الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول ابن تيمية اختلاف التضاد في تفسير القرآن، واستشهد بمناظرة الإمام أحمد مع خصومه حول ضرب القرآن بعضه ببعض. هذا يوضح أهمية فهم النصوص العامة بشكل صحيح.
ناقش المقطع حديثا نبويا يحذر الأمة من اتباع الأمم السابقة ومخالفة أوامر الله، وتناول مفهوم الصابئة وتأثيرهم على الفلاسفة والملاحدة. هذا يبين أهمية مخالفة الأمم السابقة.
شرح المقطع كيف أن أهل السنة جمعوا بين الأمر والقدر، بينما أخطأ أهل الضلال في التفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. هذا يؤدي إلى فهم صحيح للقضاء والقدر.
اختتم المتحدث الدرس مع وعد باستكمال الموضوع في درس لاحق، معربا عن اعتماده على مشيئة الله في ذلك. يشير إلى أن الله أعلم بكل شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر الشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في اختلاف الصراط المستقيم ذكر الاختلاف على نوعين، ثم ذكر اختلاف التنوع ووجوهه، ثم ذكر اختلاف التضاد، وذكر أن من اختلاف التضاد ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عن ضرب القرآن بعضه ببعض. قال رحمه الله: وقد كتب أحمد في رسالته إلى المتوكل هذا الحديث، وجعل يقول لهم في مناظرته يوم الدار: إنا قد نهينا أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض. وقال لهذا: قد أخذنا. قالوا: قد كتب أحمد في رسالته إلى المتوكل هذا الحديث، وجعل يقول لهم في مناظرته: أي حديث ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم. فقال الإمام أحمد: لما كان يناظرهم -يناظر ابن عبي دعاد وغيره- كان يقول: إنا قد نهينا أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض، ويقصد هذا الحديث. وأراد الإمام أحمد أنه لا يأتي هؤلاء بآية يقولون مثلا: يقولون الله خالق كل شيء، فيقولون: إن القرآن شيء وهو داخل في هذه الآية. فيجيبهم الإمام أحمد بقوله: والله عز وجل قال: «قل أي شيء أكبر شهادة قل الله»، إن الله عز وجل جعل نفسه شيئا أيضا، فهل هو داخل في الآية؟ فمثل هذا هو ما أراد أنه يضرب كتاب الله بعضه ببعض، لكن أراد أن يبين لهم أن الاستدلال بهذه النصوص العامة خطأ. قالوا: قد روى هذا المعنى الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب. وقالوا: في الباب عن عمر وعائشة وأنس، وهذا الحديث حديث صحيح رواه أهل السنن وأحمد. وجاء كما ذكر الشيخنا بعدة ألفاظ، وفيها كلها: أنهي عن أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض، وذكرنا ما المقصود بهذا. قالوا: هذا باب واسع لم نقصد له ها هنا، وإنما الغرض التنبيه على ما يخاف على الأمة من موافقة الأمة قبلها، إذ الأمر في هذا الحديث كما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقولون: إن النور يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر، ومذهب الصابئة -والصابئة: يقال لكل من ترك دينه صابئ، والصابئة أصلا هم قوم يعبدون الكواكب والملائكة- وجعلهم العرب كأنهم لا يعبدون أحدا؛ لأن العرب كانوا يعبدون الأصنام، فلما كانوا هؤلاء يعبدون الكواكب قالوا لهم: صابئة، فانتشر بعد ذلك في العرب أن كل من ليس له دين أو غير دينه من عبادة الأصنام إلى غيره قالوا له: صابئ. قال: وهذا مذهب كثير ممن عطل الشرائع، مثل الفلاسفة والملاحدة وغيرهم. قال: فإن القوم تنازعوا في علة فعل الله سبحانه وتعالى لما فعله، فأرادوا أن يثبتوا شيئا يستقيم لهم به تعليل فعله في مقتضى قياسه على المخلوقات، فوقعوا في غاية الضلال؛ إما بأن فعله ما زال لازما له، وإما بأن الفاعل اثنان، وإما بأنه يفعل البعض والخلق يفعلون البعض. معنى هذا: أراد قول قدرية، وإما بأن ما فعله لم يأمر بخلافه، وما أمر به لم يقدر خلافه. لم يقدر خلافه، وهذا كله في القدر، وذلك حين عارضوا بين فعله وأمره، حتى أقر فريق بالقدر وكذبوا بالأمر، وأقر فريق بالأمر وكذبوا بالقدر، حين اعتقدوا جميعا أن اجتماعهما محال، وكل منهم مبطل بالتكذيب بما صدق به الآخر. وأراد رحمه الله أن يبين أن أهل السنة لما جمعوا بين الأمر والقدر فرقوا بين الأمور، لكن أولئك الضلال وأكثر فرق الضلال لم يستجيزوا أن يجمعوا بين الفعل والأمر -أن المراد بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية- فالأمر هو الإرادة الكونية والفعل، أو أقصد القدر هو الإرادة -أقصد القدر الإرادة الكونية- والأمر هو الإرادة الشرعية، ففرقوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وهذا هو التفريق بين القدر والأمر. لكن أكثر أهل الضلال من القدرية النفاة وكذلك أكثر المثبتة كلهم ضلوا في هذا الباب، ولم يفرقوا بين الإرادتين، واستحالوا أن يجتمع القدر والأمر معا. قالوا: أكثر ما يكون ذلك لوقوع المنازع في الشيء القليل قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه. ولهذا قال: ما عرفتم منهم فاعملوا به، وما جهلتم منهم فردوه إلى عالمه. والغرض بذكر هذا الحديث التنبيه على مثل ما في القرآن من قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَاضُوا﴾ المراد كما تقدم قبل أن قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَاضُوا﴾ أي خاضوا بالباطل، خاضوا بالباطل، فخطهم مثلهم بالباطل، وهذا هو ضلال الطغاة الذي ذكره. ثم ذكر حديث أبي واقد الليثي، وأيضا ذكر بعض الأحاديث التي تبين أن هذه الأمة اتبعت السنن من كان قبلهم، وهذا الذي أهلكهم، وهذا الذي أيضا جعلهم ينحرفون عن الطريق الصحيح وعن الصراط المستقيم. فإن شاء الله تعالى نذكر ذلك في درس لاحق، فنكمل بهذا. والله أعلم.