شرح الأصول الستة 26

شرح الأصول الستة 26

الدرس في شرح الأصول الستة 26، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في وجوب الاتباع للكتاب والسنة

يناقش أهمية الاتباع للكتاب والسنة ووجوب الرجوع إليهما في مسائل الدين، ويشير إلى الشبهات التي يلقيها الشيطان لإبعاد الناس عنهما. يبين أن الشيطان يستخدم أوليائه لنشر هذه الشبهات.

الشبه التي يبثها الشيطان وأثرها على الناس

يشرح كيف يبث الشيطان الشبهات لإبعاد الناس عن الكتاب والسنة، مثل إنكار الاعتماد على السنة في العقائد والتفريق بين السنة المتواترة والآحاد. هذه الشبهات أدت إلى إعراض الناس عن المصادر الشرعية وظهور فرق ضالة.

تحذير الناس من اتباع الآراء والأهواء

يشرح كيف استطاع الشيطان إبعاد الناس عن الكتاب والسنة واستبدلهم باتباع الآراء والأهواء، ويبين أن اتباع الآراء المجردة هو من فعل المكذبين للرسل. يقدم أمثلة على ذلك من الفرق الضالة والمبتدعة.

ختام الدرس والدعاء بالقبول

يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أنه سيتناول في الدرس القادم سبل الرد على الشبهة المثارة، ويختم بالدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل السادس رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المفرقة المختلفة، وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافًا، لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضًا حتمًا لا شك ولا إشكال فيه، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق وإما مجنون؛ لأجل صعوبة فهمهما. فسبحان الله بحمده، كم بيّن الله سبحانه شرعًا وقدرًا، خلقًا وأمرًا في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى، بلغت إلى حد الضروريات العامة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. لقد حق القول على أكثرهم؛ فهم لا يؤمنون. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا فهي إلى الأذقان؛ فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم؛ فهم لا يبصرون، وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. إنما تنذر من اتبع الذكرى وخشي الرحمن بالغيب؛ فبشره بمغفرة وأجر كريم. قال آخره: والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. هذه القاعدة، وهو الأصل السادس والأخير من هذه الرسالة التي حاول المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر فيها أهم الأصول، وخاصة في باب العقيدة والتوحيد، وهكذا في باب المعاملة والسلوك. ونبه رحمه الله تعالى في هذه الأصل الأخير على بعض الشبهة أو بعض الشبهات التي ألقاها الشيطان. فقال رحمه الله تعالى: رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة. وتحت هذه الفقرة إخواني في الله مسائل، ننبه عليها. المسألة الأولى: وهي ينبغي أن تكون في عقيدة كل مسلم، وهو أن نعلم وأن نعرف بأن على كل مسلم وجوب الاتباع للكتاب والسنة. العبد ليس مخيرًا، المسلم ليس مخيرًا في التزام الكتاب والسنة، بل يجب عليه أن يتبع الكتاب والسنة، فتكون هي المرجع وهي الأساس وهي المستند في كل مسألة من مسائل الدين. والآيات في هذا الباب كثيرة ووفيرة، والأحاديث متواترة على وجوب الرجوع وأخذ الكتاب والسنة. قال جل في علاه: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾، فيأمر ربنا جل وعلا باتباع ما