الدرس في أعمال أهل الجنة - اجتناب الكبائر 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد على أهمية الابتعاد عن الكبائر لتحقيق دخول الجنة، ويوضح تعريف الكبائر وخطورتها. يُبين أن اجتنابها من صفات الذين يُجزون بالحسنى.
يُحذر من عواقب الكبائر مثل الزنا واللواط وآفات اللسان، ويشدد على أهمية التوبة النصوح للفوز بالجنة. يُبين أن من يبتعد عن الكبائر يدخل الجنة.
يتضمن المقطع الختامي دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي وآله وصحبه، ويُظهر تواضعًا واعترافًا بقدرة الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فهذا المجلس الخامس من المجالس التي نتتبع فيها أهم الأعمال والأقوال والأحوال التي يصل بها المسلم والمسلمة إلى الجنان، ومن هذه الأعمال يا عبد الله الحرص التام في اجتناب الكبائر، الحرص التام على اجتناب الكبائر، فالكبائر من الذنوب العظام، ومن أراد أن يضمن لنفسه الجنة فليحرص على عدم اقترافه لشيء من كبائر الذنوب. وروى ابن حبان في صحيحه، وصححه العلامة الألباني في الصحيحة، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من عبد يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر إلا أدخله الله الجنة». تأمل في هذا الحديث إخواني في الله، عمومًا فيه الترتيب الذي قد مضى ذكره: «ما من عبد يعبد الله لا يشرك به شيئًا»، التوحيد، ثم العروج على أركان الإسلام، وعلى رأسها الصلاة، «ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان»، ثم تأتي المسألة المرادة بعد حرصك على التوحيد وحرصك على مباني الإسلام، احرص يا عبد الله على عدم الوقوع في كبائر الذنوب، قال: «ويجتنب الكبائر إلا أدخله الله الجنة». وكبائر الذنوب قد حدها كثير من العلماء: هو كل ذنب يترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، الذنوب ليست كلها على طبق واحدة أو على درجة واحدة، فيتفاوت أعظمها الكبائر، ضابطها هذا الضابط: كل ذنب ترتب عليه حد، حد في الدنيا من رجم، من جلد، من قتل، هذا حد في الدنيا، هذا يعد كبيرة، أو وعيد في الآخرة ترتب عليه وعيد يوم القيامة، من ذلكم أن يلعن من فعل كذا، فعليه لعنة الله، هذه من كبائر الذنوب، أو نفي الإيمان: «لا إيمان له من فعل كذا أو كذا»، «ليس من المؤمنين من فعل كذا»، نفي الإيمان يعد من كبائر الذنوب. فإذا استطعت يا عبد الله أن تبتعد عن كبائر الذنوب، هذه الطريقة ووسيلة وضمان لأن تدخل الجنة، وهذا قد جاء مصداقه في قول ربنا عز وجل، كما قال سبحانه: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾، هذا متى؟ إذا اجتنبت، «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه»، فالكبائر يا عبد الله اجعل لها حكمًا خاصًا في التعامل بحذر، لا تتهاون فيها، لا تنغمس في موبقاتها. ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، رجل عنده صغائر، عنده ذنوب، لكن لما ترك الكبائر هذه سيئة تمحى، تمحى، لماذا؟ لأنك تركت الكبائر، هذا فضل عظيم، فضل عظيم جدًا بفضيلة تركك الكبائر، ما كان من سائر الذنوب تمحى، زد على ذلك: ﴿وندخلكم مدخلا كريما﴾، الجنة، الجنة. وآيات أخرى، قال سبحانه وتعالى: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾، ذكر ربنا جل وعلا من أعظم صفات الذي يجزون بالحسنى -وهي الجنة- أنهم يجتنبون الكبائر والفواحش، وهي الذنوب العظام. فاحرص يا عبد الله إذا أردت أن تكون من أهل الجنة، فما كان من حرصك على التوحيد وحرصك على أركان الإسلام، احرص على ترك الكبائر، فلا تكون فاجرًا ولا ماجنًا، لا تكون يا عبد الله ظالمًا متعديًا على حقوق الناس، وخاصة الدماء، من أعظم الكبائر سفك الدماء، إزهاق الأرواح. قال عليه الصلاة والسلام: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا ولم يتند بدم حرام أدخله الله الجنة»، احرص على أن تخرج من هذه الدنيا ولم تتلطخ يدك بدم حرام، احرص، كل شيء إلا القتل، إلا القتل، قال نبينا: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا ولم يتند أي يصاب ويصيب