كتاب الصلاة 1

كتاب الصلاة 1

الدرس في كتاب الصلاة 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الصلاة وأهميتها

الصلاة عمود الإسلام وفرضت على النبي في السماء السابعة، وتاركها يعتبر مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب. تختلف آراء العلماء حول كفر تارك الصلاة كسلا.

أوقات الصلوات الخمس وآدابها

يشرح المقطع أوقات الصلوات الخمس مستدلاً بالأحاديث النبوية، ويبين آراء الفقهاء في تحديد هذه الأوقات وآداب تأديتها. يتناول وقت صلاة العشاء والفجر والعصر.

حكم قضاء الصلاة الفائتة

إذا فاتت الصلاة بسبب النوم أو النسيان، فيجب قضاؤها فور تذكرها. أما إذا تركت الصلاة عمدا، فلا ينفع قضاؤها ويجب التوبة الصادقة والإكثار من النوافل.

تفسير حديث "أصبحوا بالصبح" وتوضيح معناه

اختلف العلماء في تفسير الحديث بين الصلاة في وقت الإسفار أو التيقن من طلوع الفجر أو الإطالة في صلاة الفجر. التفسير الثاني هو الأصح ويُفسر بأن يبدأ بغلس وينتهي في وقت الإسفار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -أمه الله- كتاب الصلاة، وكتاب على وزن فعال بمعنى مفعول، كتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب في ذكري أحاديث الصلاة. وصلاة لغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾، أي: ادع لهم. وأيضا في حديث أبي هريرة في الصحيح: «إذا دعي أحدكم إلى طعام، فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليصل»، يعني: يدعو لصاحب الطعام. وأما اصطلاحا أو شرعا، فهي عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. والصلاة من أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فهي عمود الإسلام، فرضت على النبي عليه الصلاة والسلام في السماء السابعة لما عرج به عليه الصلاة والسلام، مما يدل على عظم هذه العبادة وهذه الطاعة. قال الحديث التاسع والتسعون بعد المئة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، رواه مسلم. قال حديث المئتين، عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، رواه الترمذي وصححه ابن حبان. هذا الحديثان يدلان على عظم أمر الصلاة، وأن من تركها وتفريط فيها فإنه يقع في الكفر، فإنه واقع في الكفر. ومن ترك الصلاة جحودا، أي: إنكارا لوجودها ومشروعيتها، فهذا كافر بإجماع أهل العلم، الذي يقول: ما في الصلاة واجبة، هذا كافر لأنه جاحد. وأما إذا تركها كسلا، يقول: نعم، أو قر أن الصلاة واجبة، لكنه ما يصلي، فهذا اختلف أهل العلم في حكم كفره. فذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه يكفر، إلى أن تارك الصلاة كسلا يكفر كفرا أكبر، وسلل بهذه الأحاديث: حديث جابر، وحديث بريدة، وما كان بمعناها. وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يكفر، ويكون مرتكبا لكبيرة من كبائر الذنوب، ويكون واقعا في الكفر، لكنه كفر أصغر. وسلل بما ثبت في السنن: «إن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بعقوبة تارك الصلاة»، ثم قال في ذكره في ذلك الحديث: «ثم يرى سبيله، أو قال: إن ذكر عقوبته، قال: فإن عفى الله عنه وإلا عاقب»، أو معنى الحديث: يعني فيه أن تارك الصلاة قد يكون سبيله إلى الجنة بعد أن يعاقب أو يعفى عنه. وهذا لا يكون في حق الكافر، فالكافر لا شك أن مصيره النار مخلدا فيها. فكون يكون في العقوبة يعني