الدرس في شرح ألفية العراقي 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، ويشرح آراء العلماء حول اعتبار الحسن لغيره. يبين هذا التقسيم أهمية تصنيف الأحاديث.
يتناول تعريف الحديث الصحيح وفقًا لابن الصلاح، ويشرح شروطه الخمسة، مع التركيز على اتصال الإسناد وعدالة وضبط الرواة.
يشرح مفهوم الضبط كشرط أساسي في رواية الحديث، ويقسمه إلى ضبط الصدر وضبط الكتاب، مع توضيح أهمية كل منهما في حفظ الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. ما بعد، قال الإمام العراقي رحمه الله تعالى: أقسام الحديث. قال: وأهل هذا الشأن قسموا السنن إلى صحيح، وضعيف، وحسن. هذا البيت ذكره الإمام العراقي، أخذه من قولي ابن الصلاح. وأعلم -علمني الله وإياك- أن أهل الحديث ينقسم عندهم الحديث إلى صحيح، وحسن، وضعيف. قال: اعلم -علمك الله وإياك- اعلم -علمك الله وإياك- حتى انتقده مغلطاي في هذا، أنتقد ابن الصلاح في قوله: اعلم -علمك الله وإياك-. قال: الأولى أن يبدأ بنفسه، يقول: علمني الله وإياك، وهو قال: علمك الله وإياك. والأمر سهل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحيانا يذكر نفسه، وأحيانا لا يذكر. ﴿أَنَا أَقُولُ يَرْحَمُ اللهُ أَخِي لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وأحيانا قال: ﴿رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى فُلَانٍ﴾، فأحيانا يبدأ بنفسه. جاء حديث عند الترمذي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا بدأ بنفسه، ثم دعا لغيره»، لكن فيه ضعف. وكان مغلطاي اعتمد على هذا الحديث. قال: فقال ابن الصلاح: إن الحديث عند أهلي انقسم إلى صحيح، وضعيف، وحسن. وأيضا هذه العبارة انتقدوا عليه فيها. وهذه العبارة ليست عبارة ابن الصلاح، وإنما هي عبارة الإمام الخطابي، أبو السليمان الخطابي، حمد، ذكرها في «شرحي السنن»، «معالم السنن»، فنقلها ابن الصلاح بدون أن يعزوها، نقلها ابن الصلاح بدون أن يعزوها للخطابي. فقال: اعلم أن الحديث ينقسم عند أهله إلى صحيح، وحسن، وضعيف. فاستشكل بعضهم هذا التقسيم: هل الحديث عند أهل الحديث ينقسم إلى ثلاث أقسام، أم أنه إلى قسمين: صحيح، وضعيف؟ وأن الحسن من قسم الصحيح. وهذه المسألة -كما قلنا- بعضهم وضع هذا الإشكال، والصحيح أنه لا إشكال. وأن كلام الخطابي، وابن الصلاح كلام صحيح. وأن المراد بالحسن: الحسن لذاته، والحسن لغيره. فإن كان الحسن لذاته ممكن أن يقال: إنه من قسم الصحيح. وأما الحسن لغيره، فقد حصل الخلاف فيه بين العلماء. وكان من المتقدمين، أو حتى من المتأخرين حصل الخلاف: هل يحتج به، أو لا يحتج به؟ وكذلك أيضا حصل الاختلاف في مسألة أيضا الاعتداد به، والاعتبار بذلك: هل يعتبر به بذلك الشواهد، أو لا يعتبر بها؟ ممكن يقال: حسن، لكنه الشواهد هذه لا تنهض حتى يعتبر به. فلهذا حصل الخلاف من هذه الناحية. وبعضهم معنا، بعض العلماء ذكر أن الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك غيره من العلماء، رأوا أن هذا الحسن هو ضعيف أصلا، الذي يقول عليه الترمذي: «حسن لغيره»، رأوا أنه هو ضعيف أصلا. لكن هذا المذهب غير صحيح. وأخذ به جماعة من المعاصرين، وأكثرهم تراجع. وكان يرى هذا الشيخ محمد عمر عبداللطيف، وهو شيخ من مشايخ الحديث الأقوياء في الحديث، وقد توفي رحمه الله، مصري، كان يرى هذا القول. لكن الظاهر أنه تراجع عنه في آخر عمره. وخرج الناس من تلامذته يقولون: إنه أو تراجع عن هذا القول. مثل تسمعون واحد اسمه طارق، أو ضل بحق الكتب، وكذا، فهذا من تلامذة الشيخ محمد عمر. وأيضا هو تراجع عن هذا القول. وبقي بعض الناس كحمزة المليباري وغيره يتبجحون بمثل هذا القول. قد رد عليهم العلماء. ألف الشيخ ربيع حفظه الله وعافاه ألف كتاب سماه «الحديث الصحيح والضعيف والحسن». أنا ألف كتاب ورد فيها على حمزة المليباري. وكان ردا عظيما، بينا أن أهل الحديث هكذا عندهم أقسام. وأشار إلى هذه المسألة نفسها، وبينا أن هذا التقسيم صحيح عند العلماء. وأنهم كانوا يقسمون الحديث إلى أقسام ثلاثة: صحيح، وضعيف، وحسن. وإن كان الحسن مما يحتج به، مما يحتج به. لكن لأجل الخلاف الذي حصل في الحسن لغيره، الخلاف الذي حصل في الحسن لغيره. فالمهم أن هذا التقسيم لذكره صحيح؛ لأن الحسن هنا قد يكون مرتبة غير مرتبة الصحيح والضعيف، فهو بينهما؛ لأنه أصله ضعيف، ثم صار في منزلة الصحيح. أن أصل الحديث الحسن ضعيف، الحسن لغيره أصله ضعيف، لكن تقوى بغيره. فلهذا ينقسم إلى صحيح، وضعيف، وحسن. قال: فالأول المتصل الإسناد، بنقل عدل ضابط الفؤاد، عن مثله، من غير ما شذوذ وعلة قادحة، فتوضح. فذكر أولا الحديث الصحيح، فذكر له شروطا. وهذه الشروط التي ذكرها ابن الصلاح. فقال ابن الصلاح: إن الحديث الصحيح هو الحديث المتصل، الذي يتصل إسناده بنقل عدل، ضابطا، عن مثله، إلى منتهى. ولا يكون شاذا، ولا معللا. ولا يكون شاذا، ولا معللا. فهذا الحديث الصحيح عند ابن الصلاح. لكنه كرر بعض العبارات التي لا داعي لتكريرها؛ لأنه قال: هو الحديث المتصل، أو هو الحديث المتصل الذي اتصل إسناده. فالمهم أن هذه خمسة شروط في الحديث الصحيح. أولها: اتصال الإسناد. واتصال الإسناد هو أن يسمع كل راو عن من فوقه، أن يسمع كل راو عن من فوقه. هذا الاتصال الحقيقي. وهناك اتصال ظاهر. فهناك اتصال حقيقي، واتصال ظاهر. فالاتصال الحقيقي: أن يسمع كل راو عن من فوقه. وهذا يخرج التدليس، ويخرج الإرسال الخفي، ويخرج كذلك كل منقطع. فهذا يسمى اتصال حقيقي. وأما الاتصال الظاهر: فهو ما يدخل التدليس، والإرسال الخفي. هذا اتصال، اتصال، لكنه اتصال فيه شيء من الانقطاع، لكن ظاهره اتصال، ظاهره اتصال. أن هذا المعاصر الذي أمكن سماعه من هذا الشيخ يدخل في هذا الباب، يدخل في باب الاتصال الظاهر. وكذلك المدلس الذي قد جمع من هذا الشيخ، لكنه لم يسمع بعض هذه الأحاديث، فدلسها. وإنما قال الحافظ رحمه الله: قلت: إن هناك اتصالا ظاهرا؛ لأن العلماء ذكروا في المتصل الحديث الذي فيه تدليس، والحديث الذي فيه إرسال خفي. وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على هذه الأمور، واختلاف العلماء في مسألة الإرسال الخفي: هل هو مما يقبل، أو لا يقبل؟ قال: فالمتصل للإسناد -كما قلنا- الاتصال هو أن يروي كل راو عن شيخه. ولهذا بعض العلماء لما أراد أن يعرف الاتصال، اتصال الإسناد -كما ذكر الصنعاني وغيره- فقال: اتصال السند هو أن يروي كل راو عن من فوقه، بصيغة التصريح: كحدثنا، أو سمعتم. أو بصيغة الاحتمال: كعن، وأن. ويشترط فيمن يروي بصيغة الاحتمال أن يكون بريئا من وصف، أو وصمة التدليس. معنى: يقول: إن الاتصال هو أن يروي عن شيخه بصيغة التصريح: كحدثنا، أو سمعتم. أو بصيغة الاحتمال: كعن، وأن. ويشترط فيمن يروي بصيغة الاحتمال أن يكون بريئا من وصمة التدليس. معنى: أن يكون تدليسه، أو أن لا يكون تدليسه يضر. أن لا يكون تدليسه يضر؛ لأن هناك فيه تدليس لا يضر. أن بعض المدلسين تدليسهم لا يضر؛ إما أنه يدلس عن الثقات -كسفيان بن عيينة- وإما أنه تدليسه قليل -كسفيان الثوري- أنا قليل بالنسبة إلى ما يذكر من سماع. قال: بنقل عدل ضابط الفؤاد، بنقل عدل ضابط الفؤاد. أن العدالة هي ملكة -كما قال الحافظ- تحمل صاحبها على ملازمة التقوى، والمروءة. وأما العدل: فالعدل هو المسلم الذي يلازم التقوى. أو يقال: الذي ينتشر عند العلماء أن العدل هو المسلم، البالغ، العاقل، الذي لم يتصف بشيء من الفسق، أو ما كان أكثر من ذلك. وكذلك بخوار من المروءة، لم يتصف بخوار من المروءة، ولا بالفسق، ولا أيضا بما هو أكثر من هذا: بالكفر، وغيره. فهذا هو العدل عند العلماء. سواء كان عدل في الرواية، أو عدل في الشهادة. إلا أنه في الشهادة خفف بعض الفقهاء، فأخذوا بظاهر، بظاهر، بظاهر الإنسان الذي لم يعرف عنه الفسق، ولو كان مجهولا. بخلاف الرواية؛ فإن الرواية اتفق العلماء على أنه لا يروى إلا عن ثقة، لا يؤخذ إلا عن رجل ثقة، وهو العدل. لكن تساهل بعض العلماء، فجعل العدالة في أصل المسلمين -مثل ما حصل من ابن حبان رحمه الله- جعل العدالة في أصل المسلمين. وأن الأصل: كل من أخذ علما من علوم الشريعة يكون عدلا. يعني: الذي أنه يكون عنده علم، ويحدث الناس، وكذا، فهو عدل الأصل. هذا فيه حتى يتبين جرحه. وأخذ بذلك أيضا ابن عبدالبر. وهذا قول غير صحيح. هذا قول غير صحيح. وإنما العدالة لا بد أن يجمع بين العدالة، وعدالة الدين. وكذلك ضبط الراوي. وأما المجهول: لا يؤخذ منه الدين؛ لأنه لا ندري عن هذا الرجل الذي هو مجهول. إلا إذا كان هذا المجهول اشتهر بالعلم، اشتهر بالخير، وكذا، ممكن عند بعض العلماء. وسيأتي مثل هذا التفاصيل في مكانها. قال: بنقل عدل ضابط. الضابط هو ضابط الفؤاد، الفؤاد: معنى القلب. والضابط هو الحافظ، المتقن. والضبط على قسمين: ضبط صدر، وضبط كتاب. ضبط صدر، وضبط كتاب. فضبط الصدر هو أن يحفظ ما سمعه، أو أن يحفظ الحديث منذ أن سمعه حتى يؤديه. أن يحفظ الحديث منذ أن سمعه حتى يؤديه. هذا الضبط المطلوب من أهل الحديث. وبعضهم يزيد في ذكر الضبط، فيقول: هو أن يحفظ الحديث منذ أن سمعه إلى أن يؤديه، إلى أن يؤديه، أو متى طلب منه، من غير تلجلج، من غير تلجلج. معنى: من غير أنه مثلا يتردد فيه، يقول: أذكر كذا، أو كذا، أو أنه قال كذا. فهذا التردد عند العلماء ليس حفظا. هذا التردد ليس حفظا. ولهذا تجد سيئ الحفظ غالبا يتردد، أو غالبا يحدث بحديث، غدا يغير في ألفاظه، أو يغير في راويه؛ لأنه لم يحفظه جيدا. هذا -كما قلنا- كان شعبة يقول: «أتيت الليث بن أبي سليم، فحدثني عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: ثم أتيته مرة أخرى، فحدثني بنفس الحديث عن طاوس، عن أبي هريرة، قال: فجئته مرة أخرى، فحدثني عن عطاء، عن ابن عباس، عن نفس الحديث». هذا سعى يجعله عن عطاء، عن ابن عباس. سعى يجعله عن مجاهد، عن ابن عمر. وهكذا، فيخلق في الحديث. معنى: وهذا لسوء حفظه، يدل على سوء حفظه. وكان شعبة من عادته أنه يأتي الشيخ مرة أخرى، دائما لا يسمع منه مرة واحدة. لكن إذا رآه سأله عن هذا الحديث الذي قد حدثه به، فينظر: هل هو يحفظ هذا الحديث، أم أنه لا يحفظ؟ هذه الطريقة، طرق في الحفظ. وهذا من سوء الحفظ. قال: بنقل عدل، الضابط. الضابط بالكتاب: هو أن يثبت ما في الكتاب منذ أن سمع فيه، أو أن يحفظ ما في الكتاب منذ أن سمع فيه إلى أن يؤديه. يحفظه من ماذا؟ يحفظه -قالوا- من المبدلين، هو الراقي السوء. المبدلون: أي الذين يغيرون في الكتابة، أن يضعوا أحاديث غير الأحاديث التي عنده. إما أن يكون يضع في الكتاب معنى، معنى يستعير الكتاب من صاحب حديث، ثم يضع بعض الأحاديث في نفس الكتاب. هذا وجد من الناس له مثيل، فعلوا مثل هذا الأفعال. وهناك الراقي السوء، والراقي السوء: معنى قد تعمل، وقد يكون بغير تعمد. لكن عندهم تساهل. تجد أنه يسرع في الكتابة؛ لأنه يأخذ أجرة. خاصة الذين يأخذون الأجرة على الكتابة، غالبا ما يبالون. تجده يكتب بسرعة. وأيضا يأخذ يغير، يمر على أسطر، يمر كذا. مثل ما يفعلون الآن هذا في الكمبيوتر، الكتب التي تكتب، تجد أحيانا سطر كامل ما هو موجود. أحيانا تجد ورقة كاملة غير موجودة. وهكذا تجد هذا لأجل التساهل. يعني: يسرعون لأجل. وبعضهم أيضا كذلك، حتى من وراقي بعض العلماء. يعني: تجده مثلا مولاه وراق، خلاص عنده، لكنه يتساهل لأجل أيش؟ لأجل كأنه يريد أن يسرع في هذا العمل، ويعمل شيء آخر. فتجده يغير بعض الأشياء. حتى قيل لسفيان بن وكيع: قيل له: «إن وراقك لا يصلح أن يكون أن يكتب؛ لأنه يغير ويبدل». فأبى إلا أن يكون هذا الوراق. فترك حديثه لأجل وراقه. وهو حافظ، سفيان بن وكيع حافظ كبير، مثل أبيه. لكنه أصر على أن يكون كاتبه هذا الوراق. فترك حديثه؛ لأنه كان هذا الوراق غير أمين، وراق سوء، وراق سوء. فلهذا من ضبط الكتاب: أنه يحفظ كتابه من الراقي السوء، والمبدلين.