التعليق على متممة الآجرومية في علم العربية 28

التعليق على متممة الآجرومية في علم العربية 28

الدرس في التعليق على متممة الآجرومية في علم العربية 28، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أفعال المقاربة: أقسامها ومعانيها وإعرابها

يتناول هذا المحور تعريف أفعال المقاربة وتقسيمها إلى ثلاثة أنواع: أفعال القرب، وأفعال الرجاء، وأفعال الشروع، مع بيان عملها النحوي في رفع الاسم ونصب الخبر. كما يفصل شروط خبر كل نوع وإعرابه مع أمثلة توضيحية.

أحكام اقتران "أن" بأفعال الرجاء والشروع والمقاربة

يبين المحور أحكام اقتران حرف (أن) بخبر أفعال الرجاء والشروع والمقاربة من حيث الوجوب والامتناع والجواز والحذف. ثم ينتقل إلى تعريف (إن وأخواتها) الستة وعملها في النصب والرفع ووظيفتها في التوكيد.

حروف التوكيد والتشبيه والاستدراك والتمني والترجي

يستعرض هذا المحور وظائف حروف (إن، أن، كأن، لكن، ليت، لعل) النحوية والدلالية مدعومة بالأمثلة القرآنية. ويوضح معنى كل حرف من التوكيد والتشبيه والاستدراك والتمني والترجي مع الفروق الدقيقة بينها.

إعراب حرف "لعل" في معنيي الترجي والتوقع

يركز المحور على إعراب حرف (لعل) عند دلالته على الترجي والتوقع مع بيان أن اسمها منصوب وخبرها مرفوع. ويختتم الدرس بالأمثلة التطبيقية والاكتفاء بالقدر المذكور من الشرح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: إيش؟ أمس درس طويل. قال: "أفعال المقاربة". فصل: وأما أفعال المقاربة فهي ثلاثة أقسام. ومعنى المقاربة: أي كما ذكر هنا الشارح المعلق، قرب زمن وقوع الخبر من الاسم. فلو قلت مثلاً: كادت السماء أن تمطر، يعني قرب نزول المطر من السماء. فهذا معنى قولهم: قرب زمن وقوع الخبر. الخبر هو المطر، الخبر هو ماذا؟ نزول المطر، أن تمطر. فالمقاربة بمعنى قرب وقوع الخبر من الاسم قرباً كبيراً. ترى الشمس يعني على وشك السقوط، فتقول: أوشكت الشمس أن تغرب، يعني قرب غروبها. فوقوع الخبر من الاسم صار قريباً جداً، صار قريباً جداً. فهذا معنى أفعال المقاربة: المقاربة. وأفعال المقاربة تعمل عمل "كان"، فترفع الاسم وتنصب الخبر. قال: فهي ثلاثة أقسام: ما وضع للدلالة على قرب الخبر، وهو "كاد" و"كرب" ويجوز "كرب" قال: بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح. و"أوشك". هذه تسمى أفعال المقاربة: "كاد" و"كرب" و"أوشك"، ثلاثة. وأمثلتها: تقول مثلاً على سبيل المثال: كاد زيد يقوم، أي قارب القيام. ومنه قوله تعالى: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ﴾، يرحمك الله. ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ﴾. وكذلك تقول: كارب زيد يخرج، وأوشك أن يفهم. وكلها بمعنى قارب. وتلاحظ أن خبر هذه الأفعال فعل، يعني جملة فعلية. جملة فعلية. فكيف تعرب "كاد زيد يقوم"؟ تقول: كاد: فعل ماضٍ من أفعال المقاربة، يرفع الاسم وينصب الخبر. وزيد: اسم "كاد" مرفوع، علامة رفعه الضمة. ويقوم: فعل مضارع، والفاعل مستتر جوازاً تقديره "هو"، والجملة في محل نصب خبر "كاد". في محل نصب خبر "كاد". هكذا يكون الإعراب. قال: وما وضع للدلالة على رجاء الخبر. وفرق بين قرب الخبر ورجاء الخبر. الرجاء بمعنى: يعني محبة حصول الخبر، محبة حصول الخبر. فقولك مثلاً: عسى زيد أن يقوم، يعني تحب ذلك وتتمنى ذلك. هذا يسمى رجاء، ترجو ذلك. وقد يقول قائل: ولماذا كلها سميت بأفعال المقاربة مع أن الذي يدل على المقاربة النوع الأول فقط؟ وأما النوع الثاني والثالث لا يدل على المقاربة، وإنما الثاني يدل على رجاء الخبر، والثالث يدل على الشروع في الخبر. والجواب: إنما قيل لها أفعال المقاربة تغليباً. تغليباً، ما معنى تغليباً؟ يعني لأن أكثر ما تستخدم في المقاربة، ولذلك ذكروا أول أنواعها ما تدل على قرب الخبر، فهو من باب تسمية الغالب أو التسمية على الغالب. فسُميت أفعال المقاربة، وإلا ليست كل هذه الأفعال تدل على المقاربة، إنما النوع الأول فقط الذي يدل على المقاربة. أما النوع الثاني فهو يدل على رجاء الخبر. فلما تقول: عسى حمزة أن يزورنا، يعني نرجو ذلك. عسى الله أن يغفر لنا، أي نرجو ذلك. فهمتم هذا الآن؟ ومثله "حرى"، فتقول مثلاً: حرى زيد أن يفهم، يعني أرجو ذلك، أرجو ذلك. ومثله "خلوق"، خلوق زيد أن يتوب، يعني نرجو ذلك. والإعراب كسابقه. فقولك: عسى زيد أن يقوم، تقول: عسى: حرف ماضٍ مبني على الفتح المقدر. وزيد: اسم "عسى" مرفوع، علامة رفعه الضم. وأن: حرف مصدري ونصب. ويقوم: فعل مضارع منصوب بـ "أن"، والفاعل مستتر جوازاً تقديره "هو"، والجملة في محل نصب خبر "عسى". قال: الثالث: ما وضع للدلالة على الشروع، وهو كثير. ومعنى الشروع: يعني الابتداء في الشيء، الشرع في الشيء: ابتدأ في الدخول فيه. قال: وهو كثير، نحو "طُفِق" و"عَلِق"، يعني أحرفه كثيراً، قصدي أفعاله كثيراً، أفعاله كثيراً. قال: نحو "طُفِق" و"عَلِق" و"أَنْشَأ" و"أَخَذ" و"جَعَل". هذه كلها تسمى أفعال الشروع. فتقول: طفق زيد يضحك، يعني شرع في الضحك، بدأ في الضحك. وتقول: أخذ عمر يستبشر مثلاً، يعني بدأ في الاستبشار. وجعلت السماء تمطر، يعني بدأت. بخلاف "كادت السماء أن تمطر"، يعني ما قد نزل المطر. "كادت السماء أن تمطر": ما نزل المطر، إنما أوشك على النزول. لكن قولك: "جعلت السماء تمطر"، أي بدأت في الآن مطر. لكن بداية. عرفتم الفرق الآن؟ هذا هو الفرق بين الشروع وقرب الخبر. والإعراب كسابقه: طفق زيد يضحك. طفق: فعل ماضٍ مبني على الفتح. وزيد: اسمه مرفوع. ويضحك: فعل مضارع، والفاعل مستتر، والجملة في محل نصب خبر "طُفِق". قال: عمل هذه الأفعال وشروط خبرها. قال: وهذه الأفعال تعمل عمل "كان"، فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، إلا أن خبرها يجب أن يكون فعلاً مضارعاً مؤخراً عنها، رافعاً لضمير اسمها غالباً، كما تقدم في الأمثلة. لابد في خبرها أن يكون فعلاً مضارعاً. تقول: أوشكت السماء أن تمطر، فهنا خبرها فعل مضارع "تمطر"، ومؤخر. فلا يصح أن تقول: "تمطر كادت السماء"، هذا لا يصلح، لا يتقدم عليها. والفعل المضارع يكون فاعله مستتر، وهذا معنى قوله: "رافعاً لضمير اسمها"، يعني هذا الضمير يعود إلى الاسم. "كادت السماء تمطر"، يعني "هي"، يعود الضمير على من؟ على الاسم. يعود الضمير على الاسم. وهذا معنى قوله: "غالباً"، يعني قد أحياناً يكون الضمير لا يعود على الاسم، لا يعود على الاسم. قال: ويجب اقتران أي الفعل هذا الخبر يجب اقترانها بـ "أن" إن كان الفعل "حرى" و"خلوق". يعني يجب لا يخلو من "أن" إذا كان في فعلين من أفعال الرجاء، وهو "حرى" و"خلوق". هذان الفعلان من أفعال الرجاء، فيجب في خبرهما أن يقترن، أن يقترن بـ "أن". فتقول: أخلوق زيد أن يزورنا، يعني نرجو ذلك، نرجو ذلك. ومثله: حرى زيد أن يزورنا، لابد من الإتيان بـ "أن". ولا يجوز أن تقول: أخلوق زيد يزورنا، لا يصلح هذا، لابد من أن تقترن بـ "أن". هذان الفعلان من أفعال الرجاء: "أخلوق" و"حرى". واضح. قال: ويجب تجرد من "أن" بعد أفعال الشروع. وأفعال الشروع هي الأخيرة التي ذكرها: وهو "طُفِق" و"عَلِق" و"أَنْشَأ" و"أَخَذ" و"جَعَل". ما هو السبب؟ لأن "أن" تفيد الاستقبال، والشروع قد وقع الفعل أصلاً. واضح؟ فيجب هنا عدم اقترانها. تقول: أوشكت السماء... تقول: طفق الطفل يبكي، لا تقول: "أن يبكي"، لا، لأنه الآن يبكي أصلاً، قد شرع. و"أن" تفيد الاستقبال، فلا مناسبة هنا لذكر "أن". ومثله: "عَلِق" و"أَنْشَأ" و"أَخَذ" و"جَعَل". جعلت السماء تمطر، لا تقول: "أن تمطر". هذا في أفعال ماذا؟ في أفعال الشروع. إذن: في فعلين من أفعال الرجاء يجب الاقتران، وهو "حرى" و"خلوق". وجميع أفعال الشروع يجب عدم الاقتران. إذن بقي معنا ماذا؟ بقي معنا أفعال المقاربة، وبقي معنا فعل من أفعال الرجاء وهو "عسى". فقال: والأكثر في خبر "عسى" و"أوشك" الاقتران بـ "أن". يعني في هذين الفعلين: فعل من أفعال الرجاء، وفعل من أفعال المقاربة، يجوز الاقتران وعدمه، يجوز الاقتران وعدمه. فتقول: عسى السماء تمطر، وعسى السماء أن تمطر، يجوز هذا وهذا. لكن الأكثر في هذين الفعلين الاقتران، الأكثر الاقتران. فتقول: عسى السماء أن تمطر، وأوشك الطفل أن يبكي مثلاً، أوشك الطفل أن يبكي، هذا هو الأفضل، يعني الأكثر، ويجوز غيره. قال: نحو ﴿ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ﴾، هنا جاء القرآن بالاقتران بـ "أن". الفعل "عسى". وقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «يوشك أن يقع فيه» حديث النعمان بن بشير: «الحلال بين والحرام بين»، فقال في هذا الحديث: «ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، فمن استبرأ... فمن وقع... فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع فيه كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه». قال: والأكثر في خبر "كاد" و"كرب" تجردهما من "أن". يعني ما بقي معنى إلا فعلان من أفعال المقاربة، وهو "كاد" و"كرب". لأن "عسى" لأن "أوشك" قد أخذناها، طيب. وأفعال الرجاء قد أخذناها جميعاً، وأفعال المقاربة للشروع قد أخذناها جميعاً. فبقي معنى "كاد" و"كرب". فهنا يجوز فيهما الاقتران وعدمه، لكن الأكثر عدم الاقتران، الأكثر عدم الاقتران. فتقول: كادت السماء تمطر، هذا هو الأكثر. قال: نحو ﴿ وَمَا كَادَ يَفْعَلُونَ ﴾، ما قال: ﴿ وَمَا كَادَ أَنْ يَفْعَلُوا ﴾. قال: ﴿ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾، الواو هنا اسم "كاد"، والجملة في محل نصب. وقول الشاعر: كرب القلب من جواه يذوب حين قال الوشاة هند غضوب هذا من شعر العشاق. يقول: كرب القلب، يعني كاد القلب يذوب، يعني يكون مثل الشحم الذائب الذي تضعه على النار. ما هو السبب؟ قال: من جواه. والجواه: الحزن وحرقة القلب. قال: كاد القلب أن يذوب من شدة الحزن. ما الذي أحزنه؟ قال: حين قال الوشاة هند غضوب. حين قال: يعني الوشاة، وهم يعني من يمشي بالنميمة، من يمشي بين الناس بالنميمة. حين قال: أن هند غضبان علي. هذا شيء أحزنني، لما قال: أن معشوقتي غاضب علي، فحزن لذلك. الشاهد: كرب القلب يذوب، ما قال: "أن يذوب"، قال: يذوب، بدون "أن"، لأن هذا هو الأكثر في استخدامها. إن وآخواتها. فصل: قال: وأما "إن" وآخواتها فتنصب المبتدأ ويسمّى اسمها، وترفع الخبر ويسمّى خبرها، وهي عكس عمل "كان". "كان" ترفع الاسم وتنصب الخبر، و"إن" تنصب المبتدأ وترفع الخبر. قال: ويا ستة أحرف: "إن" و"أن" و"كأن" و"لكن" و"ليت" و"لعل". لتوكيد النسبة ونفي الشك عنها. ومعنى توكيد النسبة: أي تقوية وتثبيت نسبة خبرهما لاسمهما، كما ذكر ذلك العائل الشارح. فلما... فلما تقول: إن زيد قائم، هنا تؤكد قيام زيد، تؤكد قيام زيد. قال: قال فإذا... إذا... إذا قلت: زيد قائم، فالنسبة ثبوت القيام لزيد. فإذا أردت توكيدها تقول: إن زيد قائم، أو بلغني أن زيد قائم. فإذا "أن" هنا أو "إن" تفيد التوكيد. وفي اللغة العربية هناك مؤكدات كثيرة. فإذا كان الشك خفيفاً يمكن تكتفي بـ "إن". لكن لو كان الشك يعني كبيراً ومتعمقاً في قلبي السامع، يمكن أن تأتي له بأكثر من مؤكد، بأكثر من مؤكد. فتقول مثلاً: إن زيداً لقائم، تأتي باللام أيضاً تفيد التوكيد، وأيضاً القسم يفيد التوكيد: والله إن زيداً لقائم. فهذه كلها تسمى مؤكدات. ففائدة "إن" و"أن" التوكيد. لو كان الخبر لا يحتاج إلى توكيد لصدق السامع، لو جاء حمزة وقال مثلاً: جاء الشيخ، أو قال أبو يوسف: جاء هذا. الآن مبتدأ خبر، صح؟ طيب، خلاص، هو مصدق، هذا ما يحتاج إلى التوكيد. لكن لو جاء إنسان نحن ما نثق في كلامه، قد سبق عليه كذب أو عدم مصداقية أو نحو ذلك، فيريد أن يؤكد كلامه، فيقول: إن أبا يوسف جاء. قد نقول: هذا ما منا شي، رأينا أننا ما بالينا بكلامه وهو صادق في هذا، فيقول: والله إن أبا يوسف جاء. خلاص، يحلف، يؤكد كلامه. صح؟ هنا يكون أقوى، هنا يكون أقوى. التوكيد على حسب ما تحتاج إليه. وهذا من روعة وبلاغة اللغة العربية. فالشاهد من هذا أن "إن" و"أن" يؤتى بهما لتوكيد النسبة ونفي الشك عنها، يعني حتى لا يشك السامع في كلامك، تؤكد له الخبر بـ "أن" أو "إن". قال: نحو قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. "إن": حرف توكيد، ينصب الاسم ويرفع الخبر. لفظ الجلال: اسمها منصوب. وغفور: خبرها مرفوع. وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾. "أن" أيضاً حرف توكيد، ينصب الاسم ويرفع الخبر. لفظ الجلال: اسمه. وهو: هنا يسمى ضمير فصل. والحق: هنا خبر. نعم، نعم، نعم. يمكن: والله زيد جاء، لا، بس لكن يؤتى بتعدد المؤكدات يدل على تقوية التوكيد، تقوية التوكيد. في سورة "يس" لما جاء المرسلون، أولاً ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾، صح؟ فلما كذبوهما، كرر الرسل كلامهما، فقال ماذا؟ ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾. في أول الآية بدون لام، في الآية الثانية باللام. لماذا أتوا باللام؟ لأنهم كذبوا. لما قالوا: "إنا"، أكدوا بـ "إنا"، ما صدقوهم، أكدوا باللام. واضح؟ هذا زيادة... زيادة التوكيد. ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾. في أول الآية قالوا: ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾. واضح. وهذا يفيد الحافظ في عدم الخطأ في الآيتين. بعضهم في الآية الأولى مباشرة يأتي باللام، لا، اللام في الآية الثانية، أما في الآية الأولى فبدون لام: ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾. فلما كذبوهما قالوا بعد ذلك: ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾، أتوا باللام، زيادة التوكيد. واضح. وهذا من بلاغة القرآن. فقلنا في إعراب: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾. قلنا: "أن": حرف توكيد، ولفظ الجلال: اسمها. وهو: ضمير فصل، يسمى لا محل له من الإعراب. والحق: خبر "أن" مرفوع، علامة رفعه الضم. قال: "كأن" للتشبيه المؤكد. نحو قولك: كأن زيداً أسد، يعني تشبه زيداً بالأسد، وتؤكد هذا التشبيه، وهو تشبيه مؤكد. فالإعراب... فالإعراب تقول: "كأن": حرف تشبيه، وزيداً: اسم "كأن"، وأسد: خبرها. "لكن" للاستدراك. نحو: زيد شجاع لكنه بخيل. لأنك لو قلت: زيد شجاع وسكت، لا توهم أنه كذلك يتصف بصفات أخرى طيبة وأخلاق فاضلة كالكريم ونحوه. لكنه مع شجاعته ليس بكريم، بل هو بخيل. فأنت تزيل هذا الإشكال، تقول: لا تظن أنه مع شجاعته كريم، لا، بل هو بخيل. ولذلك الاستدراك عرفوه كما ذكر ذلك المعلق عندكم: هو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم منه ثبوته. مثل هذا: فيتوهم من الشجاعة الكرم، يتوهم من الشجاعة الكرم، فحتى تزيل هذا التوهم تأتي بالاستدراك. أو إثبات ما يتوهم منه نفيه. مثال ذلك قولك: قام الناس. فأنت ربما تظن أن جميع الناس قاموا، لكن في زيد ما قام. فأنت ترفع هذا الوهم، تقول: لكن زيداً جالس. لكن زيداً جالس. هذا تعقيب الكلام بما يتوهم منه ثبوته. لكن: تعقيب الكلام بما يتوهم منه نفيه. كأن تقول مثلاً: ما زيد عالماً، يعني تنفي عن زيد العلم. لكن تقول: لكنه صالح. لأنه قد يتوهم من عدم علم زيد نفي الصلاح عنه، نفي الصلاح عنه. فحتى ترفع هذا التوهم تقول: لكنه ماذا؟ صالح. فهذا هو الاستدراك: تعقيب الكلام برفع ما يتوهم منه ثبوته، أو إثبات ما يتوهم منه نفيه. قال: "ليت" للتمني. نحو: ليت الشباب عائد. والتمني هو طلب ما لا مطمع في حصوله، يعني لا تستطيع إدراك وحصوله، إما لتعسره وإما لتعذره. فمثال التعسر قولك: ليت لي مالاً فأتزوج. هذا الآن أنت معسر، لكن هل هذا مستحيل؟ هذا ليس بمستحيل، قد يأتيك مال في المستقبل بعد سنة سنتين وتتزوج، تتزوج. فهذا ما لا مطمع... ما لا مطمع في حصوله لتعسره، لتعسره. لكن هناك ما لا مطمع في حصوله لتعذره، لا يمكن أن تناله. مثل ما... مثل: ليت الشباب عائد. ألي يمكن أن يعود الشباب؟ ألا... ألا ليت الشباب يعود يوماً، يوماً فأخبره بما فعل المشيب. لا يمكن أن يعود الشباب. فـ "ليت" هنا تفيد ماذا؟ تفيد ما لا مطمع في حصوله لتعذره، لتعذره. قال: "لعل" للترجي، وقد تأتي للتوقع كما سينبه. والفرق بين الترجي والتوقع: أن الترجي طلب الأمر المحبوب القريب. تقول: لعل زيداً قادم، تحب ذلك وترجو أن يكون ذلك قريباً. لعل الله أن يشفي مريض، هذا أيضاً للترجي لأنك تحب ذلك. وأما التوقع فهو الإشفاق، وهو ارتقاب شيء مكروه. تترقب شيء الآن مكروه. مثل ما تقول: لعل العدو يدركنا، هذا شيء مكروه، صح؟ فهذا هنا ليس للترجي وإنما للتوقع. تتوقع ذلك. ومثل ما... مثل: لعل عمراً هالك. الهلاك أمر مكروه، ليس محبوباً، فهي تفيد ماذا؟ تفيد التوقع. قال: نحو: لعل زيداً قادم. تقول: "لعل": حرف ترجي، وزيداً: اسمها منصوب، وقادم: خبرها مرفوع. ونحو: لعل عمراً هالك. وللتوقع: نحو: لعل عمراً هالك. تقول: "لعل": حرف توقع، وعمراً: اسمها منصوب، وهالك: خبرها مرفوع. ومنكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.