أو الجهل. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا أدخله الله النار». قال: قد ابتلي طوائف من المسلمين بالرهبانية المبتدعة، مما الله به عليم. إن هناك من أهل التصوف أخذوا هذا الشيء، يجلس في المسجد ويعبد الله ويتعبد ويصلي، دون أن يفكر في أشياء أخرى، ويترك أهله. حتى معنى يفعل مثل الرهبانية، من الرهبان، الرهبان لا يتزوجون لأجل أنهم منقطعين للعبادة. وفعل أيضا بعض المتصوفة مثل هذا، وهذا فيه تقليد لهؤلاء الذين ابتدعوا هذه الرهبانية، وكذلك هم نصارى كفار. قال: وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ فقال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ﴾. فكان الضالون، بل والمغضوب عليهم، يبنون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته عن ذلك، في غير موطن، حتى في وقت مفارقته الدنيا، بأبيه وأمي، عليه الصلاة والسلام. ثم إن هذا قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، أن البناء على القبور وتشييدها وتعظيمها، هذا قد ابتلي به هذه الأمة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته يقول، عليه الصلاة والسلام: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد»، في الصحيحين، عن عائشة وعن ابن عباس. وكذلك أيضا الحديث الآخر، عن عائشة، لما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها في الحبشة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو النبي، صوروا تلك الصور وعكفوا على قبره وبنوا على قبره، أولئك شرار الخلق عند الله». وقال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن مسعود: «شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة، والذين يتخذون القبور مساجد». فلهذا، فهؤلاء الذين اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد وبنوا على قبورهم، هم شابهوا النصارى وشابهوا اليهود فيما فعلوا. قال: ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة والصور الجميلة، فلا يهتمون بأمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات. ثم تجد قد ابتليت هذه الأمة باتخاذ السماع المطرب، بسماع القصائد الذي يفعله الصوفية، ويرقصون في هذا السماع، وهو سماع الشيطان. قالوا: إصلاح القلوب والأحوال به، أنه هذا كان عند الصوفية، واهتموا به، أنهم كانوا يسمعون الأنشيد ويسمعون القصائد الزهدية، وجعلوا هذا من أهم الأمور في صلاح القلوب والأحوال، حتى أنه صار هذا دينا لديهم، ويجتمعون دائما على القصائد ويسمعونها. ولهذا أول أصحاب الإمام أحمد، ما حصل في زمن الإمام أحمد، أن بعض هؤلاء الصوفية كان يفعل ذلك، حتى أن الإمام أحمد ذكر له بعض أصحابه أنهم يجتمعون في بيت فلان. فخرج الإمام أحمد إلى هذا الرجل، أو ذهب إليه، وقال له: إذا جاءوا فأعلمني. فجاءوا إلى بيت هذا الرجل، لأجل معنى كأنه مثل الموالد يفعلون، معنى يجتمعون في بيت من البيوت ويأتوا بهذه القصائد. فكان الإمام أحمد يسمع في غرفة، يسمعهم، وهي التي معنى كانوا يقولون: إذا ما قال لك ربي أما استحييت تعصيني. فسمع ذلك الإمام أحمد، فبكى. أنا من هذا الشعر العظيم، لكن لما دخلوا عليه وجدوه يبكي، فقال: حذروا من هؤلاء، حذروا من هؤلاء، لأن وإن كان هذا الذي يتم به صحيح، وأيضا مواعظ، لكن هذه الطريقة ليست الطريقة الصحيحة. ولهذا لما سألوا الإمام أبا زرعة عبيد الله بن عبد الكريم عن طريقة هؤلاء الصوفية، فقال لهم: هل رأيتم مالك والشافعي وفلان وفلان، كانوا يستمعون مثل هذه الأمور، وكانوا يجتمعون بهذه الأمور، وكانوا أيضا يتكلمون في هذه الوساوس، أنا دائما يتكلمون في أمور النفس وغيرها. فقال رحمه الله: من لم تكفيه موعظة الكتاب والسنة، فلا وعظه الله. أنا إذا كان يريد الوعظ الذي في هذه الأشياء، وفي السماع، وفي القصائد، فإنه لا وعظه الله، لأن هذا لم تكفيه موعظة الكتاب والسنة. فذهب إلى أشياء أخرى، فيصلاح القلوب إنما يكون بالكتاب والسنة، يكون بسماع القرآن، بسماع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فأما من لم يتعظ بآيات الله عز وجل، ويتعظ بغيرها، فهذا فيه خلل. الذي يتعظ بغير آيات الله وحديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا فيه خلل. لكن قد يتعظ الإنسان بشيء من هذه القصائد الزهدية، بشيء من غيرها، لكن لا يجعل اتعاظه بهذه الأشياء دون الكتاب والسنة. قال: وما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين، وقال سبحانه: ﴿ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ﴾. فأخبر أن كل واحدة من الطائفتين تجحد ما الأخرى عليه. فهذه أيضا قضية أخرى، إن شاء الله تعالى، نتركها في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.