شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 36

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم التطير والتشاؤم

التطير هو التشاؤم بحدث أو شخص أو شيء، وكان العرب يفعلونه مع الطير، وهو محرم في الإسلام لأنه يتعارض مع التوكل على الله. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التطير وقال إن الأمر بيد الله عز وجل.

تحريم الطيرة وكونها شركاً

الطيرة هي التشاؤم بشيء معين وتؤثر على أفعال الإنسان، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها ووصفها بأنها شرك، ويمكن التخلص منها بالتوكل على الله والدعاء المأثور.

التوجيه الإسلامي لطلب الخير من الله

يُستحب أن يُقال 'اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك'، وهذا يُعد توجيهاً للشخص لطلب الخير من الله وحده، ويُظهر كيفية الدعاء بطريقة صحيحة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى. باب ما جاء في النشرة، والنشرة كما هو معروف حل السحر عن المسحور، وهي على قسمين: إما حل السحر عن المسحور بالتعاويذ والرقى، فهذا جائز، وقد حث عليه النبي عليه الصلاة والسلام. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: «وراءك جارية بها سفعة»، يعني بها لطمة جن أو بها عين جن، سماها سفعة، يعني سفعة، وهي لون في البشرة، الغالب إذا كان الإنسان أبيض يكون حمرة في خدوده. قال: «اخترقوا لها، فإن بها سفعة». فحل السحر عن المسحور والعائن وغيره بالتعاويذ والتلاوة والرقى جائز. وأما حل السحر بسحر مثله، فقول أكثر العلماء على أنه لا يجوز حل السحر بسحر مثله، ولو كان سيحل السحر. لا يجوز أن يكون عنده ساحر، حتى قال العلماء: «لا يحل السحر إلا ساحر». ونجا عن بعض السلف كما ذكروا المؤلف: «لا يحل السحر إلا ساحر». وجاء عن الجابر: «هي من عمل الشيطان». معنى ذلك أن النهي عن حل السحر بالسحر. قال: «باب ما جاء في التطير». وقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. ما جاء في التطير، التطير هو التشاؤم. وإنما سمي تطيرا لأن العرب كانت تفعله مع الطير. إذا أراد الإنسان أن يسافر أو أن يفعل فعلا، جاء بالحمام أو بالطير ويفر هذا الطير. يخرج معناه يجعله يفر. إن ذهب إلى اليمين قال: خير، وإن ذهب إلى الشمال قال: شر، فيجلس في مكانه لا يسافر. فهذا كان عند العرب، فسمي التطير لأنهم يفعلونه بالطير. وإلا فالأصل فهي تشاؤم. التشاؤم معناه الإشمعزاز من شيء. والتشاؤم إما أن يكون بمرئي أو مسموع أو مقروء. أحيانا يكون التشاؤم بمرئي، مثل أن يرى شيئا يتشاءم منه. مثلا بعض الناس يتشاءم من بعض الأشخاص. تجد أنه إذا رآه قال: ما في خير اليوم، ما دام رأيت هذا الوجه، ما سيأتي الخير. هذا يعتبر تشاؤما. وأحيانا يكون التشاؤم بمسموع، مثل ما يفعله بعضهم إذا سمع صوت الغراب مثلا. فإذا سمع نعق غراب يرجع بعض المتطيرين. كان إذا سمع نعق غراب يرجع، يقول: هذا شر. قال: فهذا الطير هو التشاؤم. فقال ما نستدل بقول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أن بني إسرائيل تطيروا بموسى ومن معه. قالوا: «إن تطيرنا بك وبمن معك». قال: «طائركم عند الله». أي تشاءمنا بك. معناه كانوا يقولون: منذ أن جئت أنت ونحن في اختلاف، ونحن في كذا، مثل ما يذكر بعض الجهلة من العوام. وهذا من باب التشاؤم بالصالحين، وهذه سنة من سنن أهل الجهل. تجدهم يتشاءمون بأهل الصلاح. فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقال في هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. كيف طائرهم عند الله؟ معناه كله بإذن الله. هذا التطير ما يكون. لماذا؟ لأن الأمر بيد الله عز وجل وبإذن الله. فلهذا من الخطأ أن يتطير إنسان بآخر أو بحيوان أو بحشرة أو بكذا من هذه الأمور. وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. أيضا هنا حصل التطير من هذه القرية لما جاءها المرسلون. تطيروا بهم، قالوا: «ما رأينا الخير بعدكم، إنا تطيرنا بكم». لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم. تطيرنا بكم. معناه تشاءمنا بكم. أنتم الآن لما جئتم ما جاءنا خير. فقالوا ردًا عليهم: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾. أي يريد أن هذا التطير أنتم تتطيرون بنا. فالأولى إذا أردتم أن تتطيروا تطيروا بأنفسكم. لكن الطير عند الله والأمر لله جل وعلا. ثم قال: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. معنى كيف تقولون نحن تطيرنا بكم ونحن نذكركم بالخير؟ هل الذي يذكر بالخير يتطير منه ويتشاءم منه؟ لكن هذا بسبب الجهل. فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. معنى هذا الذي جاءكم ليس بسبب أن نحن جئنا وأننا دعوناكم على الخير، لا، بسبب إسرافكم في الذنوب والمعاصي. هذا بسببكم. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر». أخرجاه. زاد مسلم: «ولا نوء ولا غول». لا عدوى ولا طيرة. سيأتي الكلام على العدوى. طيرة هذا الذي ذكرناه. ولا هامة، الهامة قيل: هو مرض كانوا يتشاؤمون به. وقيل: أنه يعني هذه الهامة التي هي الحية وغيرها. ولا صفر، الصفر قيل: هو شهر صفر الذي كان يتشاءم به أهل الجاهلية. وقيل: الصفر هو مرض يكون في البطن يتشاءم به الناس. ولا نوء، النوء هو النجم الذي يحسب به. يعني يقول مثلا: حصل كذا لأنه في نوء كذا أو في نجم كذا. ولا غول، الغول هذا هو الجن الذي يقولون أنه يتغول الناس. هذه العقيدة إلى الآن. كل فناء غاوي الغول هو الغاوي، سواء كان الغول بالظهيرة أو غول الليل. يعني الأصل أنه لا غول. قالوا: لهما عن أنس رضي الله عنه، أي في الصحيحين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل». قال: «وما الفأل؟» قال: «الكلمة الطيبة». الآن الطيرة محرمة، لكن كما سيأتي ليس المحرم ذاتها، وإنما أثرها. لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال له معاوية بن الحكم السلمي: «يا رسول الله، إن منا أناس يتطيرون». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنكم». هنا النهي. فلا يصدنكم. قد يجد الإنسان الطيرة في نفسه، لكن هذا ليس إثم. الإثم هو أن يتصدك هذه الطيرة. أن تصدك هذه الطيرة عن الفعل. مثلا كما قلنا: إنسان يخرج إلى عمله في الصباح، بعد الفجر يخرج إلى عمله. فذات مرة خرج من المسجد يريد أن يذهب إلى عمله، فوجد رجلا يتطير به، أن يتشاءم منه. فقال: «سبحان الله، هذا الرجل». وقع في نفسه، لكن مشى وفعل مثل ما يفعل كل يوم. هذا ما يؤثر عليه. هذا يذهب التوكل على الله. لكن إنسان فعل هكذا ورأى هذا الرجل، قال: «خلاص، أفضل أن أجلس في المسجد». أثرت فيه الطيرة. هذا المنهي عنه. لهذا جاء في حديث ابن مسعود: «الطيرة شرك». الطيرة شرك. وما منا إلا، ولكن الله يذهب بالتوكل. وما منا إلا وهو يجد هذه الطيرة. يجد هذه الطيرة، لكن يذهبه الله عز وجل بالتوكل. قال: أولي أبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: «ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما». فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك». فهذا الحديث حسنه بعض العلماء. قال: «ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أحسنها الفأل». وهل الفأل من الطيرة؟ الفأل هو مقابل الطيرة. الطيرة هو التشاؤم بالشر. الفأل هو الفعل بالخير، التفاؤل بالخير. تفاؤل وتشاؤم. فهل الفأل الحسن من الطيرة؟ لا، لكنه من بابها. هو من بابها. قال: «أحسنها الفأل». لأن الطيرة أو الفأل قد يكون فعلا. قد يكون طيرة، وقد يكون فألا. الإنسان مثلا يرجو الخير، لكن أحيانا هذا الخير الذي يرجوه لأجل شيء أصلا في نفسه من الشر. مثل ما ذكر عن ابن عباس أنه نعق غراب، نعق غراب. وكان رجل مع ابن عباس، فقال رجل: «خير، خير، خير». قال: «وأي خير في هذا؟» معنى ليش قال خير، خير؟ لأنه يعتقد الطيرة في هذا الغراب. فهو يعتقد أن الغراب هذا معنى نعق، هذا سيأتي بشر. ولهذا قال: «خير، خير». الآن تفاعل، لكن تفاعله عن اعتقاد. تفاعله هنا عن اعتقاد الطيرة في هذا الغراب. فلهذا عنكر عليه ابن عباس، قال: «وأي خير في هذا؟» أنا ما في خير في هذا، ولا شر. أي خير أو شر غراب ينعق دائما؟ ليش تقول هذا خير أو هذا شر أو هذا كذا؟ فلهذا فقال: «أحسنها الفأل». الفأل أصلا ليس من الطيرة، لكنه مقابله. لكنه غالبا يحصل مع الطيرة. فالفأل الحسن طيب. قال: وعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: «الطيرة شرك». الطيرة شرك. وما منا إلا، ولكن الله يذهب بالتوكل. رواه أبو داود والترمذي وصححه. وجعل آخره من قول ابن مسعود. قوله: «وما منا إلا». طيرة شرك. معنى نوع من أنواع الشرك. لأنها تجعل الإنسان سببا ما ليس بسبب. هذا التشاؤم هو جعله الإنسان في قلبه، وهو ليس سببا من الأسباب. قال: أولي أحمد من حديث ابن عمر: «من ردته طيرة عن حاجة فقد أشرك». في رواية حاجته. قالوا: «فما كفارة ذلك؟» قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». هذا صحيح. والشغل الباني رحمه الله عليه. وإلا ففيه ضعف. فمن ردته طيرة عن حاجته فقد أشرك. وإذا كان ردته عن حاجته، أما إذا لم ترده فهو لا يؤثر. هذه الطيرة على نفسه. وأما هل هذا دعاء في رد الطير؟ إن شاء الله ما في شيء إذا قلنا بصحته. يرددها مثلا، يأخذ بهذا الشخص، يقول: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك». نكتب بهذا. والله تعالى أعلم.