الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 458، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وصفاته ومواقفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر شيخه مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله بعض جوانب حياته.
يُشدد على أهمية التقوى في طلب العلم وحفظه وفهمه، ويُذكر دور وكيع بن الجراح كإمام في الكوفة لما امتلكه من علم وحفظ وتقوى.
يشرح حديث سلمة بن الأكوع حول نيل سلاح القتيل من النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين حكم الغنائم والأموال في الحرب كما ورد في أحاديث أخرى وقرار عمر بن الخطاب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند سلمة بن عمر بن الأكوع رضي الله عنه وسلم من رجال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كان من أهل النبل، وكذلك من الرجال الذين يمشون على أقدامهم. وقد أتاه الله عز وجل سرعة في المشي والجري، وهمة عالية، حتى استنقذ إبل الصدقة من بعض الكفار الذين أرادوا أو الذين أخذوها، استنقذها منها كلها. مشى معهم قرابة يوم كامل، وهو يمشي خلفهم حتى أنفذوها كلها، فأرجعها خلفهم، ثم جرى خلفهم حتى جاء بعد ذلك فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحقوا به. وهذا همة منه رضي الله عنه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير رجالنا سلمة بن الأكوع، وخير فرساننا أبو قتادة». فسلمة رضي الله عنه من المجاهدين الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر غزواته. كان مجلسه رضي الله عنه في الكوفة. قال رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رضي الله عنه، رحمه الله: حدثنا علي بن محمد، علي بن محمد هو التنافسي، علي بن محمد بن عبيد التنافسي، وهذه قبيلة علم، فمحمد بن عبيد ويعلى وعمر كلهم إخوة، كانوا أئمة من حفاظ أهل الكوفة. يا علاء ومحمد وعمر، وهذا علي بن محمد التنافسي الكوفي، قال: حدثنا وكيع. وكيع هو ابن الجراح ابن مليح الرؤاسي الكوفي، إمام أهل الكوفة في الحفظ، وهو الذي جلس بعد السفياني. وكان كما كان إسحاق، إبراهيم إمام الحفظ، كان يقول: حفظنا تكلف، وحفظ وكيع طبع. وكان يحيى بن معين يقدم وكيعًا على عبد الرحمن وعلى يحيى بن سعيد في سفيان الثوري، أن يقدم وكيعًا على عبد الرحمن. وكذلك كان الإمام أحمد رحمه الله، مع أنه ألصق بعبد الرحمن بن مهدي شيخه، أقصد أنه لزمه كثيرًا أكثر من وكيع، لكنه كان يقدم وكيعًا على عبد الرحمن من ناحية الحفظ، وكذلك من ناحية الورع. وعبد الرحمن من ناحية العدالة يؤدي عن الألفاظ، ووكيع يلحن أحيانًا، فلكنه من ناحية الحفظ وإتقان الحديث، فكانوا يقدمون وكيعًا على عبد الرحمن، رحمة الله عليهما. وكان وكيع يحفظ ما يأخذ كتابًا، لهذا قال له علي بن خشرم: قال له يا أبا سفيان، ما نراك تأخذ كتابًا أو قال: ما رأيت معك كتابًا وتحفظ، هلا تدلنا على شيء أو على هذا الأمر عن علاج هذا الأمر، وإيش تفعل؟ فقال له: أتستطيعه؟ قال: قل. فقال: ترك المعاصي، ترك المعاصي يأتي الحفظ ويثبت هذا الحفظ. وكما قال ما ينسب للشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وقال: إن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاص. فالعلم يحتاج إلى تقوى الله حتى يسير طالب العلم على الجد والاجتهاد. فالعلم بلا تقوى غالبًا يخرب العبد، ويجعل هذا العبد على ضياع، وإن حصل من العلم ما حصل، لكن تجد أنه على ضلال، وغالبًا يصير من أئمة البدع، من أئمة أهل النار، أهل البدع الذين يدعون إلى النار. لكن إذا كان معه تقوى من الله، أيده الله عز وجل وحفظه، وكذلك أيضًا أعطاه من العلم. والعلم ليس فقط ما يحفظ، وإنما العلم ما يحفظ ويفهم ويعمل به. فلهذا كان وكيع إمام أهل الكوفة. قيل لابن المبارك: من خلفت بالكوفة؟ قال: خلفت وكيعًا. وقيل له: من خلفت بالبصرة؟ قال: خلفت وكيعًا، يريد أنه في المصرين في البصرة والكوفة، وكيع هو حافظهم. وقال أبو نعيم: ما أفلح هذا الكبش فينا، يريد بالكبش هو وكيع بن الجراح رحمه الله، يريد أنه من ناحية حفظه وعلمه، أنه لا أحد يستطيع أن يأتي بعلمه وحفظه. قال: حدثنا أبو العميس، وأبو العميس هو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أخو عبيد الله، قال: وعكرمة بن عمار، وهو الدهني الكوفي، كان ثقة إلا أنه في رواية عن يحيى بن بكثير اضطراب، قال: عن إياس بن سلمة بن الأكوع، وإياس يروي عن أبيه فقط عن أبيه، قال: «بارزت رجلًا فقتلته، فنفلني رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه». قال شيخنا: هذا حديث صحيح، وعكرمة بن عمار صدوق إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، ففيها اضطراب، وهو مقرون هنا بأبي العميس عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقد وثقه أحمد بن معين بن سعد، وهو من رجال الجماعة. قال: وهو من رجال الجماعة، أي جماعة، هذه من رجال الجماعة، هذا من رجال أهل أمهات الست. فمعنى البخاري ومسلم وأصحاب السنة يسمى الجماعة، أنه إذا أخرج للراوي البخاري ومسلم أصحاب الأمهات الست، يقال: لو أخرج له الجماعة، وإن مثلًا تخلف أحدهم، يقولون: إلا فلان، إلا النسائي أو إلا أبا داود. فالجماعة هم أصحاب الأمهات الست. فهذا الحديث يقول سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: «بارزت رجلًا فقتلته». أنا رجل من المشركين، والمبارزة المواجهة، هذه المبارزة غالبًا تكون قبل الحرب. وعتاد العرب أنهم في حروبهم أولًا يبرز بعضهم لبعض، يعني يظهرون قوتهم، يظهرون قوة شجعانهم وفرسانهم. فلهذا فيبارزون، مثل ما حصل في بدر، خرج بعض المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، خرجوا وقالوا: من يبارز؟ وخرج لهم بعض الأنصار، وقالوا: من القوم؟ قالوا: فلان فلان، قالوا: قوم الكرام، لكن نريد أبناء عمنا. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم حمزة أن يخرج، وعليًا، وأيضًا ثالثهم الوليد أو عبيدة بن الحارث ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله عمه، واثنين من أبناء عمه، فتبارز، فقتل حمزة شيبة، وقتل علي الوليد، وقيل العكس، وتبارز عتبة مع عبيدة، ثم أجهز علي حمزة حتى قتلهم، قتلوهم ثلاثة. وهكذا حصل أيضًا في خيبر، وفي غيرهم، فكانوا يخرجون للتبارز قبل الحرب. فقال سلمة بن الأكوع: بارزت رجلًا فقتلته، فنفلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلبه. والمراد سلبه، أي سلاحه، السلاح الذي معه أعطاه لسلمة. ونفلني المراد نفلني أعطاني، فالنفل مثل ما قال جل وعلا: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾، كل الأنفال لله والرسول، لكن أحيانًا ينفل أمير الجيش بعض الجيش، يعطيهم من الغنيمة قبل أن تقسم، وهذا يسمى نفل. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سلمة سلبه هذا الرجل، أعطاه سلبه، أعطاه سلاحه لأنه قتله. وهذا أيضًا سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، قد جاء في عدة أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل قتيلًا فله سلبه»، من قتل قتيلًا فله سلبه، أي يعطى سلاحه. وأما بقية الأمور التي معه من المال أو من الثياب أو من غيرها، فهي تكون في الغنيمة تكون في الغنيمة. أما سلاحه فيكون لقاتله. ولهذا لما قتل أبناء عفراء أبا جهل، كلاهما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: أنا قتلته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أريني سيفاكما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلاكما قتله، فأعطاهما سلبه. فلهذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن من قتل قتيلًا يعطى سلبه، يعطى سلاحه، وهذا كرامة له، وأيضًا جائزة له على هذا الفعل. وأما كما قلنا الأشياء التي تكون معه من الأموال، فتوضع في الغنيمة. لهذا بعض الصحابة رضي الله عنه قتل رجلًا من الروم، وكان هذا الرجل عليه درع ذهب، درعه درع ذهب، فقتله هذا الصحابي، فأراد أن يأخذ هذا الدرع، فقال له أبو عبيدة أو سعد بن وقاص: لا تأخذوا حتى نرسل إلى عمر، فأرسلوا إلى عمر، فحكم عمر أنه لا يأخذ مثل هذا، لأن هذا ليس سلاحًا، لكنه مال، العاقل أنه مال، مالًا. فلهذا في مثل هذه الأموال لا تأخذ، وإنما توضع في الغنائم، ثم تقسم بعد ذلك تقسيم الغنائم كما حكم الله عز وجل فيه. طيب هذا ما يأخذ الله تعالى.