تحت المشيئة، أو يكون هناك له سبيل إلى دخول الجنة، هذا يدل على أنه ليس بكافر كفرا أكبر، ليس بكافر كفرا أكبر. وعلى كل، فتارك الصلاة على خطر عظيم، فهو واقع في ذنب عظيم، وفي جرم كبير، ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، يخشى عليه من الهلاك بسبب هذا الذنب. فهي أي الصلاة الصلة بين العبد وبين ربه، والفاصل يعني بين الإيمان والكفر، فأمرها عظيم، لا ينبغي التساهل فيها. قال باب المواقيت، قال الحديث الواحد بعد المئتين، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس»، رواه مسلم. قال حديث الثاني بعد المئتين، وله عن حديث بريدة رضي الله عنه في العصر: «والشمس مرتفعة بيضاء نقية». هذا الباب باب المواقيت يعني مواقيت الصلاة، فالصلاة لها أوقات لابد أن تؤدى فيها، فلا تصح الصلاة قبل وقتها، ولا تصح بعد خروج وقتها، بل لابد أن تؤدى في الوقت المحدد لها شرعا. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. ففي حديث عبد الله بن عمر قال: «وقت النبي صلى الله عليه وسلم أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر». زوال الشمس هي ميل الشمس من كبد السماء إلى جهة الغروب. الشمس تطلع من جهة المشرق وترتفع وترتفع وترتفع حتى تصل إلى كبد السماء، ثم تميل إلى جهة الغروب، أول ما تميل إلى جهة الغروب هذا وقت الزوال، دخل حينئذ وقت الظهر. ويعرف هذا بالمزولة، يعني عصى ثابتة، وتلاحظ ظل هذه العصى عند شروق الشمس أو قبل الزوال بفترة، ترى أن الظل هذا الشاخص طويل، وكلما اقتربت الشمس إلى وسط السماء كلما يقل وقصر هذا الظل، حتى يصل إلى حد يقف فيه، هو ما يقف، لكن ترى كأنه واقف، ببطء الشمس يستقر شيئا ما، تضع له علامة، فإذا مالت الشمس إلى جهة الغروب مباشرة يزيد هذا الظل على الموضع الذي فعلت فيه العلامة، هنا معناه زالت الشمس ودخل وقت الظهر. ويستمر وقت الظهر حتى يصير ظل الرجل كطوله، فإذا صار ظل الرجل كطوله، وظل مثلا هذا الشاخص كطول الشاخص، مع في الزوال الظل الذي بقي عند وصول الشمس إلى كبد السماء، فهنا انتهى وقت الظهر ودخل وقت العصر. قال: «ما لم يحضر العصر»، والعصر يحضر إذا صار ظل الشيء كطوله، هنا ينتهي الظهر ويدخل مباشرة العصر، وليس بين الظهر والعصر وقت مشترك، يعني يمكن الإنسان يصلي فيه الظهر ويصلي فيه العصر، لا، إذا صار ظل الشيء كطوله انتهى الظهر ودخل العصر. قال: «ما لم يحضر العصر»، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، يعني إذا كانت الشمس ما زالت بيضاء نقية، فهذا وقت العصر، يستمر إلى قبل اصفرار الشمس. وهذا وقت الاختيار، وقت العصر له وقتان: وقت اختيار، إلى قبل اصفرار الشمس، يعني للإنسان أن يؤخر الصلاة مختارا إلى هذا الوقت، قبل أن تصفر الشمس. ووقت الاضطرار من اصفرار الشمس إلى قبل الغروب، هذا الوقت وقت اضطرار، يعني لا يجوز الإنسان أن يؤخر الصلاة فيه اختيارا، إلا إذا كان مضطرا، كأن ينام أو ينسى أو يشغل بشيء حتى تصفر الشمس، فهنا يصلي ويكون مضطرا، وينتهي وقت العصر بغروب الشمس. بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، قد أدرك العصر». فهنا ذكر وقت الاختيار. قال: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق»، إذا غربت الشمس دخل وقت المغرب، ويستمر إلى غياب الشفق، والمراد بالشفق: الشفق الأحمر، الحمرة التي تكون عند سقوط قرص الشمس، فهنا