أنزله ربنا سبحانه، والذي أنزله من لدنه جل وعلا الكتاب والسنة. والسنة فهما من الوحي الصافي، والذي الله كثير من قرآن، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، وقال سبحانه: ﴿قل أطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾، وقال سبحانه: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. فطاعة الله وطاعة الرسول لا يمكن أبدًا أن تتم إلا بالرجوع إلى الكتاب والرجوع إلى السنة؛ فطاعة الله موجودة في كتابه، وطاعة الرسول موجودة في سنته. فهذا الأصل إخواني في الله ينبغي أن لا يقبل فيه جدل. قال جل في علاه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾. فالأمر في ذلك واضح، كما قال المؤلف: بل بلغ إلى حد الضروريات وجوب الاتباع والأخذ من الكتاب والسنة. المسألة الثانية التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى: أن هذا الأصل مع وضوحه ولا يوجد ما يشكل فيه، إلا أن الناس نجدهم في منأى عن الأخذ من الكتاب والسنة، والذي منعهم من ذلك الشبهات التي أوضعها الشيطان بين الأمة. الشيطان حاول بكل ما أوتي من قوة أن يصد الناس عن الكتاب والسنة، كانت هذه بغيته وهذا أمله في الفرد والمجتمع، أن يعرضهم وأن يمنعهم وأن يصدهم عن الكتاب والسنة. وقد نجح في ذلك، فسيأتينا من أخبار الناس كيف أنهم أعرضوا عن الكتاب والسنة وأقبلوا على غيرهما. فأراد المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المسألة أن يبين أن الشيطان استطاع أن يصد الناس عن الكتاب والسنة. والشيطان استطاع صد الناس عن الكتاب والسنة ما قد يكون بنفسه، ليس الذي ظهر حسًا أمام الناس في بيوتهم وفي بلدانهم وأمرهم أمرًا؛ فإن هذا لا يتأتى، يعني بصورته. لكن استطاع عن طريق أوليائه، عن طريق أتباعه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾، فالشيطان له أولياء، له أحباب، وله من المقربين من ينصاع لأمره. فيأتي الشيطان إلى أوليائه فيوحي إليهم في قلوبهم وفي عقولهم هذه الشبه، يوحي إليهم هذه الشبه، فتتلقف هؤلاء الأولياء، قد يكون أولياء من الإنس، وقد يكون أولياء من الجن، من هؤلاء ومن هؤلاء من أتباع الشيطان، من جند الشيطان، ممن يتلقفون آراء الشيطان ووحي الشيطان، فيأخذون هذه الآراء والأفكار ويبثونها. ومن هنا نعلم إخواني في الله: أن الشيطان ليس فقط من خصائصه ومن أعماله أنه يثير الشهوات فقط، لا، كذلك من أعماله أنه يثير الشبهات. فلهذا تجد أن الفرق الضالة لربما تصدر منها آراء تستغرب كيف جاءت، هذا لا يستبعد منها، يأتي الوحي منه بشبهة في العقيدة أو شبهة في المعاملة أو شبهة في الدين، شبهة قوية. فتجد أن مآل هذه من قذف الشيطان، الشيطان يوحي يوحي في قلوب هؤلاء من هذه الآراء الخبيثة الخطيرة، ما يستطيع بها أن يلبس على كثير من الناس في أمر دينهم. وهذا الذي قال المؤلف رحمه الله تعالى: رد الشبهة التي وضعها الشيطان. وقد يضعها في قلوب أتباعه: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾، يؤزهم أزة ويدفعهم دفعًا إلى بث الشبه وإلى وضع الشبه بين الناس. وقد يحتاج إذا احتاج الشيطان إلى أن يأتي بنفسه متشكلًا بصورة بشر، فعلى ذلك قد يأتي إلى الناس ويتلبس وتشكل، وهذا له قدرة، وهذا بتمكين من الله جل وعلا ابتلاء وفتنة أن يتشكل بشكل الإنس، ثم يسير بينهم ويبث ما يريد من الشبهات. وتلك القصة المشهورة المعروفة، وإن