كتاب النكاح والطلاق 26

الدرس في كتاب النكاح والطلاق 26، ألقاها

مقدمة في تعريف النفقة وأنواعها

النفقة تعني كفاية من يمونه بالمعروف وتشمل القوت والكسوة والمسكن وتوابعها. تختلف أنواع النفقات باختلاف المستحقين لها.

أحكام النفقة على النفس والأهل

النفقة واجبة على الإنسان لنفسه ثم لأهله من زوجة وأولاد ووالدين. يدل على ذلك أدلة من القرآن والسنة النبوية وتختلف النفقة باختلاف حال المنفق عليه.

تفاصيل نفقة الزوجة والمماليك والبهائم

تجب النفقة على الزوج لزوجته حسب كسبه وللمطلقة الرجعية أثناء العدة وللمملوك من قوت وكسوة وسكن وللبهائم إطعامًا وسقيًا ورعاية. يُستثنى من النفقة الزوجة الناشز والمطلقة البائن إلا إذا كانت حاملًا.

ختام الكتاب والانتقال للدرس اللاحق

تم الانتهاء من الكتاب الحالي والاستعداد للانتقال إلى كتاب الجنايات في الدرس القادم بإذن الله. ختم الدرس بالدعاء والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الحادي عشر في النفقات، أي أن هذا الباب معقودٌ للكلام على أحكام ومسائل النفقات، وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا بيان ذلك. المسألة الأولى: تعريف النفقة وأنواعها. تعريف النفقة: النفقة لغة مأخوذة من الإنفاق، وهو في الأصل بمعنى الإخراج والنفاد، ولا يستعمل الإنفاق إلا في الخير، أي لا يقال فلان منفق أو أنفق إلا إذا كانت تلك النفقة في الخير. وشرعًا: كفاية من يمونه بالمعروف، قوتًا وكسوةً ومسكنًا وتوابعها. ومعنى كفاية من يمونه: يقال مان الرجل أهله، يمونهم مونًا ومؤنةً، أي كفاهم وعالهم وأنفق عليهم. فمعنى كفاية من يمونه: أي كفاية من يعوله، كفاية من يعوله ومن يكفله ومن يقوم بالإنفاق عليه بالمعروف. وقوله: "كفاية من يمونه" فيه دلالة على أن النفقة تكون على من هو من أهل النفقة عليه، فلا يتعداه إلى غيره إلا على سبيل الفضل والاستحباب هذا في الأصل، إلا أن يتعين لأمر خارج. وقولهم: "بالمعروف" أي أن ذلك الإنفاق يعود ضابطه ومقداره إلى عرف الناس وما يقدره الناس ويتعارفون عليه الناس في مجتمعاتهم، وهو يختلف من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر. فأيست النفقة لها حد محدود محصور أو معدود في كل زمان ومكان؟ بل إن مقدارها يعود إلى عرف كل مجتمع بحسبه. قالوا: "من يمونه بالمعروف قوتًا من حيث الطعام والشراب، وكسوة من حيث الكساء اللباس، ومسكنًا من حيث السكن، وتوابعها" أي توابع هذه الأشياء: القوت، الكسوة، السكن وتوابعها، أي ما يكون تابعًا لهذه الأشياء. أنواع النفقات: النفقات كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنواع، منها: نفقة الإنسان على نفسه، هذه من النفقة أن الإنسان ينفق على نفسه إن كان ذا مال. الثاني: نفقة الفروع على الأصول، أي أنواع النفقات، يعني معناه تجب نفقة الإنسان على نفسه، ثانيًا تجب نفقة الفروع على الأصول، والفروع هم الأبناء وإن نزلوا، والأصول هم الآباء وإن علوا. الثالث: نفقة الأصول على الفروع، أي العكس، نفقة الفروع يعني في الأول، في الثاني تكون نفقة الفروع على الأصول، أي نفقة الأبناء تكون على الآباء، وفي الثالث تكون نفقة الآباء إن كانوا ذا حاجة وليس عندهم من يعولهم، تكون نفقتهم على الأبناء وهم الفروع. الأمر الرابع: نفقة الزوجة على الزوج، أي أنه يجب أو تجب نفقة الزوجة على زوجها، أي أن الزوج هو الذي ينفق من ماله على زوجته. هذا أو هذه الأنواع أو هذه الأنواع إجمالًا، وسأتكلم عليها تفصيلًا. أولًا: نفقة الإنسان على نفسه، يجب على المرء أن يبدأ في الإنفاق على نفسه إن قدر على ذلك، لحديث جابر رضي الله عنه قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دبر، ومعنى عن دبر: أي إذا مات، يقول عبدي حر إن مت، أو يقول عبدي حر عن دبر، أو عبدي حر بعد الممات، أو ما شابه ذلك من العبارات التي تدل على أن العبد يصير حرًا إذا مات سيده. قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دبر، إلى أن قال: إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك" الحديث، وهو في صحيح الإمام مسلم رحمه الله. والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يبدأ بالنفقة أولًا على نفسه، "ابدأ بنفسك فتصدق عليها"، ففيه دلالة على وجوب النفقة على النفس أولًا، وفيه كذلك دلالة على أن الإنسان إذا أنفق على نفسه محتسبًا تلك النفقة على أنها تعينه على طاعة الله، هي نفقة وهي كذلك صدقة يؤجر عليها. قال ثانيًا: نفقة الفروع، فيجب على الوالد أن ينفق على ولده وإن سفل، لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، فأوجب على الوالد نفقات رضاعة الولد. ولحديث عائشة رضي الله عنها أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". ثالثًا: نفقة الأصول، فتجب نفقة الوالدين على ولدهما، لقوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾، ومن الإحسان الإنفاق عليهما، بل إن ذلك من أعظم الإحسان إلى الوالدين. ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه". وهذا الحديث يرويه أو رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. ولحديث عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنت ومالك لوالدك". أنت ومالك لوالدك. إن أولادكم من طيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم. رابعًا: نفقة الزوجة، تجب نفقة الزوجة على الزوج، لقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾، الشاهد: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾، فالرجال هم الذين يقومون بالنفقة على النساء، وهذا من التفضيل الذي فضل الله جل وعلا به الرجال على النساء. ولحديث جابر رضي الله عنه في سياق حجة النبي صلى الله عليه وسلم: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف". وهذا دليل كذلك يدل على إيجاب النفقة من الرجل على الزوجة. "ولهن عليكم أن يلزمكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف". والحديث في صحيح مسلم كما هو معلوم، أي في حديث صفة الحج الطويل. ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المتقدم: "ابدأ بنفسك، فإن فضل شيء فلأهلك". الأهل يدخل فيه الزوجة والأبناء. وكذلك لحديث عائشة المتقدم: أي في حديث هند بنت عتبة، وأخذها من مال أبي سفيان، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لهند: "خذي وولدك ما يكفيك بالمعروف". فيلزم الزوج نفقة زوجته قوتًا وسكنًا وكسوة بما يصلح لمثلها. ومعنى "بما يصلح لمثلها": أن المطعم والمسكن وكذلك الملبس تختلف فيه النساء، فالمرأة الشريفة لها ما يليق بها، والمرأة الوضيعة كذلك لها ما يليق بها من النفقة ومن السكنة ومن المطعم والمشرب. وكذلك يعود إلى حال الرجل وإلى كسب الرجل، لأن الرجل تكون نفقتهم على حسب كسبه، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، ﴿متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين﴾، فيختلف كذلك باختلاف كسب الرجل سعة وتقتيرًا. قال: وهذه النفقة تجب للزوجة التي في عصمته، أي نفقتها إذا كانت الزوجة في عصمة الرجل، وكذلك المطلقة طلاقًا رجعيًا ما دامت في العدة. المرأة إذا كانت في طلاق رجعي وكانت في العدة فهي زوجة، وإذا كانت الزوجة فيلزمهم الإطعام والإسكان وكذلك الكساء لها ما دامت في عدتها، لأنها في أحكام الزوجات. ويستثنى من ذلك: أي من الزوجة التي هي في عصمة الرجل، ولكن لا يجب عليه نفقتها إن كانت المرأة ناشزًا، إن كانت المرأة ناشزًا من زوجها، بمعنى إذا كانت المرأة عاصية لزوجها لا تطيع زوجها، وربما خرجت من بيت زوجها إلى بيت أهلها مغاضبة لغير ما سبب إلا النشوز، أي عدم طاعة الزوج، وبقيت مثلًا عند أهلها الشهر والشهرين أو أكثر من ذلك، فإنه لا يجب على الزوج نفقتها. وأما المطلقة البائن: أي المطلقة طلاقًا بائنا، فلا نفقة لها ولا سكن، إلا أن تكون حاملًا فلها النفقة، لقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾. المسألة الثانية: نفقة المماليك والبهائم. أولًا: نفقة المماليك، حكم النفقة على المماليك، المماليك أي هم العبيد الذي يملكهم الإنسان ذكرًا كان أو أنثى، وذكورًا كانوا أو إناثًا، يجب على السيد نفقة مملوكه من قوت وكسوة وسكن بالمعروف. لقوله تعالى: ﴿وقد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم﴾، وقوله تعالى: "للمملوك طعامه وكسوته". والحديث في صحيح مسلم قال: "ويجب الرفق بهم وعدم تحميلهم فوق طاقتهم"، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". وهذه من الوصايا النبوية ومن السياسة النبوية. ثانيًا: نفقة البهائم، أي إنسان إذا كان عنده بهائم: أغنام، أبقار، إبل، دجاج، إلى غير ذلك من البهائم، مع أن البهائم تطلق على الإبل والبقر والغنم، لكن يدخل فيه كل ما يقوم الإنسان بتربيته من حيوانات التي تسمى أليفة، أي تألف الإنسان. قالوا: ثانيًا: نفقة البهائم، يجب على من ملك بهيمة إطعامها وسقيها والقيام بشؤونها ورعايتها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها ولم تسرحها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا"، أي ماتت من شدة الجوع. فدل ذلك على وجوب النفقة على الحيوان المملوك، لأن دخول امرأة النار كان بسبب ترك الإنفاق على الهرة، ومثلها باقي الحيوانات المملوكة. فإن عجز مالك البهيمة عن الإنفاق عليها، أجبر على بيعها أو تأجيرها أو ذبحها إن كانت مما يؤكل، لأن بقاءها في ملكه مع عدم الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته ولو كان على الحيوان. في هذا دلالة واضحة على شمولية هذا الدين لجميع المخلوقات ولو كانوا حيوانات، فإن هذا الدين لا يرضى بالظلم، ﴿يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا﴾. فحرّم ربنا تبارك وتعالى الظلم على نفسه وحرمه كذلك على غيره، وكما قيل: الظلم محرم في جميع الشرائع، وكذلك حرمته معلومة معروفة بالعقل والفطرة. والله تعالى أعلى وأعلم. وبذلك نكون انتهينا من هذا الكتاب، وندخل بإذن الله تبارك وتعالى في كتاب الجنايات في الدرس اللاحق بإذن الله تبارك وتعالى. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على