يبدأ وقت المغرب، فإذا غاب هذا الشفق وذهبت هذه الحمرة، هنا انتهى وقت المغرب. قال: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط»، نعم، ووقت صلاة العشاء إذا غاب الشفق الأحمر دخل، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، إلى نصف الليل يستمر وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، فإذا انتهى نصف الليل ينتهي وقت صلاة العشاء على الصحيح لهذا الحديث. وتعرف نصف الليل بأن تقسم الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فالنصف هو نصف الليل. وهذا القول هو الأرجح: أن وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل. وذهب جماعة منهم الجمهور إلى أن هذا الوقت وقت اختيار، ومن نصف الليل إلى قبل الفجر وقت اضطرار. وسلل بحديث الذي في مسلم: «ليس في النوم التفريط، إنما التفريط على من ترك الصلاة حتى جاء وقت الصلاة الأخرى». قالوا: هذا يدل على أن يعني وقت الصلاة لا ينتهي إلا بمجيء الصلاة الأخرى التي بعده، إلا صلاة الفجر، فإنه ينتهي بطلوع الشمس. وأجيب عن هذا الحديث بأن هذا الحديث لم يسق لذكر المواقيت، وإنما سيق لبيان عدم المؤاخذة إذا حصل التفريط في الصلاة بسبب النوم، فالإنسان لا يؤاخذ بذلك. ربنا: «تأخذنا إن نسينا أو أخطأنا»، وهكذا النسيان. «رفع القلم عن ثلاثة: والنائم حتى يستيقظ». وأما هذا الحديث فقد سيق لبيان وقت الصلاة، فهو صريح لأن وقت الصلاة العشاء ينتهي إلى نصف الليل. قال: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس». صلاة الصبح تبدأ من طلوع الفجر، المراد به الفجر الصادق كما سيأتي، إذا طلع الفجر وهو البياض الذي يكون في الأفق في جهة المشرق، إذا بان واتضح دخل وقت الفجر، ويستمر وقت الفجر إلى أن تطلع الشمس، إذا طلعت الشمس انتهى وقت صلاة الفجر. وفي حديث بريدة: «والشمس مرتفعة بيضاء نقية»، يعني ما زالت الشمس فيها حرارتها، هذا معنى ما زال وقت صلاة العصر، وتصلى كما سيأتي في أول وقتها. قال حديث الثالث بعد المئتين، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حية، وكان يستحب أن يؤخر من العشاء، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المئة»، متفق عليه. في هذا الحديث استحباب التعجيل بصلاة العصر، وأن تصلى في أول وقتها، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر، ثم يرجع المصلي من الصحابة مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى رحله، يعني إلى بيته ومنزله، في أقصى المدينة، في آخر المدينة. قال: «والشمس حية»، يعني ما زالت بيضاء، وفيها شعاع، والحرارة معنى هذا أنه يصلي عليه الصلاة والسلام العصر في أول الوقت. قال: «ويستحب أن يؤخر من العشاء»، يعني يستحب في صلاة العشاء التأخير، لكن تأخير لا يشق على الناس، أما إذا شق على الناس فيصليها في أول وقتها، كما في الأحاديث الأخرى: «لولا أن أشق على أمتي». قال: «وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها»، يعني يكره النوم قبل صلاة العشاء، لأن هذا مظنة للنوم عن صلاة العشاء وتضيعها، ويكره الحديث بعدها، يعني الكلام والقيل والقال، حتى يختم للإنسان بعمل صالح في آخر يومه، وهو صلاة العشاء، فربما إذا تكلم يعني يتكلم بشيء باطل من لغو أو كذا، فتكتب عليه، يعني إثم، مخطئة، فخير له أن يكون آخر عمله الصلاة. واستثنى أهل العلم من