بدم حرام» -وهو الدم- «دم النفس التي حرمها الله»، وهي دماء المسلمين، كل من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، إياك أنك يا عبد الله تقدم على إزهاق روحه، لا تستهين بهذا الفعل، فهو كفيل بمنعك من دخول الجنة، كفيل بمنعك من دخول الجنة، والأدلة على ذلك كثيرة. لكن انظر إلى واقع الناس إخواني في الله، وما تمر علينا يوم من الأيام إلا وتطل علينا الأخبار بأن فلانًا قتل، بأن فلانًا سفك دم فلان، نهيك عن القتال والحروب الذي يقع على هذه الدنيا البائسة، فاخرج يا عبد الله من هذه الدنيا بيدين بريئتين من دماء المسلمين، لأن هذا من السبل ضمان الجنة لك. كذلك يا عبد الله من حرصك على اجتناب الكبائر ما يكون من حرصك على عدم اقتراف معصية الزنا، وهي من أعظم الفواحش ومن الكبائر التي جاءت في حقها الأدلة الكثيرة على النهي عنها، لا تكن يا عبد الله زانيًا، بل كن عفيفًا متحصنًا. روى الطبراني في معجمه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يا شباب قريش احفظوا فروجكم لا تزنوا، فإنه من حافظ فرجه دخل الجنة»، يا شباب قريش، خص نبينا صلى الله عليه وسلم هذا السن -سن الشباب- لأنه السن الذي بالعادة تتفجر فيه شهوة الشهوة، لكن الحكم عام، يدخل في ذلك من صغر ومن كبر، وهذا الحكم ليس فقط خاص بالرجال -أي بجنس الذكور- يدخل كذلك إناث والنساء، فالخطاب عام، عموم التشريع. قال عليه الصلاة والسلام: «يا شباب قريش احفظوا فروجكم لا تزنوا»، ثم قال: «فإنه من حفظ فرجه دخل الجنة»، ابتعد يا عبد الله عن هذه الدسيسة، الزنا، وما كان في معناها من إتيان الذكران، من اللواط، كل ذلك من عظيم المحرمات الذي من ابتلي بها فالله جل وعلا يبعده عن الجنة ويدنيه ويقربه من النار والعياذ بالله، كن يا عبد الله عفيفًا متعففًا متحصنًا. الجنة يا عبد الله هي دار الأبرار، هي دار المتقين الأطهار، أما من كان على عمل رجس أو على فعل دنس فإن الجنة تبعد عنه، كن طاهرًا متعففًا بما أحل الله لك، واصبر، فإن الصبر عاقبته حميدة. كذلك يا عبد الله من الكبائر ما يكون من كبائر اللسان، من آفاته، من السب والشتم والغيبة والنميمة والبهتان والتطاول والطعن والغمز والاستهتار والاستهزاء، كل ذلك من آفات اللسان العظام، ابتعد عنها قدر الإمكان. قال عليه الصلاة والسلام: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فرجيه أضمن له الجنة»، يضمن من نبيك عليه الصلاة والسلام بأن تضمن من نفسك هذين العضوين، الفرج وقد مر معنا، فلا تكن يا عبد الله فاحشًا شهوانيًا تتتبع ملذات فرجك، وإنما كن حصنًا حصينًا متعففًا. «من يضمن لي ما بين فرجيه -ما بين فخديه- وما بين لحييه -أي مقصود بذلك اللسان والفم- تحفظ هذا»، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أضمن له الجنة»، هذه ضمانة من نبيك عليه الصلاة والسلام. وهكذا قس يا عبد الله سائر الكبائر، الأدل كثير على ذلك، أشار نبينا إلى أن من اقترف الكبائر لا يدخل الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة نمام، لا يدخل الجنة قاطع رحم، لا يدخل الجنة عاق، لا يدخل الجنة المصدق بالنجوم، ولا المكذب بالقدر، ولا المصدق بالسحر، ولا يدخل الجنة مدمن الخمر، ولا يدخل الجنة من غذي بالحرام»، أحاديث كثيرة، كلها تدل على أن من أعظم ما يصد الناس عن الجنان كبائر الذنوب، ابعدها يا عبد الله. ومن ابتلي بكبائر الذنوب فليتق الله، فلا يزال في العمر متسع بالتوبة، فإن من تاب تاب الله عليه، في التوبة النصوح بالإقلاع والندم عما مضى وفات، وعدم الإصرار والاسترسال في هذا المضمار، التوبة متاحة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما جاء ذلك في الآثار عن سلفنا الصالح. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بهذا الدرس، في الدرس اليوم الخامس من هذه السلسلة، على أن من الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم ومسلمة في سبيل الوصول إلى الجنة أن لا تبتلى يا عبد الله بكبائر الذنوب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.