الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 497، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع بتعريف ابن ماجة ومكانة سننه بين كتب الحديث، ثم ينتقل لشرح حديث عن أفضل الجهاد حيث سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك أثناء رمي الجمرات.
يشرح المقطع حديثا نبويا يبين فضل قول كلمة الحق عند سلطان جائر، حيث أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد رمي جمرة العقبة بأن كلمة حق عند سلطان جائر هي أفضل الجهاد.
يناقش المقطع كيفية نصيحة الحاكم الجائر، حيث يشير إلى أن النصيحة تكون سرًا وليس علانية إلا إذا اقتضى الأمر ذلك، ويشدد على أهمية نصح الحكام دون تهييج الناس أو زرع الفتن.
يعبر المقطع الأخير عن اكتفاء المتحدث بما تمت مناقشته، ويعترف بأن الله تعالى أعلم بكل شيء، ويشكره على ما هداه إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة رحمه الله، وهو محمد بن يزيد القزويني، بن ماجة أو محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، حافظ من حفاظ الحديث، وهو من قزوين، وهي منطقة من مناطق خراسان. قال رحمه الله: حدثنا راشد بن سعيد الرملي. ومن أول من أدخل سنن بن ماجة في الأمهات الست؟ محمد بن طاهر المقدسي، محمد بن طاهر المقدسي في الأطراف، ثم تبعه الحافظ المزي في تحفة الأشراف. وإلا كان قبل محمد بن طاهر، كانوا يقولون: الخمس، خمس الأمهات: بخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي. وبعضهم يدخل سنن الدارمي، لكن لكثرة الأحاديث التي في سنن بن ماجة أدخلها محمد بن طاهر المقدسي. وإنما عيب على الإمام بن ماجة أنه يروي عنه ناس قد كذبوا، بل من الكذابين، ومن المتروكين. وأيضا أكثر منهم، أعني أكثر من الترمذي، فلهذا قلت أو انحطت سننه عن الآخرين. وإلا ففيها أحاديث عظيمة ليست موجودة، أو أحاديث صحيحة ليست موجودة في الأمهات الست. لكن يقول المزي رحمه الله: إن غالب ما يتفرد به ابن ماجة يكون منكرا. غالب ما يتفرد به ابن ماجة عن غيري من أهل السنن والمسانيد يكون منكرا. لكن ليس هذا، إنما هذا حكم أغلبي، ليس حكما مضطردا. قال: حدثنا راشد بن سعيد الرملي. وراشد بن سعيد، قال الحافظ في التقريب: صدوق، وهو قرشي مقدسي. كان يسكن فلسطين، بيت المقدس، ومات بالرملة. الرملة معروفة أيضا في فلسطين. وذكره الخطيب بأنه راشد بن سعيد، لكن الصحيح أنه ابن سعيد. قال: حدثنا الوليد بن مسلم، أبو العباس الدمشقي القرشي، وهو حافظ كبير من حفاظ أهل دمشق وأهل الشام. لما جاء إلى موسم الحج، اجتمع الناس في مسجد الخيف حتى ازدحم جدا، وازدحم الناس في مسجد الخيف، فلم يستطيعوا أن يسمعوا، أو أن يسمعوا حديثه من كثرة الناس، فخرج بعد ذلك. تعرف يا حبيب، مسجد الخيف؟ ما تعرف مسجد الخيف؟ فين عبد الرحمن؟ تعرف مسجد الخيف؟ ها، مسجد الخيف. قال النبي صلى الله عليه وسلم: صلى فيه سبعون نبيا. فين مسجد الخيف؟ تعرفوا مسجد الخيف؟ ها، أيش فلسطين؟ لا، لا، مسجد الخيف. ما تعرفوا. طلع تعرف عجيب، ما تعرف سعودية؟ فين؟ ها، المدينة. مسجد الخيف قد صليت فيها؟ ما صليت فيها؟ مش معذور. ما حجي؟ أتت ها اللي حجي يعرف في ميناء؟ مسجد الخيف في ميناء؟ مسجد ميناء؟ بسمى مسجد الخيف. ها، مسجد ميناء، فمعروف مسجد الخيف في ميناء، هو المسجد الوحيد الذي في ميناء. معنى الصحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلى فيه سبعون نبيا. فكان يجتمعون في مسجد الخيف في ميناء، لكن أحيانا يسمى بمسجد ميناء. أنا ما يقول من الخيف فهو، لكن تسميته أو اسمه مسجد الخيف، معنى من زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الاسم موجود. قال: حدثنا محمد بن سلمة، أبو سلمة البصري رحمه الله، كان حافظا، حفاظ أهل البصرة، وعابدا. قال: سليمان بن بلال، أو سليمان بن ابن أيوب. قال: لو قيل لحماد بن زيد: أنك ستموت غدا، ما يستطيع أن يزيد في عمل. أنا، انظر هذه الكلمة العظيمة: أن لو قيل له: أنك ستموت غدا، ما يستطيع أن يزيد في عمل. أنا، وهذا لأنه كان يسابق الوقت. قال بعض أصحابه -كعفان وغيره-: ما نأتي حماد بن سلمة إلا ونجده إما في صلاة، وإما في حديث، وإما في عمل من أعمال الخير. أنا، ما يذهب وقته سدى. وأكثر وقته في الحديث. قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي غالب، وهو حزور، عن أبي أمامة، وصدي بن عجلان رضي الله عنه، سيد باهلة. قال: عرض لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه. فلما رأى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه. فلما رمى -هنا الظاهر فلما رمى- معناه: خطى في النسخة. حتى الشيخ هنا يقول: في مسند أحمد: فلما رمى، فلما رمى الجمرة الثانية سأله، سكت عنه. فلما رمى الجمرة العقبة، وضع رجله في الغرز ليركب. معنا هذا في أيام من أيام التشريق، أيام رمي الجمرات الثلاث. أنا يرميها النبي صلى الله عليه وسلم في الحادي عشر، الثاني عشر، والثالث عشر بعد الزوال. وبعضهم يعجل، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى. فلا بأس أن الإنسان يرمي يومين ويتعجل في الثالث، فيرمي الثالث في اليوم الثاني. فهذا الرجل عرض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يرمي الجمرات في أيامنا، فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم. إما أن يكون شكوته عليه الصلاة والسلام لأنه كان في عبادة ودعاء، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث المسعود، والحديث جابر وغيرهما: أنه كان يدعو بعد رمي الجمرات. فإذا رمى الجمر، جعل مكة عن يمينه، ومنى عن يساره -معنا مكة هنا، ومن هنا- فيستقيم هكذا، ويرمي الجمر، يجعل مكة عن يمينه، ومنى عن يساره، ثم يتأخر قليلا، ثم يدعو عليه الصلاة والسلام بعد رمي الجمر، يقف، يقف، يقف قليلا. ثم بعد ذلك يذهب إلى الجمرة الثانية، ويرميها، ويفعل مثل ما فعل في الجمرة الأولى. فالظاهر أن النبي عليه الصلاة والسلام إما أنه كان في دعاء وعبادة، فلهذا سكت، لأنه لم يجبه إلا بعد أن رمى جمرة العقبة. جمرة العقبة هي الجمرة الكبرى، الثالثة التي يرميها الحجاج في اليوم الأول، وهو يوم العيد، يوم النحر. يوم النحر يرمون جمرة واحدة، وهي جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى التي أقرب إلى مكة. معنى تجاه إلى مكة. معنى الجمرات معنى تجاه إلى مكة. معنى هي