الحديث ما يحتاج إليه من كلامه مع أهله، مع أولاده، كلامه مع الضيف، لا بأس بذلك، وهكذا إذا كان عنده مجلس علم، لا بأس بذلك أن يكون بعد العشاء، أما إذا كان الحديث في شيء من أمور الدنيا والقيل والقال، فالأولى أو الذي ينبغي يترك ذلك، فيكره الحديث في مثل هذه الأمور بعد العشاء. قال: «وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المئة». ينفتل يعني ينصرف من صلاة الغداة، أي من صلاة الفجر، حين يعرف الرجل جليسه، بمعنى أنه كان يصلي الفجر يصليها بغلس، في ظلمة الليل وظلمة الفجر، وينتهي من صلاة الفجر فيعرف الرجل جليسه الذي بجانبه، قبل الصلاة ما يعرف من هو، لكثرة الظلام، وبعد الصلاة يعرف الرجل جليسه، لأنه ينتهي في الغالب من صلاة الفجر في وقت الإسفار. وهذا فيه الاستحباب التبكير في صلاة الفجر، التبكير في صلاة الفجر أن تصلى في أول وقتها، بالغلس كما سيأتي، ولهذا كان يطيل النبي صلى الله عليه وسلم القراءة فيه، ويقرأ بالستين إلى المئة، يعني من الآيات بالستين إلى المئة. قال حديث الرابع بعد المئتين، وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس»، متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ثم صلاها بين المغرب والعشاء». نعم، في قصة الخندق، يوم أن تحزبت الأحزاب وحاصرت النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين في المدينة، شغل النبي عليه الصلاة والسلام عن صلاة العصر، فلها دعا عليهم: «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس»، يعني حتى خرج وقتها. وفيه دليل على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين». في هذا الحديث تصريح وبيان أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، فشغل النبي صلى الله عليه وسلم عنها حتى غابت الشمس، فصلاها النبي صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء. ففي هذا الحديث أولا: دلالة على أن وقت صلاة العصر ينتهي بغياب الشمس، ينتهي بغياب الشمس. فما مر معنا في حديث عبد الله بن عمر هو بيان لوقت صلاة العصر الاختياري، وقتها الاختياري. وأما وقتها الاضطراري فكما سمعتم يستمر إلى قبل غروب الشمس، فإذا غربت الشمس انتهى وقت الصلاة. وفيه كذلك: أن من ترى من فاتته الصلاة لعذر، من فاتته الصلاة لعذر، يعني نوم أو نسيان أو يعني شغل بشيء أنساه الصلاة أو نحو ذلك، فإنه يصليها بعد دخول وقت الصلاة الأخرى، ويبدأ أولا بصلاة الفائتة، ثم وقت الصلاة الحاضرة، حتى يراعي الترتيب في أداء الصلاة. فصلاها النبي صلى الله عليه وسلم أي العصر بين المغرب والعشاء، أي بعد غروب الشمس. قال حديث الخامس بعد المئتين، عن عمران بن حصين رضي الله عنه في قصة نومهم عن صلاة الفجر، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ارتحلوا»، فسار بنا حتى إذا بيضت الشمس نزل، فصلى بنا الغداة، متفق عليه، واللفظ لمسلم. نعم، في قصة نومهم عن صلاة الفجر، حين كانوا في غزوة، وأصابهم التعب والإرهاق، فأوكل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إلى بلال حتى يؤذنهم بالصلاة بصلاة الفجر، فشدة التعب يعني أخذ النوم في عين بلال، فغفل ولم يوقظ الصحابة إلا بحرارة الشمس، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرتحلوا، يعني ينتقلوا من هذا الموضع الذي ناموا فيه، فصل بهم الفجر بعد طلوع الشمس، وقد طلعت الشمس. وهذا فيه أن الصلاة إذا فات وقتها بسبب النوم أو النسيان، فتقضى، فيصليها الإنسان متى ما استيقظ. بقوله عليه الصلاة والسلام: «النائم عن صلاة أو نسيها، فحدها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». إذا نام وما استيقظ طبعا من غير تفريط، مع الحرص على الاستيقاظ وأداء الصلاة في وقتها، لكن غلبته عيناه، فمتى ما استيقظ يصلي يصلي. وهكذا إذا نسي الصلاة حتى خرج وقتها، متى ما ذكر يصلي. لكن لو تركها عمدا، هل يقضيها؟ الصواب أنه لا يقضيها، ما ينفعه القضاء، من ترك الصلاة متعمدا حتى خرج وقتها، هذا لا ينفعه القضاء، بل عليه التوبة الصادقة، والإكثار من نوافل الصلاة. وإنما القضاء وإنما القضاء في حق من تركها لعذر، القضاء في حق من تركها لعذر. هذا قول المحققين من أهل العلم: شيخ الإسلام تيمية، وابن القيم، وابن عقيل، وجماعة. لأن الصلاة لها وقت محدد، لا يجوز يعني ترك الصلاة حتى ينتهي وقتها، فمن فعل ذلك متعمدا ما نفعه القضاء، القضاء جاء في حق من له عذر، من نوم أو نسيان، أما يتركها متعمدا بلا عذر، ثم يقول: أنا سأقضيها، هذا ما ينفعه. قال حديث السادس بعد المئتين، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفجر فجران، فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة -أي صلاة الصبح- ويحل فيه الطعام»، رواه ابن خزيمة والحاكم وصححه. قال حديث السابع بعد المئتين، وللحاكم من حديث جابر رضي الله عنه نحوه، وزاد في الذي يحرم الطعام أنه: «يذهب مستطيلا في الأفق»، وفي الآخر: «إنه كذنب السرحان»، يعني: الثعلب. والحديث صحيح. إذن الفجر الفجر فجران، كما بين نبي عليه الصلاة والسلام: فجر يقال له الفجر الصادق، وفجر يقال له الفجر الكاذب. الذي يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة هو الفجر الصادق، يحرم الطعام يعني لمن أراد الصيام، من أراد أن يصوم فإنه يحرم عليه الطعام إذا طلع الفجر الصادق، ويجب عليه الإمساك، وتحل فيه الصلاة أي صلاة الفجر، هذا يسمى الفجر الصادق. وفجر تحرم فيه الصلاة أي صلاة الصبح، يعني ما يجوز أن يصلي الصبح في هذا الوقت، ويحل فيه الطعام أي لمن أراد الصيام، له أن يأكل يأكل، هذا يسمى الفجر الكاذب. في حديث جابر ذكر شيء من صفات الفجرين، فقال في الذي يحرم الطعام يعني الفجر الصادق: «إنه يذهب مستطيلا في الأفق»، هذا من صفات الفجر الصادق، يعني مثلا لو نقول هذا هو جهة المشرق، أفق المشرق واضح، كله الفجر الصادق يظهر بياض في الأفق كله، ترى بياض في كل الأفق، هذا من علامات الفجر الصادق. العلامة الثانية: أن هذا البياض يستمر يزداد يزداد يزداد حتى تطلع الشمس. العلامة الثالثة: ليس بين هذا البياض والأفق فاصل أو سواد، بل هو متصل، الفجر الصادق يكون متصل بالأفق. أما الفجر الكاذب قال فيه: «فإنه كذنب السرحان»، أي: كذنب الثعلب، هكذا يكون البياض هكذا واضح، ثم يكون بين هذا البياض وبين الأفق ظلمة، ليس متصل بالأفق، بينه وبينه ظلمة، ثم هذا البياض يتلاشى وينتهي. واضح إذن الفجر الصادق هذا الذي يحل الصلاة ويحرم فيه الطعام، يحل فيه صلاة الفجر. وأما الفجر الكاذب فلا تحل فيه صلاة الفجر. قال الثامن بعد المئتين، وعن جابر رضي الله عنه قال: «والعشاء أحيانا يقدمها وأحيانا يؤخرها، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر، والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس». نعم، العشاء