كان فيها مقال: كيف أن الشيطان استطاع أن يدخل مع أهل قريش وكفار قريش عندما أرادوا قضاء على نبينا عليه الصلاة والسلام، فتلبس وتزيّ بزي ذاك الرجل النجدي، الرجل النجدي حتى دس بينهم كأنه رجل جاء من هناك من أرض العرب. فإذ به وهم يتناقشون حول كيفية قتل النبي عليه الصلاة والسلام، فأشار إليهم أن يأتوا من كل قبيلة برجل، من كل قبيلة برجل، فيجتمعون هؤلاء على قتل نبينا بضربة واحدة، فيتفرق الدم بين القبائل، فلا يمكن لبني عبد المطلب ولا بني هاشم أن يقاوموا تلكم القبائل التي اجتمعت على قتل نبينا، كانت فكرة جهنمية، فكرة شيطانية إبليسية، استطاع الشيطان أن يدسها بين الكفار. فهكذا الشيطان قد يحتاج إذا دخل بنفسه، وإلا فإن أتباعه يكفونه مؤنة الدخول، فيزجهم ويبث في أنفسهم وفي قلوبهم وأذهان مثل هذه الشبه الخبيثة. وكما سماها المؤلف: الشبه الملعونة. وكذلكم قلنا: الشيطان يفعل ذلك بالشبه، فما هي الشبه التي يقذفها الشيطان بين الناس ويكون مآلها الصد عن الكتاب والسنة؟ الشبه كثيرة جدًا، والمؤلف أشار إلى واحدة منها. الشبه الذي استطاع الشيطان أن يزرعها في قلوب الناس، وكان من مآلها الإعراض أنهم يعرضوا عن كتاب والسنة، إما جملة أو تفصيلًا، إما الإعراض عن المصدرين الشرعيين أو الإعراض عن أحدهما، المهم أن الشيطان يجعل شبه فيه الإعراض إما الكامل أو التام أو الإعراض الجزئي عن كتاب والسنة. من هذا شبه، مثاله: ويترجح كثير من الفرق الضالة ما يذكر ويقال: أن السنة لا يعتمد عليها، لا يعتمد عليها في باب إثبات عقائد العقائد، هذه شبه إبليسية. ذكر السلف رحمه الله تعالى: أن هذا ما كان معروفًا أبدًا عند الصحابة ولا عند سلف الصالح، أن يأتي من يأتي ويقول: السنة في باب العقائد لا نأخذ بها، وإنما نأخذ بالقرآن فقط، نأخذ بالقرآن فقط. وطبعًا هذه الشبه الأولى: أنهم يقولون أن القرآن هو مصدر التشريع، وأن السنة لا نبالي بها، السنة هي دون القرآن، بإمكان أن نستغني عن القرآن بالسنة، كما ظهرت لنا في هذه الفرقة في الآونة الأخيرة في الأزمة المتأخرة، فرقة القرآنيين، فرقة القرآنيين ممن يتبجحون بأن مصدر التشريع هو القرآن فقط دون السنة. وأتوا ببعض الأمور التي ظنوا تسعفهم في رد السنة، وأن الكفاية وأن الغنى في القرآن، فهذه دعوة إبليسية وفكرة شيطانية بثت في قلوب هؤلاء حتى اعتنقوها وعملوا بها، وهم الآن في هذه الأزمان يتعاملون بها، لهم وتواجد في بعض الدول الإسلامية، ولهم كذلك مراكز، ولهم كذلك أتباع، وكتب تؤلف لهذا المذهب الضليل، وهو الدعوة إلى الرجوع إلى القرآن دون السنة. شبه ثاني أتى بها الشيطان، وهي أن يقول بعضهم: لا القرآن مصدر التشريع، والسنة مصدر التشريع، لكن ينبغي أن نفرق بين السنة الآحاد والسنة المتواترة، فما كان من الآحاد فهذا على العين والرأس، وما كان من المتواتر فهو على العين والرأس، وما كان من الآحاد فهذا ليس له عمل وليس له نظر وليس له حظ من العمل. وهذا قال به كثير من الفرق الضالة، المعتزلة ومن كان على فلكهم، برد خبر الأحاد، فتأتي الأحاديث الصحيحة الواضحة البينة إلى أمثال هؤلاء فيها الأمر أو فيها ذكر حكم من أحكام العقائد أو فيها إثبات صفة من صفات الله عز وجل، إذ بهؤلاء بكل سهولة وبكل السهولة يردونها، يعرضون عنها بحجة أنها أحد. وهذا كذلك من فعل إبليس اللعين، إذ استطاع أن يفرق بين دين الله جل وعلا، وأن يفرق بين