التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 59

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 59

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 59، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث أنس بن مالك وتوضيح معنى التخفيف في الصلاة

شرح شيخ الإسلام ابن تيمية لحديث أنس بن مالك حول صلاة النبي وتوضيح معنى التخفيف في الصلاة مقارنة بصلاة بعض الأمراء والأئمة. المقصود بالتخفيف هو مقارنة بمن يطيل القيام ويخفف الركوع والسجود.

مناقشة صحة الأحاديث المتعلقة بطول الركوع والسجود

مناقشة صحة الأحاديث المتعلقة بطول الركوع والسجود في الصلاة والاستدلال بآثار الصحابة وأقوال العلماء على الاعتدال في الصلاة. الجمع بين الأحاديث التي تذكر إيجاز النبي وتلك التي تذكر إطالته في الصلاة.

تفاصيل حول التطويل والتخفيف في صلاة النبي

تناول تفاصيل حول كيفية صلاة النبي وتوضيح أنس بن مالك لطريقة صلاته مع التطويل في الركوع والسجود والتخفيف في القيام. مراعاة الإمام لحال المصلين وراءه في الصلاة.

ختام المناقشة والدعاء

ختام الحديث أو المناقشة مع التعبير عن الأمل في تحقيق ما يتمناه المتحدث بإذن الله تعالى. إنهاء الموضوع بالدعاء والرجاء في تحقيق المراد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخ الإسلام محمد الله: بعد حديث أنس «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي عليه الصلاة والسلام». قالوا: ما ذكره أنس بن مالك من التخفيف هو بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض الأمراء وغيرهم في قيام الصلاة، فإن منهم من كان يطيل القيام زيادة على ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله في غالب الأوقات، ويخفف الركوع والسجود والاعتدال فيهما عما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله في غالب الأوقات. ولعل أكثر الأئمة أو كثيرًا منهم كانوا قد صاروا يصلون كذلك، يعني يطيلون في القراءة ويخففون في الركوع والسجود والاعتدال. قالوا: منهم من كان يقرأ في الآخرتين مع الفاتحة سورة، وهذا كله قد صار مذاهب لبعض الفقهاء. وكان الخوارج قد تعمقوا وتنطعوا، كما وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام، قوله: «يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصيامه عند صيامهم». معنى ذلك كثرة صلاتهم حتى قال ابن عباس: «رأيت لأحدهم ركبة كركبة البعير»؛ أي: من كثرة السجود. قالوا: لهذا لما صلى علي رضي الله عنه بالبصرة، قال عمران: «لقد أذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا في البخاري من طريقي مطرف بن عبد الله بن الشخير. ثم صلى علي في البصرة، فبكى عمران وقال: «لقد أذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم». والظاهر، كما قال الحافظ ابن رجب وغيره، أن في ذلك الوقت كان بعض الصحابة يقصر في السجود والركوع ويطيل في القيام. فلما صلى علي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكى عمران وقال: «لقد أذكرني صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة، كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع والسجود. وقد جاء هذا مفسرًا عن أنس بن مالك نفسه، فروى النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد قال: «دخلنا على أنس بن مالك فقال: صليتم؟ قال: نعم. قال: يا جاري، هل أمي لوضوء؟ ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا». قال زيد -أي: زيد بن أسلم-: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود. وهذا الحديث كما ذكرنا مختلف فيه؛ لأن العطاف بن خالد مختلف في روايته، فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، فهو عنده أوهام. لكن الحديث تشهد له شواهد أيضًا تدل على ذلك. قال: وهذا حديث صحيح. فإن العطاف بن خالد المخزومي قال فيه يحيى المعين: «ثقة». قال أحمد بن حنبل: «هو من أهل مكة، ثقة، صحيح الحديث». وروي نحوه عنه نحو مئة حديث. وقال ابن عدي: «يروي قريبًا من مئة حديث، ولم أر بحديثه بأسًا إذا حدث عنه ثقة». وروى أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن أبي مريم بن عمر بن كيسان قال: حدثني أبي عن وهب بن مانوس بن مانوس. وهب بن مانوس هذا مجهول، وسيذكر الشيخ كلام أهل العلم في ذلك. قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: «ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الفتى»؛ يعني عمر بن عبد العزيز. قال: «فحذرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات». وهذا الحديث فيه ضعف ولا يثبت. وقد جاء أيضًا أنه كان يسبح ثلاثًا أيضًا، لم يثبت. لكن جاء متكافئًا حتى قال بعض العلماء: إنه يشهد بعضه لبعض. وقال يحيى المعين: «إبراهيم بن عمر بن كيسان يماني، ثقة». وقال هشام بن يوسف: «أخبرني إبراهيم بن عمر، وكان من أحسن الناس صلاة». وهشام بن يوسف هو الصنعاني القاضي. قال: وابنه عبد الله قال: فيه بحاتم صالح الحديث. ووهب بن مانوس بن نون يقول: عبد الله هذا... وكان عبد الرزاق يقول: بالباء الموحدة من أسفل... أنا ما بوس. قال: ولولا أنه شيخ كبير قديم قد أخذ عنه إبراهيم هذا واتبع ما حدثه، ولولا ثقته عنده لما عمل بما حدثه به. وحديثه موافق لرواية زيد بن أسلم. وما أعلم فيه قد جاء. والصحيح أنه لا يثبت هذا الحديث، لا يصح. ووهب بن مانوس يعتبر مجهولًا. وعمل الصحابة رضي الله عنهم، أنهم -وهم أولى الناس وأعرف الناس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم- ما كانوا يطيلون في الركوع والسجود كثيرًا، ولا كانوا أيضًا يطيلون في القراءة إلا في صلاة الفجر غالبًا، وكذلك أحيانًا في صلاة المغرب. وأما من ناحية الركوع والسجود، فصحيح أنه كلام لإمام مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد له عددًا، فمن شاء سبح ثلاثًا ومن شاء أكثر. وكان عمر رضي الله عنه لما كان إمامًا يسبح خمسًا حتى يدركه المأموم. فصحيح أنه لم يأت تحديد للتسبيح. وأما قول بعض العلماء: إنه من ثلاث إلى عشر، فهذا أخذ من هذه الأحاديث التي ذكرت. وعند الشافعية والحنابلة أن أقل الكمال ثلاث. قال: وروى مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أنس قال: «ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام». كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة. وكانت صلاة أبي بكر رضي الله عنه متقاربة. فلما كان عمر مد في صلاة الفجر، كان يقرأ أكثر. كان يقرأ بيوسف في ركعة، والكهف في ركعة. وقرأ أيضًا الصديق مرة سورة البقرة حتى كان بعض الصحابة يقول له: «كادت الشمس تطلع». فقال: «لو طلعت لما وجدتنا غافلين». قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، قام حتى نقول: «قد أوهم». ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: «قد أوهم». وهذا أيضًا سنة، لكن الظاهر أن هذه السنة ليست دائمة وإنما أحيانًا؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطيل في الاعتدال ويطيل في الجلوس بين السجدتين. قال: ورواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة قال: أنبأنا ثابت وحميد عن أنس بن مالك قال: «ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام». معنى: يوجز ويتم ركوعها وسجودها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، قام حتى نقول: «قد أوهم». معنى: أنه نسي، كما تقدم في بعض الروايات. قال: ثم يكبر ثم يسجد. وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول: «قد أوهم». قال: فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث بين الإخبار بإيجاز النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة وإتمامها، وبين أن من إتمامها الذي أخبر به إطالة الاعتدالين -أي: الاعتدال والجلوس بين السجدتين- وأخبر في الحديث المتقدم أنه «ما رأى أوجز من صلاته ولا أتم». قال: فيشبه -والله أعلم- أن هذا اختيار شيخ الإسلام في الجمع بين هذه الأدلة. قال: فيشبه -والله أعلم- أن يكون الإيجاز عادة إلى القيام، والإتمام إلى الركوع والسجود؛ لأن القيام لا يكاد يفعل إلا تامًا؛ لأنه قراءة، فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام، بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين. وأيضًا فإنه بإيجاز القيام وإطالة الركوع والسجود تصير الصلاة تامة لإعتدالها وتقاربها، فيصدق قوله: «ما رأيت أوجز ولا أتم». عن الإيجاز في القراءة والإتمام في الركوع والسجود. وقد جاء في حديث البراء أيضًا قال: «كان قيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وركوعه واعتداله وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء». قال: فأما إن عيد الإيجاز إلى نفس ما أتم، والإتمام إلى نفس ما أوجز، يصير في الكلام تناقضًا. لكن الإيجاز في القيام للقراءة، والإتمام في الركوع والسجود؛ لأن من طال قيامه على قيامه لم يكن دونه في إتمام القيام إلا أن يقال: الزيادة في الصورة تصير نقصًا في المعنى. هذا خلاف ظاهر اللفظ. فإن الأصل أن يكون معنى الإيجاز والتخفيف غير معنى الإتمام والإكمال. ولأن زيد بن أسلم قال: «كان عمر يخفف القيام والقعود ويتم الركوع والسجود». فعلم أن لفظ الإتمام عندهم هو إتمام الفعل الظاهر. وهذا يضم ما يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس دائمًا يطول في القيام والقعود، وإنما أحيانًا. قالوا: أحاديثنا كلها تدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما يفعله أكثر الأئمة. وسائر روايات الصحيح تدل على ذلك. ففي الصحيحين عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بنا». قال ثابت: «فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه». يقول ثابت: معنى أن أنسًا يصنع شيئًا في صلاته ما أراكم تصنعونه. قال: «كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي. وإذا رفع رأسه من السجدة -أي: في الجلوس بين السجدتين- مكث حتى يقول القائل: قد نسي». وفي رواية في الصحيح: «وإذا وقف رأسه أو رفع رأسه بين السجدتين». نسي رواية للبخاري. وفي رواية للبخاري من حديث شعبة عن ثابت: «كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يصلي وإذا رفع رأسه من الركوع كان حتى تقول: قد نسي». فهذا يبين لك أن أنسًا أراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إطالة الركوع والسجود والرفع فيهما على ما كان الناس يفعلونه، وتقصير القيام كما كان الناس يفعلونه. وروى مسلم في صحيحه من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة». حتى إنه قرأ «قل هو الله أحد». فبين أن التخفيف الذي كان يفعله هو تخفيف القراءة. وإن كان ذلك يقتضي ركوعًا وسجودًا يناسب القراءة. ولهذا قال: «كانت صلاته متقاربة»؛ أي: في الحديث الذي تقدم؛ أي: ما يجعل القيام طويلًا جدًا والركوع والسجود قصيرًا، وإنما يقارب بينها. ولهذا في صلاة الليل كان إذا قرأ كثيرًا ركع كثيرًا، وكذلك اعتدل وسجد أيضًا. قال: «يقرب بعضها من بعض». وصدق أنس؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الفجر بنحو الستين إلى المئة، يقرأ في الركعتين بطوال المفصل. طوال المفصل: يعني من قاف أو الحجرات إلى عم. قال: بألف الآيات: «تنزيل» و«هل أتى» و«بالصافات». معنى: بطوال المفصل. وأيضًا بهذه السور: في «ألم تنزيل السجدة» يقرأ بها في الجمعة، و«هل أتى» أيضًا يقرأ بها في الجمعة، و«بالصافات» كما في حديث عبد الله بن عمر. قالوا: وبقاف، وربما قرأ أحيانًا بما هو أطول من ذلك، وأحيانًا بما هو أخف. فأما عمر رضي الله عنه فكان يقرأ في الفجر بيونس وهود ويوسف. ولعله علم أن الناس خلفه يؤثرون ذلك، أن يحبون التطويل. وكان معاذ رضي الله عنه قد صلى خلفه العشاء الآخرة، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقبة، فقرأ بسورة البقرة. فأنكر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك وقال: «فتان أنت يا معاذ، إذا أممت الناس فخفف؛ فإن من ورائك الكبير والضعيف وذا الحاجة». هل لا قرأت «بسبح اسم ربك الأعلى» و«والشمس وضحاها» ونحوها من السور؟ وهذا الحديث في الصحيحين. قال: فالتخفيف الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام معاذًا وغيره من الأئمة، وما كان يفعله -عليه الصلاة والسلام- بأبي هو وأمي، فإنه كما قال أنس: «كان أخف الناس صلاة في تمام». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وهذا الحديث في البخاري، حديث مالك بالحويرث. وفيه أن المصلي يصلي مثل ما صلى النبي عليه الصلاة والسلام من ناحية الأركان والفعل، وكذلك من ناحية التطويل والتقصير. قال: ثم إن عرض حال عرف معناها، إثار المؤمنين للزيادة على ذلك، فحسن. أن إذا كان يعلم الإمام أن من وراءه يحبون الزيادة فلا بأس أن يزيد. قال: فإنه -صلى الله عليه وسلم- قرأ في المغرب بطولي الطولين، وقرأ فيها بطول. قال: وإن عرض وإن عرض ما يقتضي التخفيف عن ذلك فعل. أنا هذا بحسب الحال، إذا رأى التطويل لأن الناس يحبون التطويل يطول. أنا خلفه طلبة علم، وكذا. ولا بأس أن يطول، لكن إذا كان خلفه كبار السن ومرضى وغيرهم فيراعيهم. وكذلك التخفيف إذا عرض ما يقتضي التخفيف يخفف، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بكاء الصبي. قال: فقد تبين أن حديث أنس تضمن مخالفة من خفف الركوع والسجود تخفيفًا كثيرًا، ومن طال القيام تطويلًا كثيرًا. وهذا الذي وصفه أنس ووصفه سائر الصحابة. طيب إن شاء الله تعالى.