الدرس في كتاب الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا المحور حكم رؤية الهلال في بلد ما وتأثيرها على بلدان أخرى، حيث يختلف العلماء حول ما إذا كانت رؤية الهلال في بلد تلزم جميع الناس أم أن كل بلد يتبع رؤيته الخاصة. هناك آراء متباينة بين العلماء في هذا الشأن.
يبحث هذا المحور في مسألة اختلاف مطالع الهلال بين البلدان وآراء العلماء حول تأثير ذلك على وجوب الصيام، حيث يستدل بأحاديث نبوية تشير إلى اعتماد الصيام على رؤية الهلال. هناك آراء مختلفة حول ما إذا كان اختلاف المطالع يؤثر على الصيام.
يناقش هذا المحور حكم صيام يوم الشك واحتسابه من رمضان، حيث يرى الحنابلة أن صيام يوم الشك احتياطًا لا يعتد به في الأحكام الأخرى. يُبين أن هذا الرأي غير صحيح لعدم وجود دليل شرعي يؤيده.
يتناول هذا المحور آراء الجمهور حول صوم يوم الشك، حيث يذهبون إلى عدم صيامه إذا لم يثبت رؤية الهلال، مستدلين بحديث "الصوم يوم يصوم الناس". يُعتبر صوم يوم الشك وحده محل اجتهاد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وَإِذَا رَآهُ أَهْلُ بَلَدٍ لَزِمَ النَّاسَ كُلُّهُمْ الصَّوْمُ». تقدم معنى أن الصيام يكون برؤية الهلال أو بإكمال العدة، فإن حال دونه غيم أو قتر أو غبار، فالصحيح أنه لا يصام، بل هو يوم الشك الذي من صامه عصى أبا القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث عمار. وإن رؤي نهارًا فهو للليلة المقبلة، وهذا إذا كان بعد الزوال، لا خلاف فيه أنه يكون للليلة المقبلة. وإذا كان قبل الزوال، قبل الظهر، فأيضًا أكثر العلم على أنه للليلة المقبلة التي ستأتي. وهناك رواية عن أحمد أنها للليلة الماضية، أي أنهم يمسكون في ذلك اليوم. وهذا يرجع إلى أهل الخبرة في ظهور هذا الهلال، إذا كان موضعه تابعًا للليلة الماضية فهو الواجب الإمساك، وإلا يكون الصوم للليلة المقبلة، يكون تابعًا للليلة المقبلة. ثم قال: «وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم»، أي إذا رؤي الهلال في بلد يلزم الناس كلهم في كل العالم أنهم يصومون. وهذا قول المالكية أيضًا، والحنفية في رواية عن أحمد، وهو قول الشافعي رحمه الله، وكذلك رجحه شيخ الإسلام، أن لكل بلد مطلعهم، كل بلد رؤيتهم، ويكون على حسب المطالع. واستدل من قال بأنه يلزم كل الناس رؤية بلدة واحدة، استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، فقوله «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» أي كلكم. واستدل من قال بأنه بحسب الرؤية، بحسب رؤية كل بلد رؤيته، استدلوا بما جاء في صاحب مسلم أن كريبًا مولى ابن عباس أرسله ابن عباس في حاجة إلى الشام، ثم جاء في رمضان، فسأله ابن عباس: متى صمتم؟ قالوا: صمنا يوم الجمعة، صام رأى الناس الهلال وأمر معاوية الناس بالصيام. فقال ابن عباس: أما نحن فصمنا يوم السبت. فقال له كريب: ألا تكتفون برؤيتي معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فدل هنا على أن أهل الشام صاموا الجمعة، وأهل مكة صاموا السبت، فدل على أن هناك فرقًا بين رؤية هؤلاء وهؤلاء في الصيام. فأخذ العلماء من هذا أن الأصل أن الإنسان على رؤية أهل بلده، ومن كان مجاورًا لهم على مطلعهم. وهذا هو واقع، دل عليه الدليل، وهو واقع أيضًا، فإنه قد يرى الهلال في بلدة ولا يرى في الأخرى. فإذا رؤي في بلدة لزم بقية البلدان التي مطلعها واحد، مثلًا من يتتبع مثلًا رؤية الهلال في المملكة، فغالبًا إذا رأوه في الجنوب يرى عندنا، إذا رؤي الهلال في الجنوب فغالبًا يرى في السعودية، وإذا رؤي في الشمال فتجد أحيانًا يرى وأحيانًا لا يرى. أحيانًا السعودية يرونه في تمير أو في السدير وهي في الشمال، فعندنا هنا ما يرى، ولكن إذا رؤي في الجنوب فغالبًا يرونه في الحديدة أو في الأماكن الساحلية هذه غالبًا، لأنه يرى أوضح. وغالب رؤية الهلال تكون في الحديدة. والمهم أنهم يرون هذا إذا رؤي في الجنوب غالبًا. وهذا يدل على أن المطلع واحد. ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الجزيرة، جزيرة العرب، فيها أربعة مطالع، جزيرة العرب فقط فيها أربعة مطالع. وهذه المسألة مسألة اجتهادية، أي مسألة الرؤية وصيامها لكل بلد، فلهذا قال العلماء: لا بد من تعليقها بالحاكم، تعليقها بالحاكم المسلم، فمتى أوجب على الناس الصيام يصوم عند اختلاف الرؤية. فلهذا رجح الشيخ العثيمين رحمه الله أن هذا يرجع إلى الحاكم، إذا ألزم الناس بالصيام لزِمهم الصيام. واستدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون»، حتى لا يختلف الناس في الصيام. سيأتي أيضًا ما يدل على هذا. قالوا: يصام برؤية عدل ولو أنثى، فإذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم يرَ الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا. قالوا: يصام برؤية عدل ولو أنثى، وهذا قول أحمد والشافعي، على أنه يكتفى بواحد في رؤية رمضان، لما جاء عند أبي داود والنسائي أن عبد الله بن عمر قال: «تراءى الناس الهلال، فرأيته فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام أني رأيته، فصام وأمر الناس بالصيام». فهنا ابن عمر واحد رأى الهلال، لم يخبرنا أنه رآه معه جماعة، فاكتفى النبي عليه الصلاة والسلام بخبر عبد الله بن عمر. وجاء حديث عن ابن عباس أيضًا عند الترمذي وأبي داود، لكنه لا يصح في شهادة العدل. وجاء حديث عبد الرحمن بن زيد أمير مكة أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فإن شهد شاهدان على رؤية الهلال فصوموا وأفطروا»، شهد شاهدان. وهذا يقال: إنه الأفضل، العولى والأفضل أن يصام برجلين. لكن وإن جاء برجل واحد وهو ثقة فإنه يصام برؤيته، لكن لا بد أن يكون هذا عدل، وكذلك أيضًا ليس في بصره شيء، لأنه إذا كان في بصره شيء فهذا لا تقضى رؤيته، خاصة عند الصحابة، كيف سيراه والناس كلهم لم يروا؟ لكن إن كان ليس في نظره شيء وهو عدل فإنه يقبل ولو كانت أنثى. وكما قلنا: إن ولو في كتب الحنابلة غالبًا يطلقونها على الخلاف على وجود الخلاف، فقوله «ولو أنثى» معناه أنه يصح ولو بالأنثى مع الخلاف الموجود في المذهب. قال: «فإذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم يرَ الهلال أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا»، كأنهم يرون أن الصيام بشهادة الواحد يعتبر احتياطًا، وكذلك الصيام على مذهب الحنابلة عند عدم رؤية الهلال للغيم والقتر أيضًا كذلك احتياطًا. فلهذا لا يعدونه شيء مؤكد، حتى إنه لا يعتد به في الأحكام الأخرى، مثلًا في عدة طلاق، في عدة وفاة، في نذر، في كذا، ما يعدونه من رمضان. لو قال مثلًا: ستنتهي عدة المطلقة أو عدة الوفاة في رمضان إذا انتهى شعبان، فهنا ما يعتدون باليوم الأول، وإنما يصام احتياطًا. مثلًا لو كان امرأة عليها عدة طلاق بالأشهر، معها جمادى آخر ورجب وشعبان، فهنا إذا جاء اليوم الثلاثين من شعبان وصام الناس احتياطًا، هل هذه المرأة تنتهي عدتها؟ تقولون: لا، ما تنتهي عدتها، لا بد هذا اليوم يوم احتياط فقط، صيام احتياط. كذلك أيضًا مثلًا عدة الوفاة، وكذلك غيرها من الأحكام. إذا مثلًا إنسان حلف يمين أنه إذا دخل رمضان فعل كذا وكذا، فهذا اليوم لا يعتد من رمضان، يعتبرونه أنه احتياطًا فقط، لا تقام به أحكام الشهر. وهذا الكلام غير صحيح، أن هذا الاحتياط لم يرد في الشرع، ولم يثبت شيء يسمى احتياط. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: «لا تصوموا قبل رمضان، أو لا تتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا صومًا كان يصومه أحدكم». فدل على أن الإنسان لا يحتاج قبل رمضان إن رأى الرؤية بيقين صام، وإن لم يرَ لا يصوم. لكن هنا أخذوا بالرؤية الواحد، وكذلك إذا كان غيم ولم يرَ فإنه يصام، لكن لم يجعلوه من باب الاحتياط. فلهذا قال هنا المؤلف: «فإذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا فلم يرَ الهلال أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا»، لم يفطروا حتى يروا الهلال. إذا رأوا الهلال شخصان مثلًا وأكثر، فإنهم يفطرون. هذا كلامه. والصحيح أنه ما دام أنهم صاموا على يقين بشهادة عدل، فإنهم يفطرون بعد الثلاثين، يعني إذا صاموا ثلاثين يومًا يفطرون، يقين بإكمال العدة، إفطارهم بإكمال العدة. قالوا: من رأى وحده هلال رمضان ورد قوله، أو رأى هلال شوال، صام أو أفطر. من جاء إلى القاضي رأى هلال رمضان فجاء إلى القاضي فلم يأخذ بقوله القاضي، فهنا قال: يصوم هو. وكذلك في الإفطار يفطر. وذهب المالكية والشافعية والجمهور، واختاره شيخ الإسلام، أيضًا على أنه لا يصوم إذا رد قوله، وهي رواية عن أحمد أيضًا، أنه لا يصوم بل يفطر مع الناس، ولا يصوم وحده، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الصوم يوم يصوم الناس». وهذا سيصوم وحده، وهذا محل اجتهاد، إن صام إن شاء الله نسأل الله يتقبل منه، فهو صاب على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».