الدرس في شرح كتاب التوحيد 72، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المؤلف بتوضيح أهمية باب الاستعاذة بغير الله في كتاب التوحيد، ويشرح أن الاستعاذة بغير الله تعتبر من الشرك الأكبر. يُعرَّف العوذ والاستعاذة على أنهما الالتجاء والاعتصام والهروب من شيء مخيف إلى من يعصم منه.
يتم شرح معنى الاستعاذة وعلاقتها بالشرك، مع توضيح أن الاستعاذة بغير الله تعتبر شركًا، ويتم تفصيل مسألة طلب العوذ من مخلوق فيما يقدر عليه. كما يُبين اختلاف العلماء في حكم الاستعاذة بغير الله.
يشرح اختلاف العلماء في حكم الاستعاذة بغير الله، حيث يرى البعض أنها شرك، بينما يرى البعض الآخر جوازها فيما يقدر عليه المخلوق. كما يتم الإشارة إلى انتهاء الحديث واكتفاء المتحدث بما تم شرحه مع الدعاء لله بالنبي محمد وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، واستئنافًا واستكمالًا، إخواني في الله، في الدروس التي قد توقفنا عندها في كتاب التوحيد، نبدأ مع هذا الباب من الأبواب الجديدة من أبواب كتاب التوحيد. قال المؤلف رحمه الله: «بابٌ من الشرك الاستعاذة بغير الله». هذا الباب، إخواني في الله، من الأبواب المهمة في كتاب التوحيد، وذلك بالتعرُّف على مسائل الاستعاذة بغير الله، وأن ذلك من الشرك. وهذا الباب من الأبواب التي تتضح عندك، يا عبد الله، مقامات التوحيد، إذ أن حقيقة الشيء إنما تعلم بمعرفة ماهيته أو بمعرفة أضاده. حقيقة الشيء إنما تعرف بماهيته أو بمعرفة أضاده. فالمؤلف رحمه الله تعالى يذكر لك هنا ما يضاد التوحيد، فقال: «من الشرك الاستعاذة بغير الله». والباب الذي قد مضى: «من الشرك النذر لغير الله». فذكر هذه الأنواع من أنواع الشرك، بها يتضح لك، يا عبد الله، معالم التوحيد. فقوله رحمه الله تعالى: «بابٌ من الشرك»، من هنا تبعيضية، أي من أنواع الشرك، ومن صور الشرك هذه الصورة التي بين أيدينا. قال: «بابٌ من الشرك»، أي من الشرك الأكبر. وقال أسلفنا في الدروس الأولى من شرح كتاب التوحيد: إذ أن الشرك ينقسم إلى قسمين، إلى شرك أكبر وإلى شرك أصغر، وأن الشرك الأكبر هو الشرك المخرج من الدين والملة، ويكون صاحبه كافرًا مرتدًا. فقوله رحمه الله تعالى: «بابٌ من الشرك»، أي من الشرك الأكبر الذي إن تورط به أحد فإنه خرج عن الدين والملة، كما سيأتي معنا في تفاصيل الباب. قال: «بابٌ من الشرك الاستعاذة بغير الله». الاستعاذة هو طلب العوذ، والعوذ والعياذة هو بمعنى الالتجاء والاعتصام. الالتجاء والاعتصام، هذا معنى العوذ، أنك تلتجئ وأنك تعتصم. وحقيقته وحقيقة العوذ هو الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. هذه حقيقة العوذ والعياذة، أنك تهرب من شيء، وهروبك من شيء خوفًا منه، تهرب إلى من؟ تهرب إلى شيء، إما إنسان أو مكان أو أسباب، تهرب إلى الشيء، وهذا الشيء يعصمك منه. هذه الفعلة تسمى في لغة العرب بالعوذ، الهروب من الشيء إلى من يعصمك منه. أي من هذا الذي هربت منه يقال عنه: عوذ. فالعوذ بمعنى الالتجاء، وبمعنى الاعتصام، الالتجاء والاعتصام هذا هو العوذ. وقولنا هنا: «باب من الشرك الاستعاذة»، الألف والسين والتاء كثيرًا ما تأتي في لغة العرب بمعنى الطلب. فقولك: استسقى، أي طلب السقيا، استعان، أي طلب العون، استغاث، أي طلب الغوث، استعاذ، أي طلب العوذ. الألف والسين والتاء تدل على الطلب، وهذا كثيرًا. وليس دائمًا، لأن أحيانًا الألف والسين والتاء تدل على كثرة الوصف. أحيانًا تأتي هذه البنية على كثرة الوصف، كما في قولنا: فاستغنى الله، هل بمعنى طلب الغنى؟ لا، استغنى ليس معنى الطلب هنا، وإنما الاتصاف، أي أنه كثر اتصافه بالغنى. هذا من معاني الألف والسين والتاء، لكن الأصل في هذه المادة، وفي هذه البنية استفتاح الكلمة بالألف والسين والتاء تدل على الطلب. فهنا قال: «باب من الشرك الاستعاذة»، أي باب من الشرك طلب العوذ، طلب العوذ من غير الله سبحانه وتعالى. وقولنا: الاستعاذة طلب، دل على أن عندي طالب وعندي مطلوب. فالطالب هو الذي يطلب، يطلب العوذ، يطلب العصمة، يطلب الالتجاء من المطلوب منه. فدل على أن المطلوب منه أعلى مقامًا وأرفع شأنًا. ولهذا تجد أن الطالب ينطرح بين يدي الذي يطلب منه، لأنك طالب فتطلب العوذ ممن هو أعلى منك. وقولنا أن الاستعاذة هو طلب، دل على أن استعاذة فرع من فروع الدعاء، لأن الدعاء في لغة العرب بمعنى الطلب. فكل طلب يقال عنه دعاء، كل طلب يقال عنه دعاء. فالاستعانة طلب العون دعاء، الاستغاثة طلب الغوث دعاء، الاستعاذة طلب العوذ دعاء. فالدعاء كلمة عامة يدخل فيها كل أنواع الطلب. فالعوذ نوع من أنواع الدعاء، أي أنك تطلب من يعصمك، ومن يستجيرك مما هربت منه. قال رحمه الله تعالى: «باب من الشرك الاستعاذة بغير الله». كل ما سوى الله يدخل في ذلك، الكائنات من أشجار وأحجار يدخل في ذلك، الأقطاب يدخل في ذلك، الأموات يدخل في ذلك، الأولياء يدخل في ذلك، الأحياء والأموات. فكل من استعاذ بغير الله فقد وقع في الشرك، هذا مراد المؤلف رحمه الله تعالى. «باب من الشرك الاستعاذة بغير الله»، هنا مسألة أختم بها المقام. هل معنى ذلك أن أي طلب للعوذ يعد شركًا؟ أم الأمر فيه تفصيل؟ مثلًا لو أن إنسانًا استعاذ بمخلوق فيما يقدر عليه. أنا أخاف من شيء فهربت منه، خفت من سلطان غشوم ظلوم، خفت من عصابة، خفت من حيوان، خفت من أي شيء فهربت إلى من يعصمني من هذا الذي هربت منه. أذهب إلى زمان، أذهب إلى مكان، أذهب إلى قوي، أذهب إلى صاحب نفوذ، فكوني أطلب منه العوذ، أطلب منه العصمة في أن يعصمني من هذا الخطر الذي أحدق به. هل هذا يعد من الشرك أم لا؟ هذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من يرى أن الاستعاذة بغير الله شرك، لا يخرج شيء ولا ينفرد شيء عن هذه القاعدة، ولا يشذ عنها شيئًا. فكل من استعاذ بغير الله فقد وقع في الشرك، كائنًا من كان. قالوا: لأن الاستعاذة وهو الطلب العوذ، فيه من التوكل والرهبة الموجود في القلوب، وهذا مما لا يكون إلا إلى رب الأرباب سبحانه وتعالى، فلا يجوز أن تستعيذ بغير الله. هذا قول وطائفة من أهل العلم. قالوا: لا، بل إذا استطاع الإنسان أنه يطلب العوذ من مخلوق فيما يقدر عليه في أن يعيذك وأن يعصمك مما أحدق بك من خطر، قال: لا شيء في ذلك. لا شيء في ذلك إذا كان هذا المخلوق قادرًا على أن يعيذك وأن يعصمك. واستدل كذلك هؤلاء ببعض الأحاديث الدالة على طلب العوذ بغير الله، كما جاء في قول عليه الصلاة والسلام في حديث الفتن: «فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به». وهكذا في قصة المرأة المخزومية التي أمر بقطع يدها لسرقتها، قال الراوي: «فعاذت بأم سلمة»، عاذت أي اعتصمت وطلبت العوذ والتجأت إلى أم سلمة لكي تعصمها من هذه المسألة. فقال العلماء: وجدت آثار تدل على أن هناك من طلب العوذ وقد أقرهم الشرع على ذلك. ولهذا انقسم العلماء في هذه المسألة بالذات، وهو طلب العوذ من مخلوق فيما يقدر عليه، يجوز أو لا يجوز، على قولين اثنين. فمنهم من أجاز، ومنهم من منع. ومن أهل العلم من فصل في هذه المسألة بالتفصيل الآتي، وهو قالوا: أنه ينظر في هذا الذي يطلب العوذ من غير الله، فإن كان طلبه للعوذ عبارة عن طلب اللسان فقط، وقلبه متوكل على الله، يعلم أنه لا ضار ولا نافع إلا الله، قال: هذا ليس فيه شيء. وأما من طلب العوذ من غير الله، ولسانه وقلبه قد تعلق بهذا المخلوق، فهذا يقع في الشرك. وهذا التفصيل نعم جيد في مقامه، إذ به تجتمع الأقوال. فالذي يقول بالجواز يؤخذ على أن الجواز يكون باللسان من غير القلب. ومن ذهب إلى المنع، أي استعاذة المخلوق بمخلوق آخر فيما يقدر عليه، من ذهب إلى المنع إنما نظر إلى ما في القلوب. وبهذا التفصيل، إخواني في الله، نعلم حقيقة هذه المسألة. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا الباب عقده المؤلف رحمه الله تعالى في بياني أن طلب الاستعاذة، طلب العوذ من غير الله جل في علاه، وسيأتي معنا ضابطه وشروطه يكون شركًا أكبر مخرج من الدين والملة. نكتفي إلى هذا الحد، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.