الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 509، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم في تحذيره من أخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها، ويعتبر ذلك غلولا له عواقب وخيمة يوم القيامة. يشدد على أن هذا التحذير ينطبق على الأموال العامة أيضا.
نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أخذ شيء من الغنيمة قبل قسمتها، وأخبر أن من يفعل ذلك سيكون عليه وزر كبير، مع استثناء أخذ الطعام لسد الجوع أثناء الحرب.
الغلول كبيرة من كبائر الذنوب، ويترتب عليه عقاب يوم القيامة، حيث يأتي من يغل بما غل يوم القيامة، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم منه بشدة.
الغلول لا يكفره الحج ولا التوبة، حيث يجب رد المال المغلول، وعدم رد المال العام يزيد من صعوبة الموقف، وقد حذّر النبي عليه الصلاة والسلام من عواقبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله: قال الإمام محمد -رحمه الله-: حدثنا محمد بن جعفر، وهذا مر عليه أربعمائة وثلاث سنين. قال: حدثنا محمد بن جعفر، وهو أبو بكر البغدادي، محمد بن جعفر البغدادي الذي يلقب بغندر، وكان من حفاظ البصرة، وخاصة كتابه عن شعبة، وكان حكما لأصحاب شعبة إذا اختلفوا رجعوا إلى كتاب محمد بن جعفر. قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت عبد الرحمن بن العداء -وقد وثقه ابن معين كما ذكر الشيخ- ذكره الحافظ في "تعجيل المنفعة"، "تعجيل المنفعة" هذا جعله الحافظ ابن حجر في الرجال الذين لم يذكروا في "التهذيب"، خاصة من رجال الإمام محمد. قال: سمعت أبا أمامة قال: توفي رجل، فوجدوا في منزله دينارا أو دينارين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كية أو كيتان». قال عبد الرحمن: الذي يشك. قال: وحدثنا روح، قال: حدثنا شعبة عن عبد الرحمن -من أهل حمص، من بني العداء من كندة- قال: سمعت أبا أمامة قال: مثله. قال: هذا حديث صحيح، وعبد الرحمن بن العداء ترجمته في "تعجيل المنفعة"، والثقة ابن معين. وهذا الحديث قد جاءت له أدلة كثيرة في مسألة الأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم، فمن أخذ شيئا من الغنيمة قبل أن تقسم فهو غلول. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَغلُل يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فالغلول وزره عظيم، وهو الأخذ من الأموال العامة، ويدخل في ذلك من يأخذ من أموال الدولة العامة بدون إذن، ولا بدون حق، أنه إذا كان بدون حق ليس له حق في الأخذ، فهذا يعتبر غلولا، يعتبر غلولا، وليس اختلاسا؛ لأن بعض المعاصرين يسميه اختلاسا، وليس كذلك، وإنما هو غلول. فالأخذ من الغنيمة غلول، وكذلك من الأموال العامة، الذي يأخذ من الأموال العامة أيضا يعتبر غلولا. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام أيضا في هذا الحديث: «كية أو كيتان من نار». وجاء في الصحيحين أن رجلا جاء له بشراك من نعل، لما بين النبي عليه الصلاة والسلام أن من أخذ شيئا من الغنيمة قبل أن تقسم فقد غل، فجاء رجل بشراك من نعل، قال: «شراك من نار». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولو أخذ قطيبا من أراك، لو أخذ قطيبا من أراك»، لا يجوز له أن يأخذه من الغنيمة قبل أن تقسم؛ لأنها قبل القسمة ليست لأحد معين، وإنما هي إلى الناس جميعا أو للمسلمين حتى تقسم، إذا قسمت وأخذ كل واحد حقه فله أن يتصرف في حقه. أما أنه يأخذ قبل القسمة فهذا لا يجوز، إلا ما كان من طعام فإنه له أن يأخذه؛ لما جاء في الصحيحين لما حاصروا خيبر، قال سلمة بن الأكوع: فما دريت إلا وشحم أتى إلي أو ضربني أو وقع فيه فأخذته، وكانوا جياعا، فأخذته فأكلته، ثم نظرت إلى خلفي فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام يبتسم، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، فدل على أنه إذا كان طعاما يجوز أن يأكله، يجوز أن يأكله إذا لم يكن كثيرا، لكن لا يتخذه خبنة -معنى لا يأخذ في شيء معه- وإنما له أن يأكل، له أن يأكل إذا كان طعاما. وأما إذا لم يكن طعاما -معنى مالا من ذهب أو فضة أو غير مما يشبه ذلك- فلابد أنه لا يأخذ منه شيئا. فهذا الرجل الذي توفي على دينار أو دينارين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كية أو كيتان». وفي الصحيحين أيضا في ذلك العبد كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام، فلما قتل جاءه سهم غائر -جاءه سهم غائر أي لا يدرى من أين- فجاء في هذا العبد فقتل، فقالوا: «هنيئا له الشهادة»، لما رأوا منه من خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي غلها يوم خيبر لتشتعل على قبره نارا»، أنا غل شملة في تلك الغزوة، الغزوة أخذها، والشملة المراد بها شيء يلبس، يجتمل به من اللباس، أخذها بدون إذن، فلهذا جاء في رواية: «إن الشملة التي أخذها من المغانم قبل أن تقسم لتشتعل على قبره نارا». فليس هذا بالأمر الهين. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الغلول أيضا أن الرجل يأتي يوم القيامة وفي رقبته شاة تيع، وذكر أيضا الإبل، وذكر حمحمة الحصان وغيرها، أي أن الرجل إذا أخذ من الغنيمة فإنه يأتي به يوم القيامة. ومن غل يأتي بما غل يوم القيامة، فدل على أن الغلول كبيرة من كبائر الذنوب التي ينبغي للمسلم أن يتقيها. وليس فيها قطع، ليست فيها كالسرقة، هي أخذ أموال الناس بغير حق، لكن ليست كالسرقة؛ فالسرقة أخذ من حرز، وأما هذا أخذ من مال عام، قد يكون هو أمينا عليه، قد يكون أتمن عليه، فأخذ من هذا المال، وقد يكون أيضا مالا لم يئوب أو سيب بسبب الحرب، فهذا يأخذ منه؛ لأجل أن الناس مشتغلون بالحرب في الغنيمة، أو كذلك في الأموال العامة التي تكون بين أيدي الناس من سيارات وغيرها، فيجد الرجل أنه مسؤول عن هذا، فيأخذ سيارة أو يأخذ كذا ويأخذ أشياء ليست له، يظنها أنها له، ويتصرف فيها كيف شاء، فهذا خطأ. فهذه أموال عامة، لا بد أن يتصرف المسلم فيها بما أذن له، وإلا فهي أخطر من الأموال الخاصة؛ الأموال العامة من ناحية أخذها أخطر من الأموال الخاصة. فتجد أن السرقة قد تكفرها الحج، يكفر هذه السرقة، لكن هذا الغلول لا يكفره الحج، ولا تكفره أيضا توبة حتى يرجع ما عنده، فكيف سيرجعه وهو مال عام؟ فصعوبته أكثر. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الرجل الذي مات: «فإن الشملة التي غلها يوم خيبر قبل أن تقسم الغنائم لتشتعل على قبره نارا». فهذا -إن شاء الله تعالى- ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.