الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل مسألة حصر أسماء الله تعالى بعدد معين، مستندًا إلى أحاديث نبوية، ويخلص إلى أن مذهب أهل السنة يرى أن أسماء الله ليست محصورة بعدد معين. كما يناقش أهمية حديث ابن مسعود في إثبات عدم الحصر.
هذا الفصل يناقش مسألة حصر أسماء الله الحسنى في عدد معين، مستنداً إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء، ويخلص إلى أن أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، مع مناقشة شبهة الحصر المستمدة من حديث أبي هريرة.
يفسر هذا الفصل معنى إحصاء أسماء الله الحسنى ويبين أن الإحصاء يشمل الحفظ وفهم المعاني والتعبد بما تضمنته الأسماء من معان، كما يتناول اجتهاد العلماء في تعيين الأسماء الحسنى واختلافهم فيها.
يتناول هذا الفصل جمع الأسماء الحسنى من كتاب الله وسنة رسوله، حيث تم جمع تسعة وتسعين اسما منها، مع ذكر المصادر التي استقيت منها هذه الأسماء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الشيخ المعتمير رحمه الله: القاعدة السادسة: قال: أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» الحديث. قال: رواه أحمد بن حبان والحاكم، وهو صحيح. الحديث من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن يقول الإمام علي بن المديني رحمه الله: إنه سمع من كبار أصحاب أبيه، علقمة والأسود، فلهذا صح حديثه عند بعض العلماء. وقوله: «ما استأثر الله تعالى به في علم الغيب» لا يمكن لأحد حصره، ولا لاحاطة به. فأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مئة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة»، هذا الحديث في الصحيحين، فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد. ولو كان المراد الحصر، لكانت العبارة: «إن أسماء الله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة». هذه الآن القاعدة من القواعد التي ذكرها الشيخ رحمه الله، وهذه القاعدة هي حول أسماء الله عز وجل، وهل هي محصورة في عدد معين؟ وإذا كانت محصورة، فما هي؟ أو أنها غير محصورة في عدد معين؟ فمذهب أهل السنة أن أسماء الله عز وجل ليست محصورة في عدد معين، وهو الذي قرره كثير من علماء السنة. وذكر المؤلف رحمه الله حديث ابن مسعود: «ما أصاب أحد قط هم ولا حزن، قال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي في يدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك...» إلى آخر الحديث. فقوله: «سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك» هذا ثانيا، والأمر الثالث: «أو علمته أحدا من خلقي»، وهذا ثالثا. وقال: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، وهذا يدل على عدم الحصر؛ لأننا لا نعلم إلا ما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما ما كان غير هذا مما استأثر الله عز وجل به، أو علمه أحدا من خلقه، فهذا لا نعلم. فموضع الشاهد من الحديث الذي معنا يدل على هذا الذي ذكره الشيخ رحمه الله، قوله: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك»، هذا يدل على أن هناك أسماء في علم الغيب لا نعلمها، ولم يخبرنا الله عز وجل عنها، فدل على أن أسماء الله عز وجل ليست محصورة بعدد معين. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث الشفاعة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فأدخلوا على ربي، فأثني عليه، ثناء لم يثن عليه أحد قبلي، يعظم الله عز وجل بتعظيم عظيم، لم يعظم أحد ربه جل وعلا بهذا التعظيم». وهذا يدل على أن هناك أشياء عظيمة، وأسماء عظيمة، لم يخبرنا الله عز وجل بها، لكن يلهم نبيه عليه الصلاة والسلام في ذلك المقام. ذكر المؤلف رحمه الله أن هناك حديثا قد يشكل على هذا القول، وهو ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «إن لله تسعة وتسعين اسما، مئة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة». قد يكون الإشكال مثلا في قوله: «من أحصاها»، من عرف عددها؟ معنى ذلك لو كان قوله: «من أحصاها» معنى الذي يحصي، لا بد أن يكون في عدد معين. لكن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر في الحديث أنه يريد الحصر، لو أراد الحصر، لقال: «إنما لله تسعة وتسعون اسما». وأيضا قوله: «من أحصاها» أي أحصى هذه الأسماء التي ذكرها الله عز وجل في كتابه، أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أما الأسماء التي استأثر الله عز وجل بها في علم الغيب، هذه لا نعلمها. قال الإمام النووي رحمه الله عند هذا الحديث في شرح صحيح مسلم: نقل اتفاق العلماء على أن أسماء الله عز وجل ليست محصورة، وقال أيضا: إن باتفاق العلماء على أن هذا الحديث لا يدل على أن أسماء الله محصورة في عدد معين. ذكر أيضا المؤلف كلام شيخ الإسلام رحمه الله، وهذا قول جمهور العلم على أن أسماء الله عز وجل ليست محصورة في عدد معين. لكن خالف ابن حزم رحمه الله في هذه المسألة، وقال: إن أسماء الله عز وجل محصورة، واستدل بالحديث. وقد أجيب على هذه الشبهة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: إن الإحصاء شامل لثلاثة أمور: الحفظ، وفهم المعاني، والدعاء بها. فمن حفظ هذه التسعة والتسعين اسما، وفهم معانيها، ودعا الله بها، فقد أحصاها. بقي هنا تنبيه، وهو ما معنى الإحصاء في الحديث؟ جاء في بعض الروايات: «من حفظها دخل الجنة»، وهذا تفسير لرواية «أحصاها». فأحصاها أي حفظها. ومعنى الإحصاء له عدة معاني، ليس فقط الحفظ. وذكر الإمام ابن القيم أيضا أن من التعبد بأسماء الله الحسنى: التعبد بما تضمنته من معان، إذا أمكن الاتصاف بها، مثلا اسم الله عز وجل الكريم الجواد، فيأخذ من هذه الأسماء الصفات العظيمة، الصفة الجود والكرم، فيتخلق بها العبد. تنبيه آخر: أن بعض الأسماء تدل على شيء واحد، مثل اسم الله عز وجل القدير والقادر والمقتدر، كل هذه الأسماء تدل على القدرة. وكذلك العلي، الأعلى، والمتعال، أيضا تدل على معنى العلو. ومما ينبه عليه أيضا: أن بعض الأسماء مقترنة، لا يصح أن يطلق واحد منها على الله عز وجل دون الآخر، مثلا أسمى الله عز وجل المعز، فتطلق معه المذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء. القابض الباصط، أن هذه تطلق معا. ذكر جمع من العلماء عدد معين من الأسماء الحسنى جاءت في الحديث، لكنها لا تصح. وقد اجتهد بعض العلماء، مثل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، فذكر تسعا وتسعين اسما. ولعل الشيخ رحمه الله أكثر من اجتهد في هذا الباب، وذكر تسعا وتسعين اسما، منها ما في الكتاب، وبعضها من السنة. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، وذكر كلام شيخ الإسلام في مجموعة الفتاوى: أن تعيينها ليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام باتفاق أهل المعرفة بحديثه. قال: وذكر قبل ذلك أن الوليد بن مسلم ذكرها عن بعض الشيوخ الشاميين، أن ليست من الحديث، وإنما ذكرها الوليد بن مسلم عن بعض الشيوخ الشاميين. قال ابن حجر في فتح الباري: ليست العلة عند الشيخين البخاري ومسلم تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج. بل الصحيح أنه مدرج، كما صرح به في بعض الروايات، أن ذكر هذه الأسماء مدرج، ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام بعض مشايخ الوليد بن مسلم. ثم قال الشيخ: ولما لم يصح تعيينها عن النبي عليه الصلاة والسلام، اختلف السلف فيها، وروي عنهم في ذلك أنواع. وقد جمعت تسعة وتسعين اسما مما ظهر لي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال: فمن كتاب الله، ثم ذكرها، ثم ذكرها من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.