الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يعرض المقطع قول شيخ الإسلام ابن تيمية في النهي عن مشابهة الأمم الكافرة مستدلاً بآيات الاعتبار بقصصهم وعقوباتهم. ويقرر أن مخالفتهم في عامة الأمور أصلح للمسلمين ما لم يكن الأمر من شرعنا.
يشرح المقطع أن شيخ الإسلام ألف كتابه لبيان عدم جواز مشابهة الكفار في أعيادهم، وأن الأصل هو مخالفة الكفار في كل ما اختصوا به. ويستدل بآيات المنافقين والكفار ليبين أن من يظهر الإسلام ويتبع الكفار يلقى وعيد النار.
يوضح المقطع أن الله جمع المنافقين مع الكفار في الوعيد بالنار وأمر بجهاد الطائفتين، مبيناً أن الناس صاروا ثلاثة أصناف. ويبين أن المنافقين يتشابهون في الظاهر لكن قلوبهم متفرقة، بخلاف المؤمنين الذين قلوبهم متوادة.
يوضح المقطع أن المؤمنين ينصرون إخوانهم بظهر الغيب رغم بعد المسافة والزمان، على عكس المنافقين الذين تجمعهم المصالح فقط. ويشير إلى أن الله وصف كل طائفة بأعمالها مع تأجيل تفصيل أعمال المؤمنين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «واعلم أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوا كثير». مثل قوله: «سأذكر الآن» -إمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- آيات في كتاب الله عز وجل فيها النهي عن مشابهة الأمم الكافرة، وكذلك قصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه وما اقترفوه من الذنوب. فهذه كثيرة، ذكر منها قول الله جل وعلا: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. وهذا قال شيخ الإسلام: ذكر ما فعلوا بأهل الكتاب من المثلات، والمثلات: معنى العقوبات. ثم قال جل وعلا: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وأمثال ذلك. ومنهما يدل على مقصودنا، ومنهما فيه إشارة وتتميم المقصود: أن الله عز وجل يذكر -أو بعد أن يذكر- العقوبات التي عاقب بها الكفار، يأمر الناس بالاعتبار بهذه القصص والاعتبار بهذه العقوبات. قال: «ثم المقصود ببيان أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا، فجميع الآيات دالة على ذلك». وهنا كما ذكرنا نقطة مهمة: أن شيخ الإسلام رحمه الله أراد أن يبين أن الأصل العام أننا نخالف الكفار في كل شيء، ما لم يكن ذلك الشيء من شرعنا. فإن كان من شرعنا فهو شرع لنا نعمله، وأما إن كان ليس من شرعنا واختص به الكفار فإننا لا نعمله، حتى ولو كان في العادات. قالوا: «إن كان المقصود أن مخالفتهم واجب علينا، فهذا إنما يدل عليه بعض الآيات دون بعض، ونحن ذكرنا ما يدل على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة، إذ كان هو المقصود هنا». قالوا: «أما تمييز دلالة الوجوب أو الواجب عن غيرها، فأنا لا يريد أن يبين أن هناك دلالة للوجوب في الحكم أو الحكم الواجب بالنسبة لنا عن غيرها، وتمييز الواجب عن غيره فليس هو المقصود هنا، وإنما المقصود أن الله عز وجل أمرنا أو نهانا عن اتباع هؤلاء الكفار وعن مشابهتهم». قالوا: «سنذكر إن شاء الله تعالى أن مشابهتهم في أعيادهم من الأمور المحرمة، فإنه هو المسألة المقصودة بعينها». أنا ألف شيخ الإسلام هذا الكتاب ليبين أنه لا يجوز مشابهة الكفار في أعيادهم، ثم توسع في هذا فذكر ما يدل على عدم جواز اتباعهم في أكثر الأشياء، بل قد تكون القاعدة الكلية أنها في كل الأشياء ما لم تكن شرعاً لنا. فكل ما اختص به الكفار من دين أو من تمييز أو غيره أو عادات، فإننا مأمورون بمخالفتها، لكن قد يكون هذا الأمر أمر وجوب، وقد يكون أمر استحباب. وقال الله عز وجل: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، إلى أن قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. فقال رحمه الله: «بيّن الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أخلاق المنافقين وصفاتهم، وأخلاق المؤمنين وصفاتهم، وكل الفريقين مظهر للإسلام. عن المنافق: يظهر الإسلام، وكذلك المؤمن. لكن وعد المنافقين المظهرين للإسلام مع هذه الأخلاق، والكافرين المظهرين الكفر، نار جهنم. عن شبههم بالكفار، وتوعدهم بنار جهنم مع أنهم يظهرون الإسلام، لكنهم يتبعون الكفار». قال: «فجمع بين الكفار والمنافقين، فقال سبحانه وتعالى بعدما ذكر هؤلاء: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾، فشملهم مع الكفار، أي شمل المنافقين مع الكفار، وأمر نبيه بعد ذلك بجهاد المنافقين -جاهد المنافقين- أو قال الله عز وجل: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فأمره بجهاد الطائفتين، فدل على أن الطائفة وهم المنافقون إنما شملهم الله عز وجل مع الكافرين لأنهم يتبعونهم، ويظهرون الإسلام لكنهم يعاونون الكفار على المسلمين». قالوا: «منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن، ومنافق، وكافر. فأما الكافر وهو المظهر للكفر فأمره بين، وإنما الغرض هنا متعلق بصفات المنافقين المذكورة في الكتاب والسنة، فإنها هي التي تخاف على أهل القبلة -أو تخاف على أهل القبلة- عن صفات المنافقين. ولهذا كان السلف يقولون: ما أمنه إلا مؤمن، ولا خافه إلا منافق، كما كان الحسن يقول». وقال أيضاً: «وقال أبو رجاء العطاردي وغيره: أدركت أكثر من ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف على نفسه النفاق، ليس فيهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان أبي بكر الصديق». قال: «فوصف الله سبحانه المنافقين بأن بعضهم من بعض، وقال في المؤمنين: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وذلك لأن المنافقين تشابهت قلوبهم وأعمالهم، وهم مع ذلك تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، فليس قلوبهم متوادة متوالية إلا ما دام الغرض الذي يأمونه مشتركاً بينهم. يعني إذا كان الغرض مشتركاً كخداع أهل الإيمان، وأيضاً التآمر عليهم، فهم يتفقون، ثم يتخلى بعضهم عن بعض. بخلاف المؤمن». وهذا الذي ذكره أيضاً في اليهود: الله عز وجل قال في اليهود: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾، وهم متفرقون، لكنهم يجتمعون على أهل الإسلام. قال: «وينصرون بظهر الغيب، وإن تناءت بهم الديار وتباعد الزمان». هذا المؤمن ينصر أخاه بظهر الغيب، وإن تناءت بهم الديار وتباعد بهم الزمان، فهم ينصرون بعضهم بعضاً، ليس كالمنافقين إنما تجمعهم المصالح. قال: «ثم وصف سبحانه كل واحد من الطائفتين بأعمالهم في أنفسهم وفي غيرهم، وكلمات الله جوامع. ثم ذكر أعمال هؤلاء المتعلقة بدينهم -قسمين- إن شاء الله تعالى نترك ذلك في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم».