كتاب الإيمان 19

كتاب الإيمان 19

الدرس في كتاب الإيمان 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

غزوة تبوك والمجاعة التي أصابت المسلمين

في غزوة تبوك، أصاب المسلمين مجاعة شديدة، فاقترح عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم جمع ما بقي من طعام الجيش والدعاء عليه بالبركة. هذا يدل على أهمية التعاون واجتماع المسلمين في الأوقات الصعبة.

بركة الطعام بفضل دعاء النبي

جمع الناس ما معهم من طعام قليل، فدعا النبي عليه بالبركة، فكثر الطعام وامتلأت الأوعية وشبعت الجموع. هذا يظهر أهمية البركة في الطعام وفضل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

أهمية الشهادتين في دخول الجنة

قال النبي صلى الله عليه وسلم أن من يشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله يدخل الجنة. هذا يدل على فضل الشهادتين وأهميتهما في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم من الحجاج، أبو الحسين سابور القشيري رحمه الله، في صحيحه في كتاب الإيمان: حدثنا أبو بكر بن النضر بن أبي النضر، قال: حدثني أبو النضر هاشم، أبو النضر هاشم بن القاسم، مفخرة أهل بغداد، قال: حدثنا عبيد الله الأشجعي، وهو عبيد الله بن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفي، عن مالك بن مغول، هو أبو عبد الله الكوفي، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، وهو ذكوان السمان، عن أبي هريرة - وما اسم أبي هريرة؟ عبد الرحمن بن صخر على أحد الأقوال، مختلف في اسمه إلى نحو ثلاثين اسما، قولا أشهرها عبد الرحمن بن صخر - قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير، فنفذت أزواد القوم، حتى هم بنحر بعض حمائلهم، فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها، ففعل، فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، وقال مجاهد: وذو النواة بنواه. قلت: وما كانوا يصنعون بالنواء؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء، فدعا عليها، حتى امتلأ القوم أزودتهم، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة. هذا الحديث يخبر أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في مسير، وسيأتي معنا في الرواية الأخرى أنها كانت في غزوة تبوك. فنفذت أزواد القوم، يعني ما معهم من الزاد من طعام يأكلونه، حتى هم بنحر بعض حمائلهم، يعني بنحر الإبل التي تحمل الأمتعة والزاد، بسبب قلة الزاد، فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها. أشار عمر رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام بدلا من نحر الحمائل أن يجمعوا ما معهم من زاد وطعام، ثم يدعو عليها بالبركة، ففعله عليه الصلاة والسلام. قال: فجاء ذو البر ببره، الذي معه شيء من البر أتى به، وذو التمر بتمره، الذي معه تمر أتى بالتمر الذي معه، وقال مجاهد: وذو النواة بنواه، يعني بعد أن يأكل التمر كانوا يحتفظون بالنواة، نواة التمرة، أتى بهذه النواة التي معه. قيل: وما كانوا يصنعون بالنواة؟ ما الفائدة منها؟ قال: كانوا يمصونه ثم يشربون عليه الماء، فدعا عليها أي النبي عليه الصلاة والسلام، حتى ملأ القوم أزودتهم، ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام كثر هذا الطعام وزاد، حتى ملأوا أزودتهم، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة. هذا الحديث فيه فضيلة لعمر رضي الله تعالى عنه، مما آتاه الله عز وجل من الإلهام، فكان رضي الله تعالى عنه ملهما، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لو كان في أمتي محدثون أو ملهمون، فعمر بن الخطاب. فأشار للنبي عليه الصلاة والسلام بدلا من أن تنحر الحمائل ويقل الظهر، أن يجمعوا ما معهم من الأطعام القليل، ثم يدعو عليها بالبركة، فيجعل الله عز وجل فيها البركة فتزيد وتكثر، ويجدون طعامهم وتسلم الحمائل من النحر. وفيه أيضا جواز أن يشير المفضول إلى الفاضل بما يراه أصلح، وأن يأخذ الفاضل برأي المفضول، فعمر رضي الله عنه دون النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه، ومع ذلك أشار إلى النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الشورى، وهذا الأمر، وقبل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام لأجل المصلحة، وفعل عليه الصلاة والسلام ما أشار عليه عمر رضي الله تعالى عنه. وفيه أيضا فضيلة أو حسن التعاون، أن يتعاون المسلمون بعضهم مع بعض، خاصة من كانوا في رفقة في سفر، مثل جهاد في سبيل الله أو في تجارة أو غير ذلك من أنواع الأسفار، أن يجمعوا ما معهم من طعام إن احتاجوا إلى ذلك، فيجعل الله عز وجل فيها البركة، والاجتماع على الطعام من أسباب البركة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه، ويقول عليه الصلاة والسلام: خير الطعام ما اجتمعت عليه الأيدي. قال رحمه الله: حدثنا سهل بن عثمان وأبو قريب محمد بن العلاء جميعا عن أبي معاوية، قال أبو قريب: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، شك أعمش، قال: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا. قال: وجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن أدعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك بركة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة. هذه الرواية فيها زيادة على الرواية التي قبلها أن السفرة التي ذكرها أبو هريرة رضي الله عنه كانت في غزوة تبوك، وغزوة تبوك كانت بعد فتح مكة، حين بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أن الروم تجتمع لقتاله، فخرج عليه الصلاة والسلام بمن معه من المؤمنين إلى قرب تبوك، وكانت تبوك في أدنى أرض الشام، وهذه الغزوة لم يحصل فيها قتال، فإن الروم لما سمعوا بمقدم المسلمين دخلهم الرعب فرجعوا ولم يتقابلوا مع المسلمين. فأصاب المسلمون في هذه الغزوة مجاعة، قل الطعام وأصابهم الجوع، فعزموا على نحر النواضح، وفي الرواية التي قبلها الحمائل التي تحمل الأمتعة والزاد، وهذه النواضح التي يستقى بها الماء، فقالوا: لو نحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا، يعني انتفعنا بشحومها، فأكلنا من دهنها. وأشار إليه عمر رضي الله عنه بما مر بجمع الأزودة أو الفاضل مما معهم من الطعام، ثم الدعاء عليها بالبركة. وقوله: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، يعني ملأ كفه، ملأ الكف شيء يسير قليل، هذا يأتي بكف ذرة، وهذا بكف تمر، وفي الرواية التي قبلها كان الإخبار من غير تحديد، جاء ذو البر ببره، ذو التمر بتمره، وفي هذه الرواية أنه كف ملأ الكف قليل، وطاحبوا الكسرة من الخبز بكسرته، حتى اجتمع على النطع شيء يسير قليل، دعا النبي عليه الصلاة والسلام بالبركة، قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأه، امتلأت الأوعية كلها ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة، يعني زاد، أكلوا وشبعوا وزاد الزائد، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.