أحيانا يقدم أحيانا يؤخرها، يعني ينظر إلى حال الناس، إذا اجتمعوا قدم الصلاة، وإذا تأخروا أخر الصلاة، فيراعي الناس في إقامة الصلاة. تعرفون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يعني ما كانت هناك كهرباء ومصابيح إلى آخره، وكانت من عادتهم أن العشاء يكون بعد المغرب، العشاء يكون بعد المغرب، فرغم أحد يتقدم، أحد يتعجل، أحد يتأخر، فلهذا ينتظرون يعني قدومهم إلى الصلاة، وإذا تعجلوا عجل الصلاة، وإذا تأخروا انتظرهم عليه الصلاة والسلام. وإذا رأهم اجتمعوا عجل، وإذا رأهم أبطأوا أخر، وهذا فيه مراعاة للناس، وموافقة السنة كذلك أن يكون إقامة الصلاة أحيانا يعني تتقدم، أحيانا تتأخر، هذا أقرب إلى السنة. وإن كان لا حد يعني وقت محدد، الغالب الناس اليوم يجعلون للصلوات وقتا محددا، حتى يعني تنضبط أعمال الناس وكذا، لكن لا بأس لو قدم أحيانا أو أخر أحيانا، مرة يقدم مثلا يعني دقيقتين أو ثلاث، مرة يؤخر، لا بأس بذلك، هذا أقرب للسنة، ويرعى في ذلك حال الناس. قال: «والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس»، الغلس هو اختلاط ظلمة الفجر مع ظلمة الليل، ويكون هذا في أول الفجر، يكون في أول الفجر، فيه استحباب صلاة الفجر في أول وقتها. قال حديث التاسع بعد المئتين، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس»، متفق عليه. تخبر عائشة رضي الله عنها أنه كان النساء يصلين الفجر مع النبي عليه الصلاة والسلام متلفعات بمروطهن، يعني متخمرات بخمرهن السوداء، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس، يعني من شدة ظلمة الفجر ما يعرفهن أحد، قد يرى يعني ظل هذا الإنسان أو جسد هذا الإنسان، لكن ما يدري من هو، لأن الوقت ما زال فيه ظلام. هذا كله يدل على تعجيل النبي عليه الصلاة والسلام لصلاة الفجر بأول وقتها، وحرص كذلك نساء الصحابة رضوان الله عليهن على الخير، حتى إنهن يخرجن لصلاة الفجر ويشهدنها مع النبي عليه الصلاة والسلام. وفي جواز مثل ذلك إذا أمنت الفتنة، وكذلك أيضا خرجت المرأة يعني غير متبرجة ومتعطرة، فمثل هذا جائز. قال حديث العاشر بعد المئتين، ولمسلم الحديث أبي موسى رضي الله عنه قال: «فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكادون يعرفوا بعضهم بعضا». هذا أيضا يدل على استحباب تعجيل الفجر في أول وقته. قال حديث الحادي عشر بعد المئتين، عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم»، رواه الخمسة وصححه ابن حبان. نعم، هذا الحديث فيه الأمر بالإصباح بالصبح، «فإنه أعظم للأجر». ما المراد بقوله: «أصبحوا بالصبح»؟ بعض أهل العلم قال: مراد بهذا أن تصلى الصبح في وقت الإسفار، حين ينتشر ضوء الفجر ويسفر، وتذهب الظلمة، وتذهب الظلمة. وذهب آخرون إلى أن المراد بقوله: «أصبحوا بالصبح» يعني تيقنوا من طلوع الصبح، تيقنوا من طلوع الصبح. وهذا هو الصحيح، المراد به التيقن من طلوع الفجر، ومن العلماء قال: بل يعني يحمل هذا الحديث على أن المراد به الإطالة في صلاة الفجر، حتى ينتهي من الصلاة في وقت الإسفار، أن يطيل القراءة في صلاة الصبح، يعني يدخل فيها بغلس وينتهي منها في وقت في وقت الإسفار، ينتهي منها في وقت الإسفار. بهذا يكون قد صلى بغلس وأصبح بالصبح، وينتهى منها في وقت إسفار الفجر. صلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.