السنة، الذي كان من جراء هذا التفريق هذا العمل أن ردت السنة بغير سبب، فاستطاع الشيطان أن يأتي بالشبه. وهنا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر شبه أيضًا، وسيأتي الكلام عليها بمعنى أوسع في باب آخر، وهي أنه يقول: أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، هذه شبهة بثها الشيطان، وكذلك اعتنقها الكثير من جهلة المسلمين، التصور أن القرآن والسنة لا يمكن أن تفهم، وأن يعمل بما فيها، وأن يتحرى ما فيها من مسائل، هذا لا يتأتى إلا للمجتهد المطلق فقط. هؤلاء من كان على هذا الوصف فهو الذي يتاح له النظر في القرآن، ويتاح له النظر في السنة. فتخيل مثل هذه الشبهة إذا استمالت لها القلوب كيف يكون حالهم؟ وهذا قد رأيناه، وأظن بعض من كان عاش في البوادي وعاش في القرى يعرف مصداق ذلك. كم حرم الكثير من أبناء المسلمين فرصة التعلم والانكباب على الكتاب والسنة، لوجود من قد اعتنق هذه الفكرة من الكبراء ومن السادة ومن المشايخ، يرون أنهم إذا كانوا في قرية، وإذا أراد أحد أن يتعلم القرآن والسنة أو يقبل على حلقات القرآن، نظروا فيه، فإن رأوه أنه من هو دون النسب ودونهم في الحسب، وأنه رجل من أهل القرآن أو رجل من البداوة، نفروه عن القرآن والسنة. بحجة: انتبه، هذه علوم شرعية، هذا علم الله، علم الرسول، هذا الكتاب والسنة، أنت من حتى تتفقه في هذه الأمور؟ ارجع، هذا الباب ليس لك، هذا ليس لك، فردوا الكثير من أبناء المسلمين، حتى جعلوهم في مدارك الجهل، وجعلوا هذا الباب خاص لهم ولأتباعهم ولأبنائهم، واحتكروا علم الشريعة. فدب الجهل، ولهذا نرى أن أكثر الناس جهلًا من كان في القرى ومن كان في البوادي؛ لأسباب كثيرة، ومنها أن السادات وأن السادة وأن الكبراء في تلك من النواحي كانوا يتشبثون بهذه الشبهة، وهي شبهة شيطانية، أنهم ينفرون الناس ويعرضونهم بتخويفهم: أن هذا الباب ليس لك، لا لعمر ولا لزيد، إنما للمجتهد المطلق، من عنده أهلية، من عنده نظر، فهذا يدخل، أما لا. فرد الكثير من الناس، وهذا للأسف كما قال مؤلف رحمه الله تعالى: من أعظم الأمور التي صدت الناس عن الكتاب والسنة. وسأتي إن شاء الله معنا في معرض كتاب المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بأمر الاجتهاد والتفريق بين الاجتهاد وبين غيره. ثم تأتي المسألة الرابعة، والذي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى: وهو أن الشيطان بعدما استطاع أن يبث مثل هذه الشبه التي ذكرها المؤلف وغيرها، ما الذي صار؟ وما الذي وقع؟ أتى الشيطان ببديل آخر، بديل يحل محل الكتاب والسنة. الشيطان استطاع أن يبعد الناس عن الكتاب والسنة كما قلنا: إما بالتخويف، وإما بالضلالات، وإما بالتلبيس، أبعدها أولًا، ما هو البديل؟ البديل ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: رد الشبه التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء. فاستبدل الشيطان بالكتاب والسنة الآراء والأهواء، وهذا الذي وقع، وهذا الذي حاصل في كثير من المبتدعة، إلا ما أقول: كل المبتدعة، كل المبتدعة على هذا المنوال، وكل نصيبه في اتباع الآراء على قدر نصيبه من ترك الكتاب والسنة. فمن ترك الكتاب والسنة بالكلية، فإن اتباعه لآراء الرجال بالكلية، وكلما قل نقصانه لكتاب والسنة، قل نقصانه لآراء الرجال، فهكذا المقياس. وترون إخواني في الله: أن الفرق الضالة والمبتدعة، وأن من سلك مسلك هؤلاء ورضي بالبدعة دينًا ومنهاجًا، فإنه لا يعتمد على الكتاب والسنة، وإنما اعتماده الكل على قول مشايخه، على قول رجال الدين الذين هم في هذا المذهب. فقول قال مؤلف رحمه الله تعالى: في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء. وقد بيّن علماء رحمهم الله تعالى: أن اتباع الآراء المجرد أن ذلك من فعل المكذبين، أن هذا من فعل المكذبين. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه: درء التعارض، قال: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليهم هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر، بل هو جماع كل كفر، كل كفر مرجعه إلى هذه المصدر وإلى هذه الحيثية والجزئية، وهو أن تقدم آراء الرجال على كل شيء. وهذا الذي يوجد إخواني في الله في الفرق الضالة، تجد أحد الأتباع والمريدين إذا نصحته بنصيحة أو أتيته بحكم شرعي، إذ به يتبجح: أن هذا ليس عليه قول المشايخ، وليس هذا قول الأتباع، فيترك هذا بذاك، وكذلك عما الأمر طم حتى بين أصحاب المذاهب. فتجد كل يعظم شيخه ويعظم صاحب مذهبه، ويقدم كلام صاحب المذهب على كلام الله وعلى كلام رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا أخوان في الله أمر خطير جدًا؛ لأن ما رده مآله إلى الإعراض عن الكتاب والسنة. وحتى رأينا بلغ الأمر حتى عند من يدعي النسك ومن يدعي الزهد من أصحاب الطرق المتصوفة، أنهم سلكوا هذا المسلك. وهذا كما يقول: أصبح الصمة البارزة في كل أهل البدع، أنهم يعظمون آراء الرجال على الكتاب والسنة. فكانت من هذه المناهج السلوكية المتصوفة التي باع الزهد: أنهم كانوا يعظمون في قلوب المريد، وهو الطالب المبتدئ، يسمى عندهم بالمريد، فإنهم يعلمون المريد من أول نشوءه أن يعظم شيخه أكثر من تعظيمه للكتاب والسنة. حتى كانت من عباراتهم المعروفة ومن عباراتهم المشهورة قالوا: لا تعترض فتطرد، لا تعترض فتطرد، أي لا تعترض على شيخك، افعل بما يفعل وقل بقوله. حتى من عباراتهم: من قال لشيخه لم لم يفلح، من قال لشيخه لم -يعني أنت قد ترى في سلك هذه الجماعة أن شيخ من مشايخهم قد يفعل من الأخطاء، وقد يفعل من السلوك المخلة لدينه. فأنت إذا تجرأت فقط تجرأت لا ناقش، إنما طرح السؤال، إذا تجرأت على أن تقول لشيخك: لما لما فعلت هذا؟ قال: من قال لشيخه لم لم يفلح أبدًا، لا تفلح أبدًا، فأنت مطرود كما يدعون من رحمة الله، مطرود من علم الحقيقة، أنت مطرود من الفوز الكبير. فيخوفون أتباعهم بهذه الشبهة، وذلك بتعظيم الرجال، حتى قال بعضهم: كن مع شيخك كالمغسل كالميت عند مغسله، كن عند شيخك كالميت عند مغسله، الميت ميت يأتيه المغسل يقلبه كيف شاء ومتى شاء، وهكذا كن يا أيها المريد مع شيخك، أن كأنه إذا فعل أمره ولو كان مخالفًا للشريعة، فلا تتجرأ بالمعارضة ولا تتجرأ بشيء. وعندهم رب الناس، وهذا ما جاء هذا الأمر إلا بعدما زرعوا في قلوبهم الإعراض للكتاب والسنة إما كليًا وإما جزئيًا. وسعة إن شاء الله معنا في درس غد بإذن الله ما يتعلق بمسألة الاجتهاد الذي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، وكيف أن الشيطان من شبهه في القوم أنه ذكر لهم على أن باب العلم والكتاب والسنة لا يتأتى إلا للمجتهد. نبين بإذن الله في درس غد ما يتعلق بضد هذه الشبهة وسبل ردها من أوجه عديدة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.