في آخر منى، في آخر منى. فيذهب بعد ذلك الحجاج إلى مكة. فعندما كان في جمرة العقبة، ووضع رجله في الغرز ليركب، قال: «كلمة حق عند ذي سلطان جائر». فهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يجيب عليه لأجل أنه كان في عبادة، وممكن أنه لم يوحى إليه بعد، فانتظر حتى أوحي إليه. فهذا كله محتمل. قال هنا: ذكر أيضا إسناد. وقد أخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا محمد بن حسن -أتتش، أنا لقب بأتش، معنى لقب له ابن أتش-. قال: حدثنا جعفر -يعني ابن سليمان- وهو الضبعي، عن يعلى -يعني ابن زياد- عن أبي غالب، عن أبي أمامة. حاوة. حدثنا روح -روح بن عبادة البصري- وهناك روح بن الصلاة، لكنه ضعيف. أما روح بن عبادة فهو أثقة. روح بن عبادة القيسي البصري. قال: حدثنا حماد، عن أبي غالب. حماد بن سلمة عن أبي غالب به. فقلنا: أن هذا الحديث سكت النبي عليه الصلاة والسلام لما سأله السائل، وكان السؤال مهم، فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أين السائل؟» فقال: أنا يا رسول الله. قال: «كلمة حق عند ذي سلطان جائر». «كلمة حق عند ذي سلطان جائر أفضل الجهاد». وجاء أيضا من حديث أبي سعيد في السنن، وجاء من حديث أبي هريرة، ومن حديث غيره: «أفضل الجهاد كلمة حق عند ذي سلطان جائر». وأفضل الشهداء أيضا جاء في لفظ: «أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب»، هو رجل قتل، أو قال: «كلمة حق عند سلطان جائر فقتله». وقال العلماء -كالسندي وغيره-: أنه صارت هذه «كلمة الحق عند سلطان جائر» أفضل الجهاد، لأن الجهاد في قتال الكفار رغبة ورهبة، رغبة ورهبة عن رهبة من هؤلاء الكفار، ومن الموت. ولكن هناك أيضا رغبة، وهي فيها الغنائم وغيرها، فهناك أيضا احتمال شيء من أمور الدنيا في الجهاد والقتال في سبيل الله، فتدخل نية الأموال كذلك في الجهاد. لكن هنا ما تدخل نية الدنيا أبدا، لماذا؟ لأنه سينصحه، وينصح من؟ ينصح سلطانا جائرا ظالما، ليس سلطانا عادلا حتى يستقبل نصيحته. مثل الملوك الذين كانوا على خير السنة، فتجد أنهم إذا نصحوا بكوا، وكذلك أكرموا، أكرموا من ينصحهم، من يقرأ دخول عطاء بن رباح على هشام بن عبد الملك، فيجد أن هشام -أو أن عطاء هو الأمير- وليس هشام، فكانوا يحترمون ويجلون هل العلم؟ فلهذا فهم يستمعون لنصيحتهم. أما أهل الجور فهم في منأى غالبا عن أهل العلم، فلهذا سيدخل العالم أو الناصح إلى هذا الحاكم الجائر ويكلمه، إنما يحتاج هذا إلى قوة إيمان لأجل أن هذا الأمر لله عز وجل لآخرة، ويعلم أنه قد يقتل بعده، وليس هناك شيء من الرغبة في الدنيا في دخوله هكذا. قال العلماء: فإن رغبة الدنيا هنا ليس موجودة، ذاك إذا أراد أن يمدحه أو يثني عليه، ممكن أنه يرغب في الدنيا في مثل هذه الأشياء. أما النصيحة فهي صعبة، وخاصة عند السلطان الجائر، فلهذا صارت «كلمة حق أفضل الجهاد»، «كلمة حق عند سلطان جائر». وليس المراد -وليس المراد كما يظنه بعض الأغمار وبعض من تلوث بالخوارج أو بفكر الخوارج- أن المراد أن الإنسان يقول هذه الكلمة في المنابر وبين الناس، هذا ليست نصيحة، وليست كلمة حق قالها لهذا الظالم، وإنما هذا تهييج، وكذلك أيضا زرع الفتن في الناس. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بمثل هؤلاء: أنهم قلوبهم قلوب شياطين في جثمان إنس، فهم الذين يزرعون الفتن بين المسلمين، وكذلك أيضا يعني يهيج الشعوب على حكامهم، فلهذا لا يجل مثل هذا الفعل، وليس هو من فعل السلف، ولا فهم السلف مثل هذا. قد صححها العلماء أيضا حديث «شامل بن العاص» بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان ناصحا لذي السلطان فلا يبده علانية، ولينصحه سرا». فلا يبده علانية، لا ينصحه علانية، إلا إذا اقتضى الأمر، وهو موجود. أنا ينكر عليه في نفس الوقت، كما فعل أبو سعيد وغيره مع مروان. وإن كان مروان ليس من الحكام الظلمة، بل كان من أهل الصلاح، وإن كان حصل منه شيء من الأمور التي تأخذ عليه، لكن غالب حكمه كان فيه الصلاح، وفيه الرشد، وكذلك كان أيضا عنده احترام للعلماء، وإجلال لهم، وغيرها من الأمور التي كان عليها. فالمهم أن أجاز بعض العلماء الإنكار إذا كان سيفوت، إذا سيفوت هذا الأمر. لكن غالبا هذا إذا حصل مع الحكام الظلمة، هذا يضر، يضر بالشخص نفسه، وكذلك يضر بمن معه. فلهذا فالأول اتخاذ النصيحة السرية. فمن كان يستطيع أن يدخل عليه وينصحه، فإنه هذه «كلمة الحق التي تقال عند سلطان جائر». أما أنه يقولها في المنابر، بعضهم حجتهم يقول: أننا ما نستطيع أن ندخل عليه، فنقول هذه الكلمة هنا أمام الناس. فهذه ليست كلمة حق يراد بها الحق، وإنما هذه يراد بها التهييج. لو أراد النصيحة وأراد الحق، لبحث عن الطرق التي يدخل عليها. لا يمكن أن يكون إنسان مثلا، أو لو كان ملكا أو غيره، أنه يحتجب على الناس كلهم. فلابد أن يكون له مداخل، لابد أن يكون له مداخل يدخل عليه. فلهذا فإذا عرف أن له مداخل، يذهب لهؤلاء الذين يستشفعون عنده لأجل أن يدخل عليه وينصحه، ويكلمه بما كان في نفسه من هذه الأمور، أو من هذا الباطل الذي يعمله. ولهذا الإمام الأوزاعي رحمه الله لما دخل على السفاح، فقال: ما ترى في هذه الدماء؟ الدماء بني أمية. فقال: «إن كان ختموها بحق فبها، وإلا فهي عليكم إلى يوم القيامة». فغضب السفاح. فالمهم أن هؤلاء كانوا ينصحون. سفيان الثوري كان من أكثر الناس نصيحة للحكام، ولا يجلس معهم، بل هم يأتون إليه وينصحهم. وهكذا جماعة من أهل العلم كانوا ما يدخلون على الحكام، لكن إن جاء أحدهم، أو جاء من أرسلوه إليه، فإنه يكلمه في ذلك. ولهذا جاء إسحاق بن إبراهيم إلى سفيان الثوري، وهو مرسل من المهدي، أنا عمه، ومرسل منه إلى سفيان، فكلمه سفيان بكلام عظيم، أرسله له إلى المهدي. حتى أن الأوزاعي رحمه الله قال: كنت مع سفيان، فما استطعت أن أقف معه من الكلام الذي جاء به إلى إسحاق. قال: فاختبأت. يظن أن إسحاق سيقتله، وكان معه شرطته. لكنه قال: إسحاق، لو لا أني مرسل من المهدي لفعلت بك ما في نفسي. ثم خرج. فكان أولئك العلماء لا يخافون إلا الله جل وعلا، لكن لا يهيجون الناس. لكن إن وجدوا فرصة للنصيحة، فإنهم ينصحون. فهذا المراد من هذا الحديث: «كلمة حق عند سلطان جائر هي أفضل الجهاد». وأفضل الشهداء أيضا: «الرجل قال كلمة حق عند سلطان جائر فقتله». فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا.