كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات 1

الدرس في كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية القضاء وصفات القاضي

القضاء فرض كفاية يجب على الإمام نصب من يحصل فيه الكفاية ممن له معرفة بالأحكام الشرعية. يشترط في القاضي عشر صفات منها الذكورية والحرية والعدالة والاجتهاد.

أدلة الإثبات في الدعاوى والمنازعات

يقع عبء الإثبات على المدعي، ويجب عليه تقديم البينة مثل الشهود أو الوثائق. إذا لم يكن لديه بينة، يُطلب من المدعى عليه أن يحلف يمينًا أو تُرد اليمين إلى المدعي.

أحكام الشهادة وتحذير من التساهل في اليمين

تناول المقطع أحكام الشهادة في الإسلام وشروط قبولها، كما ناقش خطورة الحلف كذبا في اليمين وعاقبته. الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من التساهل في أمر اليمين ويبين أهمية التعامل الجاد معه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمسلمين، أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السعيد رحمه الله في كتابه «منج السالكين وضيح الفقه في الدين»، قال: «كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات». قال: «والقضاء لابد للناس منه، فهو فرض كفاية، يجب على الإمام نصب من يحصل فيه الكفاية ممن له معرفة بالقضاء، بمعرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها على الوقائع الجارية بين الناس». وعليه أن يولي الأمثل فالأمثل في الصفات المعتبرة في القاضي. ويتعين على من كان أهلا ولم يوجد غيره ولم يشغله عما هو أهم منه... إلى آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الكتاب «كتاب القضاء». القضاء لغة: الحكم. القضاء لغة: الحكم. مصطلاحا: هو فصل النزاع بين المتفاصمين. والدعاوة: جمع دعوة، وهي لغة: الطلب. مصطلحاً: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمته. والمدعي: من يطالب غيره بحق. والمدعي عليه: هو المطالب. أو يقال: المدعي من إذا ترك لم يترك، والمدعي عليه: هو المطالب. أو يقال: المدعي من إذا ترك ترك. والبينات: جمع بينة، وهو ما يحصل به بيان الحق. يقول: القضاء لابد للناس منه، فهو فرض كفاية، أي لابد من وجود من يقضي بين الناس، من يقضي بين الناس ويفصل النزاع بينهم، بما يقع من مطالبة بحقوق وأموال وأن أموال ونحو ذلك. فهذا فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. وذلك أن أمور الناس لا تستقيم إلا بذلك. قد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين الناس، وأرسل من يقضي بين الناس، كما أرسل علي قاضيا إلى اليمن. قال: يجب على الإمام نصب من يحصل فيه الكفاية. ولي الأمر يجب عليه أن ينصب من يكون أهلا للقضاء حتى يقضي بين الناس. وذلك أن ولي الأمر بنفسه لا يستطيع أن يقضي بين الناس جميعا، خاصة إذا كانت الولاية كبيرة ومتفرقة، فيصعب ذلك. قال: يجب على الإمام نصب من يحصل فيه الكفاية ممن له معرفة بالقضاء، بمعرفة الأحكام الشرعية، يعني الحلال والحرام وغير ذلك من الأحكام، وتطبيقها على الوقائع الجارية بين الناس، وكيفية القضاء بينهم، بمعرفة المدعي والمدعي عليه والبينات التي تثبت بها الدعوة، وحكم الشهادات إلى آخره. قالوا: عليه أن يولي الأمثل فالأمثل في الصفات المعتبرة في القاضي. نعم، يعني يولي الأفضل والأكمل. وقد ذكر العلماء أن يشترط في القاضي عشر صفات. أولها: الذكورية، أن يكون ذكرا، فلا يصلح تولية المرأة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة». والشرط الثانية: أن يكون حرا، فلا يصلح تولية العبد المملوك، لأنه منشغل بخدمة سيده، ليس له من الحرية ما يستطيع القيام بمثل هذه المسؤولية. وثالثا: أن يكون مسلما، ولا يصلح تولية الكافر. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلِيَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. الشرط الرابع: أن يكون عدلا، أن يكون عدلا، لا يكون فاسقا. والشرط الخامس والسادس: أن يكون سميعا بصيرا. سميعا حتى يسمع الدعوة من المدعي، وبصيرا حتى يرى المدعي والمدعي عليه، ويعرف من هو المدعي ومن هو المدعي عليه. والشرط السابع: أن يكون متكلما، أن يكون متكلما حتى يستطيع أن يتكلم ويطالب المدعي بالحجة، ويقضي بين المتخاصمين. الشرط الثامن: أن يكون مجتهدا، لا يكون مقلدا، بل عنده أهلية للاجتهاد. والشرط التاسع: أن يكون بالغا، فلا يصح تولية الصبي في القضاء. والشرط العاشر: أن يكون عاقلا، فلا يصح تولية المجنون. هذه شروط القاضي. ثم ذكروا بعض الشروط المستحبة، فيستحب في القاضي أن يكون قويا من غير عنف، حتى يستطيع أن يقضي بين المتخاصمين، يكون عنده قوة من غير عنف حتى لا يقعه ذلك في الظلم. ويكون لينا من غير ضعف، لينا من غير ضعف، يكون عنده شيء من اللين والرفق، لكن لا يكون هذا بضعف بحيث أنه يستغل من قبل من عنده دعوة. ويكون حليما، ويكون حليما، وعنده تأني وعدم تعجل. ويكون فطنا، عنده ذكاء وعفة. قال: ويتعين على من كان أهلا ولم يوجد غيره ولم يشغله عما هو أهم منه. يعني إذا لم يوجد من الناس من يصلح للقضاء إلا فلان من الناس من أهل العلم والفضل، فهنا يتعين عليه، يجب عليه أن يأخذ هذه المسؤولية ويتحمل القضاء، لكن إذا لم يشغله عما هو أهم منه، يعني من تعليم العلم والقيام بالحقوق الواجب عليه. فإن أمكن ذلك واجب عليه القيام بالقضاء. وأما إذا وجد غيره، فالأولى الترك، الأولى الترك، أن باب القضاء باب عظيم ومنزل خطير. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير السكين». وأخبر أن القضاء ثلاثة: إثنان في النار وواحد في الجنة. إثنان في النار وواحد في الجنة. حديث: «من عرف الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ومن قضى بجهل فهو في النار، ومن عرف الحق وقضى به فهو في الجنة». ولهذا، لذلك كان السلف يهربون من القضاء بعلمهم، يعني عظم أمره. ومنهم من تولى القضاء لما تعين عليهم، ورأوا لابد من القيام به، ولو ترك لربما تولى القضاء من ليس أهلا له، فتولوا منصب القضاء. قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». الحديث أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر، ورواه البيهقي من حديث ابن عباس، وأصله في الصحيحين بلفظ: «لو يعطى الناس بدعواهم لدعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي». فهذا الحديث فيه بيان كيف يقضي القاضي بين المتخاصمين، فيعرف من هو المدعي ومن هو المدعى عليه. عرفنا أن المدعي هو الذي يطالب بحق، والمدعى عليه هو المطالب. فإذا جاء المدعي ويدعي حقا من الحقوق، يقول: أنا أطالب فلان بمال لي في ذمته، أو يقول: أنا أدعي أن هذه الأرض لي، أو غير ذلك. فهنا البينة على المدعي، يقال لهذا المدعي: هات البينة، ما الذي يبين لك أن هذا الحق لك؟ هل عندك شهود؟ هل عندك وثيقة؟ مثلا إذا كانت المنازعة في أرض، هل عندك إثبات على أن هذه أرضك، كوثيقة تمليك مثلا، أو شهود يشهدون لك أنها لك؟ بين تبين هذا الحق أنه لك. فإن كان عنده بينة وقبلت، قضي له مما ادعى. وإن لم يكن له بينة، فيقال للمدعي: احلف، تحلف أنه ليس له شيء وتبرأ. فإن حلف، برئ من هذه الدعوة. وقال: واليمين على من أنكر، المنكر هو المدعى عليه، إلا أنكر هذه الدعوة، وقال: ليس له شيء، فقال: لا، وأحلف. وجعل اليمين في جانب المدعى عليه، لأن جانبه أقوى، لأن الأصل براءته من هذه الدعوة. ودائما تكون اليمين في جانب الأقوى. قال: وقال: «إنما أقضي بنحو ما أسمع». والحديث في الصحيحين: «إنما أقضي بنحو ما أسمع». يعني أن القاضي يقضي بما ظهر له من إدعاء المدعي وإنكار المدعى عليه. وهنا تأتي مسألة إذ ترى أهل العلم، وهو هل القاضي أن يقضي بعلمه؟ يعني مثلا إذا كان يعلم أن هذا المدعي كاذب، هل يقضي بعلمه؟ يقول: لا، ما نقبل دعواك، حتى لو أتى ببينة، أو أنه يقضي ما ظهر له، ولا يقضي بعلمه. وأكثر أهل العلم على أنه لا يقضي بعلمه، وإنما يقضي بما يظهر له. فإذا جاء المدعي وادعى مالا، فعليه البينة، عليه أن يأتي ببينة أن هذا المال له. لو قال: أنا أطالب فلان بعشرة آلاف، يقول: هات البينة. لماذا؟ لأن الأصل براءة الذمة من هذه الدعوة. أو يقول: أنا أدعي أن هذه الأرض لي، أو أن هذه السيارة لي، أو هذا الحق لي، يقول: هات البينة. قال: إما شاهدان عدلا، سيذكر هنا يعني أنواع البينات. إما شاهدان عدلا، يعني رجلان يشهدان أن هذا المال له، أن هذا الحق له، ويكون عدلين مما تقبل شهادتهما، لقول الله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فإن شهد، قضي له بهذا الحق. قال: أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، أو رجل وامرأتان، يكون عنده شاهد رجل وامرأتان، بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. وشهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل. والمرأة تقبل شهادتها في باب الأموال. فإن أتى بشاهد وامرأتين وشهدوا له بهذا الحق، قضي له به. فإن لم يكن، فرجل ويمين المدعي، يأتي بشاهد واحد ويحلف هذا المدعي أن هذا المال له، وأن هذا الحق له. وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشاهد مع اليمين، والحديث في مسلم. قال: فإن لم يكن له بينة، حلف المدعى عليه وبرئ. فإن لم يكن له بينة، حلف المدعى عليه وبرئ. هذا المدعي ما عنده بينة، قلنا: هات البينة، قال: ما عندي. لا شاهدان، ولا رجل وامرأتان، ولا شاهد واحد حتى يحلف معه. حينئذ نقول للمدى عليه: احلف أنه ليس له شيء. فإذا حلف، فيبرأ المدعى عليه من هذه الدعوة، ولا يستحق المدعي شيئا. قال: فإن نكل عن الحلف، قضي عليه بالنكل، أو ردت اليمين على المدعي. فإذا نكل المدعى عليه عن اليمين، أخذ ما ادعاه المدعي. النكل: يعني المنع، الامتناع من اليمين. الآن المدعي ما عنده بينة، قلنا للمدعى عليه: احلف، احلف أنت أنه ليس له شيء، قال: لا، أنا ما أحلف، أنا ما أحلف. فهنا نقضي عليه بالنكل، نقول: ما دمت لا تريد أن تحلف، إذا ما ادعاه المدعي حق، إذا ما ادعاه المدعي هو له. أو نقول للمدعي: احلف أنت أنه لك. إذا حلف، استحق ما ادعاه، ويعطى ما ادعاه. نعم، واستدل أهل العلم بانتقال اليمين من المدعى عليه إلى المدعي، بقصة ما حصل بين المقداد وعثمان رضي الله عنهما. أن المقداد اضطرد من عثمان، فتحاكم إلى عمر، وقال عثمان: هي سبعة آلاف، يعني اضطرد المقداد سبعة آلاف، وقال المقداد: هي أربعة آلاف. فقال المقداد لعثمان: احلف أنه سبعة آلاف. فقال عمر: احلف أنها كما تقول. فقال عثمان: أبعث ما رضي الله عنه أن يحلف. فرد عمر اليمين إلى المقداد، قال: احلف أنت، يعني على ما تقول وتبرأ. وهكذا أيضا السلفيون برد اليمين، بحديث القسامة. القسامة: إذا قتل إنسان عند قوم، ووجد اللوث والتهمة، فهنا الأولياء المقتول يحلفون خمسين يمينا أن فلانا قتله. فتنتقل اليمين إليهم، مع أنهم الدعاة، لكن لكون جانبهم أقوى، أصبحت اليمين في جانبهم. فعلى كل، إلى نكل عن اليمين، فإما أن يقضى عليه بالنكل، وإما أن نرد اليمين إلى المدعي، ويحلف المدعي ويستحق مدعاه. قالوا: ومن البينة القرينة، القرينة الدالة على صدق أحد المتداعيين. القرينة الدالة على صدق أحد المتداعيين، مثل أن تكون العين المدعى بها بيد أحدهما، فهي له بيمينه. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شاهداك أو يمينه». أما خاصم أحد الصحابة رجلا في أرض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «شاهداك أو يمينه». عندك شاهدان، نقضي لك بذلك، ما عندك؟ ما لك إلا يمين المدعى عليه. فإذا كانت العين المدعى بها بيد أحدهما، فهي له بيمينه. مثلا جاء المدعي يقول: هذه الأرض التي بيد فلان أرضي، هذه الأرض أرضي، قلنا: هات البينة، قال: ما عندي بينة. يقول: إذا مدام أن يده على هذه الأرض، هذه بينة أنه له، أنها له. فيحلف الذي بيده الأرض، ويبرأ من هذه الدعوة. قال: ومثل أن يتداعى اثنان مالا لا يصلح إلا لأحدهما، كتنازع نجار ونحوه بآلة نجارته، وحداد ونحوه بآلة حداده، ونحو ذلك. تنازع اثنان آلة نجار، أحدهما نجار والآخر حداد. البينة هنا القرينة تدل على أن هذه الآلة آلة النجار، والحداد لا يستخدم آلة النجارة، فهنا نعلم أن هذه الآلة للنجار، فيحلف أنها له ويأخذها. أو العكس إذا اختصم في آلة حدادة حداد ونجار مثلا، فنعلم أن هذه الآلة للحداد، هذه بينة أن آلته التي يستعملها، فنقضي له بها. قال: وتحمل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية، وأداؤها فرض عين. تحمل الشهادة، كونك تتحمل الشهادة لفلان في حق من الحقوق، هذا فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. وأما أداؤها ففرض عين، إذا طلب منك أن تشهد وعندك شهادة تعلمها، يجب عليك أن تؤديها. قال الله جل العلا: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. وقد يتعين، تتعين الشهادة إذا لم يوجد من يعرف أو يتحمل هذا الحق إلا خلان من الناس، فيكون تحمله للشهادة فرض عين عليه، إذا لم يوجد غيره. ولا يجوز كتمان الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه. لكن تجب عليه إذا لم يكن عليه ضرر في إبداء الشهادة. أما إذا كان عليه ضرر في نفسه أو ماله أو أهله، مثلا لو قيل له: إن شهدت سنقتلك، أو نحرك مالك، أو شيء من ذلك، فخاف على نفسه الضرر، فلا حرج عليه لو امتنع، ما دام عليه ضرر في ذلك. قال: ويشترط أن يكون الشاهد عدلا ظاهرا وباطنا، أن يكون عدلا ظاهرا وباطنا. يعني إما تعرف عدالته، فهو لا يعرف بفسق أو ارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة. قال: ويشترط أن يكون الشاهد عدلا ظاهرا وباطنا. والعدل هو من رضيه الناس، لقول تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. يعني ممن يرضى الناس شهادته ويقبلها. ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه، إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، برؤية. ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه. هذا يشهد بما لا يعلمه. ومعنى: صحيح، يعني لا يجوز أن يشهد بما لا يعلمه. الشيء الذي ما يعلمه لا يشهد عليه. ومعنى هذا أنه لا يشهد إلا بشيء يعلمه. نعم، لكن العبارة عندي أفصح، يعني حيث بيان أنه لا بد من العلم. الشهادة إما برؤية، إذا كانت الشهادة تتعلق برؤية، فيشهد بما رآه. فلابد أن يكون هذا الشيء الذي سيشهد عليه يعلمه برؤية. إذا كان يتعلق بالرؤية، كان يقول المدعي: أنا أعطيت فلانا كذا، أو حصل منه كذا. شيء يعني يحتاج إلى الشهادة برؤية، فيكون هذا الشاهد قد رأى، فيشهد بهذه الرؤية بما رأى. يقول مثلا: رأيت فلانا أعطى فلانا مالا مثلا. إذا كانت تتعلق بالرؤية. أو سماع من المشهود عليه، إذا كانت تتعلق بسماع. أو استفاضة يحصل بها العلم في الأشياء التي يحتاج فيها إلى ذلك، كالأنساب ونحوها. يعني في إثبات الأنساب، فهذه تثبت بالشهرة، بالاستفاضة مثلا: أن فلانا ابن فلان، أو أن فلانا متزوج على فلانة. هذا يحصل به العلم بالاستفاضة والشهرة. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «ترى الشمس؟» قال: نعم. قال: «على مثلها فاشهد أو دع». رواه ابن عدي، وهو ضعيف. هذا الحديث لا يصح، وإن كان معناه صحيح، أنه لا يشهد إلا بشيء يعلمه علما يقينيا. قال: ومن مانع الشهادة مظنة التهمة، كشهادة الوالدين لأولادهم، وبالعكس. شهادة الأولاد لوالديهم. وأحد الزوجين للآخر. والعدو على عدوه. كما في الحديث: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه». ذي غمر: يعني حقد. ولا تجوز شهادة قانع لأهل البيت. رواه أحمد وأبو داود، والحديث فيه ضعف، لكن معناه صحيح. لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، لا تقبل. شيء إلا شهادة العدل. وذي غمر على أخيه، يعني من في قلبه حقد وعداوة على أخيه، لا تقبل شهادة من، لأن عداوته في الغالب تحمله على أن يظلم أخاه. ولا نقبل شهادة العدو على عدوه. ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت، القانع: أي الذي يقوم بخدمة أهل البيت، لا تقبل شهادتهم لهم، لأن قربه منهم واتصاله بهم قد يحمله على المحاباة في باب الشهادة. فكذلك شهادة الوالدين لأولادهم، هذه مظنة التهمة، أن يشهد لولده ولو كان على جور. وهكذا العكس، أن يشهد الولد لوالده. وهكذا أحد الزوجين للآخر، شهادة الرجل لزوجته، ومرأة لزوجها، هذه مظنة التهمة. والعدو كذلك على عدوه. ولهذا يقولون: العكس يقبل، لو شهد العدو لعدوه، قبل شهادته، لانتفاء التهمة. إذا شهد له، ليس عليه. شهد العدو لعدوه، الآن الرجل بينه وبين آخر عداوة، هذا يحتاج إلى بينة، ومن يشهد له؟ عدوه شهد له. قالوا: تقبل لانتفاء التهمة، لأن الغالب أن العدو يشهد على عدوه، لا يشهد له. فإذا شهد له، قبلت شهادته. وهكذا شهادة الوالد على ولده، أو الولد على والده، من انتفاء التهمة، لأنه تقبل على ولده. الوالد على ولده، والولد على والده، عليه، ليس له، تقبل. وله، لا تقبل. قالوا: في الحديث: «من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان». متفق عليه. هذا الحديث فيه بيان خطورة الحلف كذبا وزورا. وليس معنى كون المدعى عليه يحلف ويستحق، أو يبرأ الدعوة التي عليه باليمين، أنه يتساهل في الحلف ولو كان كاذبا. فهو إذا فعل ذلك وحلف، وليس عنده بينة، أو كان كاذبا في حلفه، فهذه هي اليمين الغموس، وهي كبيرة من كبائر الذنوب. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف على يمين يقطع بها مال امرئ مسلم»، يحلف أن هذا المال له، أو يحلف أن فلان ليس له شيء، وهو يعرف أن هذه أرضه، وأن هذا المال له. فهذا حلف يمينا فاجرة، وهي اليمين الغموس، كما سميت بذلك، لأنها تغمس صاحبها في الإثم، وقيل: تغمسه في النار. قال: «لقي الله وهو عليه غضبان». فهذا في تحذير من التساهل في أمر اليمين. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.