الدرس في شرح الأصول الستة 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الفرق بين محبة الصالحين كأصل شرعي والغلو فيهم كأمر مذموم يؤدي للشرك. يُبين أن المحبة تعني إعطائهم حقهم بينما الغلو يعني تجاوز الحد في تعظيمهم.
يُنبه على أهمية تعريف الصالح وتمييزه عن الغلو، ويبين أن بعض من يعتبرون صالحين قد يكونون مرتدين أو منحرفين. يجب تحرير معنى الصلاح وأهل الصلاح.
يُبين أن الصلاح يعني الاستقامة على أوامر الله واجتناب نواهيه، وأهل الصلاح يؤدون حق الله وحق عباده. يجب التفريق بين الصلاح والغلو في الصالحين.
يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله المستمعين ويختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه. يُؤكد أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازمنا أخواني في الله في الأصل الأول والتنبيه على مسألة مهمة تطرق إليها المؤلف رحمه الله تعالى، وهي في قوله: "أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم". هذه، أخواني في الله، الحيلة التي من خلالها استطاع الشيطان أن يضل الكثير من الناس، وهو أنه زين لهم الباطل، وذلك بأنه أظهر الباطل على صورة الحق. ويهمنا في هذا الباب كيف أن الشيطان أظهر الشرك بالله جل وعلا على أنه هو التوحيد ومن أصول الدين ومن صميم العقيدة والشريعة. وقلنا: إن المدخل الذي به استطاع الشيطان أن يدخل في قلوب العباد هذا التزين هو ما يسمى أو ما ذكرناه، ما يسمى بالغلو، وهو الغلو في ذوات الصالحين. وهنا، أخواني في الله، كذلك من مسألة لابد من التنبيه عليها، وهو ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، أن الشيطان أظهر لهم الإخلاص في صورة تنقص الصالحين. ينبغي أن نعلم هل هناك فرق بين ما يسمى بمحبة الصالحين وبين الغلو في الصالحين؟ لا شك، أخواني في الله، أن هناك فرق بينهما، بل هو فرق واسع وبون شاسع. فرق بين محبة الصالحين وبين الغلو في الصالحين، فمحبة الصالحين أصل من أصول الشريعة، بل هو مطلب شرعي ينبغي على العباد أن يعطوا لعباد الله الصالحين حقهم وقدرهم. كيف لا؟ فإن أدلة الشريعة، الكتاب والسنة، دلت على هذا المقام على أن العبد المؤمن عليه أن يعطي للصالحين ولعباد الله من الصالحين يعطيهم حقهم وقدرهم. قال ربنا جل وعلا: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا﴾. إذا كان هذا لأهل الإيمان عامة، فما ظنك، يا عبد الله، بعباد الله الصالحين خاصة؟ فإنهم أولى وأولى بهذا التعظيم وبهذا التقدير. ومن هنا كان ما من مسلم إلا وعليه أن يجعل لأهل الصلاح لزما وغصبا، شئت أم أبيت. وهذا يكمن في صلاتك، وخاصة في باب التشهد، فإنما من عبد مسلم إذا صلى وتشهد وقال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، هذا يجب على كل مصلي أنك تذكر وأنك تثني على عباد الله الصالحين. قال عليه الصلاة والسلام: "من قال بهذه الكلمات فإنه أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض". تأتي هذه الدعوة كل عبد صالح، فأنت لابد أن تعطي لأهل الصلاح حظهم وقدرهم. فأهل السنة والجماعة من أعظم الناس تعظيما لأهل الصلاح. ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول: "المرء مع من أحب". وفي لفظة: "المرء يحشر مع من أحب". فمن أحب الصالحين فإنه يحشر معهم. ولله در الشافعي حيث قال: "أحب الصالحين ولست منهم، فأهل الصلاح لابد أن يحبون المحبة الشرعية". فالمحبة الشرعية ومحبة الصالحين، هذا به أهل السنة والجماعة. أما ما يدند به الخصوم ويقولون بأن أهل السنة لا يحبون أهل الصلاح، فهذا كذب، فهذا كذب وجور وبهتان. ومن تفقّه ومن درس عند أهل السنة يرى أن أهل السنة من أشد الناس تعظيما للصالحين، عارس من الأنبياء والرسل وأهل الصلاح والأمة والعلماء وأهل التقوى وأهل الورع. فهؤلاء لهم محبة خاصة في قلوبنا، نحبهم نجلهم، وذلك لما كان منهم من تعظيم لدين الله وتعظيم لشرع الله. وهذا ما يتعلق بمحبة الصالحين، فهي مطلب شرعي. أما ما يتعلق بالغلو في الصالحين، فهذا مطلب مذموم لا يجوز شرعا ولا عقلا. والمقصود بالغلو في الصالحين أنك تأتي إلى صالح فتزيد في حقه وتزيد في قدره، إنه لا تعطيه حقه بل تزيد في حقه وتوصله إلى منزل لا يستحقها. هذا غلو، وهذا مذموم، مذموم جاءت أدلة الكتاب والسنة على التحذير منه وعلى تحريمه. قال جل في علاه: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾. هذه كانت سمة بارزة في الأديان وفي الكتب السماوية وأهل الأديان من قبلنا، أنهم كانوا يغلون في أنبيائهم وفي صالحيهم، رفعوا النبي إلى درجة الألوهية والربوبية من دون الله عز وجل. وهكذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "إياكم والغلو، إياكم والغلو، الهلاك يأتي على الأمة بل يأتي على كل ملة إذا دخل في دينها هذه الظاهرة الدسيسة المميتة ألا وهي الغلو". فالغلو متى ما دب في الأمة أظهر الانحراف والانحلال والخروج عن الدين والملة. ومن تأمل، أخواني في الله، إلى حال الناس إلى من حرفوا عن دين الله، يرى أن غالب هؤلاء إنما كان انحرافهم عندما غلوا غلوا في أشخاص غلوا في ذوات رفعوها عن منزلتهم، فانجروا خلفهم حتى أضلهم الله عن سواء السبيل. ما الذي أوقع الشرك في قوم نوح وهم أول أمة ظهر فيهم الشرك؟ ما الذي أوقع الشرك في قوم نوح؟ الغلو، عندما غلوا في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، كانوا من أهل الصلاح، لكن هؤلاء القوم غلوا فيهم حتى صرفوا لهم الطاعة والعبادة، فأصبحوا من المشركين وأصبحوا من الكافرين. هكذا يقول، يا عبد الله، ما يتعلق بأهل الكتاب. بماذا كفر النصارى؟ كفر النصارى عندما غلوا في عيسى عليه السلام، فجعلوا ماذا؟ هو الإبن، وجعلوا ثالث ثلاثة. لما غلوا في عيسى كفروا بالله. وهكذا يقول في اليهود: لماذا كفروا؟ عندما غلوا في عزير وجعلوا ابنا لله جل وعلا. وهكذا، يا عبد الله، تدخل في الملل، تدخل كذلك في الفرق الباطنية، القديانية، البهائية، الإسماعيلية، وقس على هذه الفرق الباطنية الضالة. بماذا ارتدت؟ ارتدت عندما جعلت أشخاصا وجعلت ذوات من الزعماء من الكبراء، وأصبغوا عليهم صبغة الألوهية والربوبية، وجعلوا فيهم أسرار الكون. وهكذا، يا عبد الله، قس في الملل، الروافض الشيعة. ما الذي أوقعهم في الانحراف والضلال؟ وذلك عندما غلوا في آل البيت، غلوا في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وهكذا يقول في قوم قريش: ما الذي أوقع قريش في الكفر والشرك وعبادة الأصنام؟ عندما غلوا في اللات وغلوا في العزة، كانوا أشخاصا كانوا من أهل الصلاح، فغلوا فيهم حتى جعلوا الأصنام والأوثان، وصوروهم على صورهم، فعبدوهم من دون الله جل وعلا. وهكذا، يا عبد الله، أيما ويممت وجهك إلى فرق من الفرق أو دين من الأديان، إلا رأيت أن من أعظم أسباب شركها وكفرها بالله جل وعلا أنهم غلوا في ذوات الصالحين. فينبغي أن نفرق بين ما يسمى بمحبة الصالحين وما يسمى بالغلو في الصالحين. فمحبة أهل الصلاح مطلب شرعي ينبغي على العبد أن يجعل لأهل الصلاح المحبة، ويعطيهم التقدير والتعظيم الذي يستحقونه، أحياء كانوا أو أمواتا. أما الغلو في الصالحين، فهذا مذموم، وهذا باب كما قلنا، في قول بعض علمائنا: "من أوسع أودية الباطل"، الغلو في الأفاضل "من أوسع أودية الباطل". فمحبة الصالحين، أما الغلو في الصالحين فهذا باب للضلال، وباب للدخول على الباطل، كونك تحب وتجعل لأهل الصلاح منزلة هم لا يستحقونها، بل فوق منزلتهم. وهنا تأتي مسألة، أخواني في الله، وحتى نضع النقاط على الحروف. القوم الخصوم إذا رأوا أهل السنة والجماعة من زلقوا خلفهم بما هم عليه من الغلو في الصالحين، رموا أهل السنة بأنكم تتنقصون الصالحين، بأنكم لا تعظمون الصالحين، بأنكم لا تقيمون بأهل الصلاح وزنا، وأنكم لا ترفعون لهم رأسا ولا تلقون لهم بالا. فأصبحوا يهيجون العامة والسوقة والجهل من الناس بأن أهل السنة والجماعة هم مكمن الاستخفاف والاستهانة بأهل الصلاح. وهذا كما قلنا كذب، أهل السنة عندهم أدلة تدل على أن محبة الصالحين من دين الله جل وعلا، بل هذا دين يدان الله جل وعلا به. لكن حتى نرد على هؤلاء ونبين للعامة ما يتعلق بهذه المسألة الشائكة، ننبه أخواني في الله على أمرين اثنين، ننبه على أمرين اثنين يتعلق بما يسمى بأهل الصلاح، بمحبة الصالحين. المسألة الأولى، وهي الركيزة المهمة في هذا الباب، أننا علينا أن نعرف ونتفق من هو الصالح. هذه أول مسألة ينبغي أن نتفق عليها جميعا: من هو الصالح؟ حتى نطالب فيما بعد بأداء حقه وإعطائه قدره وحقه. هذه مسألة ركيزة، ما ينبغي لأحد أن يفرط فيها. من هو الصالح؟ العلماء رحمه الله تعالى ما تركونا سودا ولا هملا، ذكروا في كتبهم التعاريف اللائقة بالصالح. فمن أهل العلم يقول: "الصالح هو المستقيم الحال في نفسه". الصالح هو مستقيم الحال في نفسه، من كان على استقامة في نفسه، فهذا يسمى صالح. وهكذا مما ذكر، كما ذكر الكفوي رحمه الله تعالى في تعريف الصالح بأنه: "القائم بحقوق الله وحقوق العباد". لعل هذا من أفضل ومن أيسر ومن أوضح التفاسير. الصالح تقول: "هذا رجل صالح"، من الصالح؟ هو الذي أدى حقوق الله وحقوق العباد. تقول: "هذا رجل صالح". إذا هذا الرجل إذا اتفقنا على هذا، إذا تأتي مسألة ثانية. لكن قبل انتقال مسألة ثانية، إذا علمنا أن هذا الضابط في معرفة الرجل الصالح هو المستقيم في نفسه، مستقيم الحال، أو هو القول الثاني: من أدى حق الله وأدى حق العباد. المتقين، أهل الصلاة، أهل الصلاح، أهل استقامة، أهل المساجد، أصحاب الأرحام، أولا أهل الصلاح. وكلما ازداد العبد صلاحا في نفسه وأداء لحقوق الله وأداء لحقوق العباد، يصل من الصلاح إلى الولاية، يكون وليا من أولياء الله. طيب نأتي الآن: هل يكون من أهل الصلاح الكافر؟ هل يكون من أهل الصلاح الزنديق؟ هل يكون من أهل الصلاح المرتد؟ هل يكون من أهل الصلاح المنافق؟ هل يكون من أهل الصلاح المنكب على الرذائل والموبقات؟ هل من أهل الصلاح الذي يبارز الله بالحرمات والمحرمات؟ هل من أهل الصلاح الذي يتجرأ على ترك ما أمر الله جل وعلا؟ هل يمكن لعاقل أن يقول: هؤلاء من أهل الصلاح؟ طبعا الإجابة البديهية التي سنسمعها من فم كل عاقل وواعي يقول: "أبدا ليس من أهل الصلاح". بل سيأتي السؤال الذي أبعد: إذا هؤلاء لا يصنفون من أهل الصلاح، فما ظنك بالذي يصف من أمثال هؤلاء بأنهم أولياء لله؟ ليس من أهل الصلاح، بل يجعلهم من أولياء الله. ومن دخل في سراديب القوم ومن دخل في دهاليز بعض الجماعات الباطنية، ومن سموهم بأهل الصلاح وسموهم بأهل الولاية، تجد أن بعض هؤلاء ليس من أهل إسلام، فأصلا فضلا أن يكون مسلما، فضلا أن يكون صالحا، فضلا أن يكون وليا من أولياء الله. وخذها، عبد الله، هذه النبذ عن بعض الشخصيات وعن بعض أناس عند أصحابهم وعند أتباعهم، سموهم بأهل الصلاح، سموهم بأهل الولاية. من ذلكم، يا عبد الله، رجل اسمه علي وحيش. هذا علي وحيش له ترجمة عند كتب القوم، أن هذا الرجل كان من سلوكه يأتي البهائم، يأتي الفاحشة مع الدواب. رجل خطيب من خطباء القوم كان إذا صعد المنبر يقول: "وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام". فإذا ضج القوم وقالوا: "كفرت، كفرت"، قام بالسيف وأطرد من في المسجد. هذا يعتبر وليا من أولياء الله. رجل اسمه أبو خوزة، عنده من أولياء، كان من فعله كما يقولون في ترجمته: يخرج إلى الناس، فإذا وجد امرأة جميلة، وإذا وجد طفلا أو شابا أمرد، تحسسه وتلمسه، بل قال الراوي: "فلربما وضع يده على مقعدته يحسسها". قال: "وليبالي بأحد". قال: "ولو كان أبوه موجود، أي أب الطفل موجود، ما كانوا يبالي". هذا يعتبر عندهم وليا من أولياء الله. يعني ما لن نقول: أحمد البدوي له مزار معروف، يذكر في ترجمته كما ذكر ذلك بعض أهل الترجمة: أنه ما عرف أنه دخل المسجد إلا في يوم الجمعة، دخل المسجد فبال وخرج وما صلى. بعض الناس، أخواني في الله، مما يعدون يعدون أنهم من الأولياء من المجانين من المجاذيب. وهذا موجود، بل أذكر أن بعض هؤلاء من المجانين لهم زيارة، لهم زيارة تعد ويرحل إلى قبره وهو مجنون. وهذا مترجل في حياته، وأن أبناءه أخبروا عن أبيهم أنه قد ماذا؟ قد ربط في آخر عمره بالسلاسل، وأصبح عند القوم وليا من أولياء الله. هل هذا صالح؟ هل هذا ولي من أولياء الله؟ كم نحكي عن بعض المناقب؟ بل أخواني هذا موجود في كتبهم، ليس في كتبنا، في كتبهم. اقرأ، أنشئ عبد الله، ما يتعلق بما ذكره الشعراني في كرامات الصوفية. اقرأ وتمعن في هذا البحر. وليقل أحد: انتبه، وليقل أحد: "أن هذه القصص مدسوسة سمعناها حتى مللنا من سماع هذه الطروحة". أنكم ما تذكرون من كتب الشعراني من كرامات الشعراني، هذه مدسوسة. أقول: إذا كانت مدسوسة، لماذا تدرسون في كتبكم؟ لماذا تدرس في مساجدكم؟ لماذا إلى الآن ما غيرت طبعات هذا الرسالة؟ الطبع الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة، العشرات طبعات تطبع سنويا، وما غير حرف واحد من أحرف هذه الإقصص. مع أن فيها المجون وفيها الخلاعة. سمعتم بالشيخ العريان؟ هذا ولي من أوليائهم. الشيخ العريان كان يدخل المسجد وهو عريان. ولي من أوليائهم. كم نسمع، أخواني في الله، من هذه الحماقات وهذه الخزعبلات؟ هل هذا يقول: تنقص في الصالحين؟ هل هم من أهل الصلاح أصلا؟ فإن تكلمنا في أمثال هؤلاء وحذرنا من أمثال هؤلاء، هل هذا التنقص في الصالحين؟ هل هذا صالح من يتخبط بين الشرك من يقول: القرآن كله شرك والتوحيد في كلامنا؟ هل هذا صالح حتى نمنع من الكلام فيه وننبع عن أخطائه؟ فينبغي، أخواني في الله، وهذا كلام العقلاء، أن ينبغي إذا أردت أن تحكم على رجل بالصلاح، فطبق ما قالوا العلماء: ضابط الصالح الذي أدى حق الله والذي أدى حق عباد الله، مستقيم الحال. هل من الصلاح، أخواني في الله، من كان يشرب الخمر كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن بعض هؤلاء الكبار؟ منهم ما كان ما يصلي، بل منهم من كان قذر. وهذا موجود في كتبهم. كان بعضهم لربما يجمع الجيف. قال: حتى قال: ذكر هذا هو الشعراني في طبقاته: أنه كان هذا من حال هذا الولي أنه ما ويجد جيفة جيفة كلب مطروحة في مزبلة إلا وجعلها في دكانه. قال: حتى مصططها. أحد أن يبقى في متجره هذا معدود من الأولياء. يا ربنا يقول: ﴿وثيابك فطهر﴾ وينجس محله ومحل من جلس معه. فأخواني في الله، فينبغي أن يتحرر مثل هذا المصطلح. وهذه البوق الذي نسمعه بين الفينة والأخرى: الصلاح، إعطاء أهل الصلاح. هؤلاء من الصالحين، هؤلاء أولياء الله. ينبغي أن يحرر أهل الصلاح. هؤلاء من كان مصليا، من كان تقياً، من كان خفيا، من كان عابدا متعبدا متنسكا متألها. هذا هو الصلاح، ويصبه الحقي الولاية لله جل وعلا. يقول نبينا صلوات ربي والسلام عليه: "من عاد لي وليا فقد آذنت بالحرب". ما بلغ العبد الولاية إلا بعد التخلي عن الشهوات والشبهات وعن أمراض القلوب والنفوس، حتى أصبح صافياً خالياً نقياً، بلغ إلى درجة الولاية. فما يصل، عبد الله، نأتي إلى رجل تارك الصلاة أو صاحب مخدرات أو صاحب خمور أو لا يؤدي العبادات ولا يؤدي حق الله، فلن نسميه صالحا، فضلا أن نسميه وليا. نأتي إلى مسألة ثانية. إذا حررنا هذه المسألة: معرفة من هو الصالح، تأتي المسألة الثانية، وهي مهمة كذلك. إذا وجدنا أن هذا رجل من أهل الصلاح، نعم نعترف أن مما يدند به الخصوم، وممن يرفعون بذكر أناس نعترف بأنهم من أهل الصلاح، أناس من النساك من العباد لهم تاريخ حافل بالعبادة والتعبد. وهذا لا يشك في أمرهم، هم من أهل الصلاح، نعم. أناس نتفق، الجميع نحن مع الخصوم، نتفق بأن هؤلاء من أهل الصلاح. لكن تأتي مسألة ثانية، وهي مسألة مهمة: كيف يؤدى حق أهل الصلاح؟ كيف نعطيهم حقهم؟ ما هو المطلوب شرعا؟ هنا يأتي المسألة الخلافية الثانية. الأدلة الدالة الكثيرة تدل على أن أهل الصلاح إذا علمت من هو من أهل الصلاح، وخاصة من الأموات، لك، يا عبد الله، من باب تأدية أهل الصلاح حقهم، أنك تدعو لهم، أنك تستغفر لهم، أنك تترحم عليهم. أنك، يا عبد الله، تذب عن أعراضهم، أنك تكف عن كلام في أعراضهم، أنك، يا عبد الله، تتأسى بأعمالهم بأقوالهم بمنهجهم. هذا الذي يسعك. يقول ربنا جل وعلا في خيرة أهل الصلاح في خيرة أهل الصلاح في الكون، أولوهم الأنبياء والرسل. قال جل وعلا: ﴿أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده﴾. هذا حق لأهل الصلاح، لأنبياء الله والرسل، الاقتداء والإتساء، تأتسي وتقتدي بهم. هذا الذي ينبغي. تحبهم المحبة الشرعية. قال عليه الصلاة والسلام: "المرء مع من أحب". محبة القلب تعطيه هذا حق، تترحم، تستغفر، تكف عن أعراضهم، تذب عن أعراضهم. هذا الذي ينبغي. هذا الصلاح. أما الزيادة، أخواني في الله، مثاله: هل من إعطاء أهل الصلاح حقهم أنك تعبدهم من دون الله جل وعلا؟ تعبدهم، عبادة تصلي لهم، تدعو لهم أو تدعو باسمهم، تستنصر بهم، تستغيث بهم. الله يا فلان، يا فلان، انصرني، يا فلان أغثني. هل هذه من إعطاء أهل الصلاح حقهم؟ لا، هذا ليس إعطاء حقهم، هذا غلو، هذا غلو. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "أن من غلى في نبي أو رجل صالح فقال: يا فلان انصرني، يا فلان أغثني، يا فلان ارزقني". قال: "فإن هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا ضربت عنقه". هذا كفر، ليست محبة للصالحين. هل من محبة الصالحين، يا عبد الله، أنك تأتي عند قبره عند قبره هذا الصالح، ثم تطف حول قبره؟ هل هذه إعطاء إعطاء حقهم؟ هل هذا من حق أهل الصلاح أن تطوف حول قبره؟ هل من حق الصلاح أنك تتمرق عند قبره، وأن تأخذ من طينته وتأكلها وتهضم طينته؟ أخي هذا ما صار. هل من إعطاء أهل الصلاح حقهم أنك تأتي للأحياء منهم للأحياء منهم، فتأخذ من بوله وتأخذ من برازه، فتتبخر به كما صنع من صنع بالحلاج؟ هكذا صنع بالحلاج، غلوا به قوم في حياته، فكانوا يأخذون عذرته وبرازه وبوله، فكانوا يستجمرون به. هل هذا إعطاء أهل الصلاح حقهم؟ ننظر إلى واقع نبينا عليه صلى الله عليه وسلم، هل أحد بالله عليكم ينافس نبينا في صلاحه أبد؟ هل أحد سينافس نبينا في ولايته لربه أبد؟ لا أحد. طب ننظر كيف تفانى الصحابة في إظهار محبتهم لهذا الرجل لنبينا عليه الصلاة والسلام، ماذا كانوا يفعلون؟ أقصى أقصى ما وصلنا عن الصحابة أنهم كانوا يتبركون به، يتبركون بآثاره بما يوضئه، بما تساقط من شعره. هذا الذي بلغنا. هل كانوا يستغيثون باسمه؟ هل يهتفون باسمه؟ هل يستنصرون به؟ هل يرتمون عند قبره؟ ما فعل ذلك. بل يقول بعض العلماء: أن هذا الفعل الذي كان الصحابة يفعلونه مع رسول الله من يتبرك بآثاره هو جائز. ومنهم أن نجعله من الأعمال المشروعة. لكن نبه العلماء: أن نبينا مع الرضا بهذا الفعل، إلا أنه كان يدل الصحابة إلى ما هو أنفع من هذا الفعل. هو جائز، لكن نبينا كان يرشد الصحابة إلى ما هو أنفع من ذلك. وذلك ما رأوه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر رحمه الله تعالى: أن الصحابة كانوا يقتتلون بالماء المتصاقط منه عليه الصلاة والسلام، فلما رأوهم قال: "ما حملكم على هذا؟" فقالوا: "حب الله ورسوله". فقال عليه الصلاة والسلام: "من أراد أن يكون محبا لله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فعليه أن يصدق الحديث إذا حدث، وأن يؤتمن إذا أتمن، وأن يحسن الجوار إذا جاور". استدل بعض العلماء قال: "وذلك فيه تنبيه ودلال من نبينا عليه الصلاة والسلام إلى الصحابة إلى ترك ذلك، وأن يشتغلوا بما هو ينفعهم". قال: "ألا أدلكم بما هو أنفع من ذلك؟" بمعنى كلامه، فدلهم على الأعمال الصالحة. فما يصل، أخواني في الله، إلى هذه الفقرة، لكن نبع على هذه المسائل ما يتعلق بمسألة التنقص بالصالحين أو الإعراب عن الصالحين. ينبغي أن تبين بهذا المراحل: أن أهل السنة والجماعة من أعظم الناس إعطاء لأهل الصالح حقهم. من العباد والزهاد، ومن قبلهم بالأنبياء والمرسلين، يعطون حقهم بالترحم والاستغفر لهم، والكف عن ذواتهم، ونشر فضائلهم، والتمسك بمنهجهم. وهذا الأصل، والرد على الخصوم في هذا الباب، أن يحرر هذه المسائل. الركيزة الأولى: أن نعلم من هو الصالح، حتى لا يكون نزاع بينهم. والأمر الآخر: أنه كيف يعطى لأهل الصلاح حقهم وقدرهم. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.