كتاب الصيام 6

كتاب الصيام 6

الدرس في كتاب الصيام 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام صوم يوم عاشوراء وتاريخ تشريعه

درس يتناول شرح أحكام صوم يوم عاشوراء وتاريخ تشريعه وتدرج الأحكام المتعلقة به. كان واجبًا ثم صار مستحبًا بعد فرض صيام رمضان.

حكم إكمال الصيام لمن أفطر جاهلًا

يجب على من أفطر في بداية يوم رمضان لجهله بدخول الشهر أن يكمل صيامه. يستدل بحديث سلمة بن الأكوع أن النبي أمر من أكل في يوم عاشوراء أن يكمل صيامه.

النهي عن صوم الأيام المحرمة

نهى النبي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى، ولا يقبل الله الصيام في هذين اليومين. كما ناقش كراهة صيام يوم الجمعة منفردا لكونه يوم عيد الأسبوع للمسلمين.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الصيام من «اللؤلؤي والمرجان فيما اتفق عليه الشيخاني» للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الباهي بن عمر بن مرعي العدلي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد، أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذه الأحاديث في باب صوم يوم عاشوراء، وهذا الباب يقال فيه كما قيل في غيره: مدخل في معرفة حكم صوم يوم عاشوراء. وصوم يوم عاشوراء تدرج صيامه على المسلمين، فقد كان قبل نزول رمضان يصومه المسلمون على وجه الوجوب، فلما فرض رمضان، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- خير في صيامه من عدمه، ويدل على ذلك هذه الأحاديث التي أوردها: حديث عائشة، وابن عمر، وابن مسعود، وكذلك ابن عباس، وغيرها من الأحاديث. وأفادت هذه الأحاديث مجموعة من المسائل، من أهمها فضل صوم يوم عاشوراء، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- صامه وأمر الناس بصيامه، بل كان صيامه واجبًا في أول الإسلام، ثم ترك بعد ذلك، فصار على وجه التخيير ومستحبًا. وفي هذه الأحاديث اختلاف سبب صيام يوم عاشوراء، ففي حديث ابن عمر، وعائشة، وابن مسعود: أنه كان يصومه -صلى الله عليه وسلم- لأن أهل الجاهلية كانوا يصومونه. والصحيح: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صامه بوحي من الله، ووافق صيامه صيام أهل الجاهلية، فكان أهل الجاهلية يصومون هذا اليوم. وقد اختلف أهل العلم: هل أهل الجاهلية كانوا يدرون لماذا يصام هذا اليوم؟ والصحيح: أنهم كانوا مختلفين في سبب صيام يوم عاشوراء؛ لأنه بلغهم من أهل الكتاب أنه يوم معظم، فكانوا يصومونه بغض النظر لأي سبب يصومونه، وإن كان بعضهم قد علم السبب. ولا ينافيه ما جاء في حديث ابن عباس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أتى المدينة رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك. فسؤاله لا يعني أنه لا يعلم، ولكن لأجل أن يعلم ما السبب في صيام اليهود؛ لأن اليهود صاموا هذا اليوم، وهو -عليه الصلاة والسلام- قد أمر أصحابه أن يصوموه في مكة. فلما رأى اليهود يصومونه أحب أن يعلم -عليه الصلاة والسلام- لماذا يصومونه، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يوم نجى الله -عز وجل- فيه موسى، فقال: «أنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر الناس بصيامه. فيكون هذا ماذا؟ تجديد للأمر، الأمر قد حصل قبل ذلك، فإنهم كانوا يصومون من مكة، ولكن لما أخبر اليهود بهذا أكد على أصحابه أن يصوموا هذا اليوم. ويكون فيه استحباب هذا الصيام، فيكون صيام يوم عاشوراء مر بأربعة مراحل: المرحلة الأولى: كان المسلمون لا يصومونه. ثم أمر بصيامه على وجه الوجوب في أول الإسلام، ثم لما فرض رمضان خير أصحابه في صيام يوم عاشوراء وعدمه، ثم لما علم بقول يهود أمر أصحابه بصيامه أمر استحباب. ولهذا جاء بحديث ابن عباس نفسه: قوله: «أنه ما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحرى صيام يوم فضله -أي فيه فضيلة- على غيره إلا هذا اليوم -يعني يوم عاشوراء- يعني لا يكاد يترك صيام يوم عاشوراء»، وهذا هو المقصود من تأكيد استحبابه. وصيام يوم رمضان، أو صيام شهر رمضان: لا يعني هذا الاقتران أن الحكم واحد، وهذا معلوم من الشرع واللغة، فإن دلالة الاقتران لا تدل على تساوي الحكم، وخصوصًا إذا عطف فيها بالواو، فإن الواو في الغالب تفيد التغاير. فحكم صيام يوم عاشوراء ليس مثل حكم صيام شهر رمضان، فيرجع كل أمر إلى أصله، فصيام يوم عاشوراء علمنا بالنصوص الأخرى أنه مستحب، فصيام شهر رمضان علمنا بالنصوص الأخرى أنه واجب. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك -أو في هذه الأحاديث من المسائل- مع ما ذكر من فضيلة واستحباب صيام يوم عاشوراء: فيه جواز العمل بعمل أهل الكتاب، وشريعة من قبلنا. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة: هل شرع من قبلنا شرع لنا؟ والصحيح: أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يخالف شرعنا، وأقره شرعنا. فهنا نحن صمنا بإقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- لا بفعل اليهود، لو لم يقل لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بأننا نصومه لما صمنا، أليس كذلك؟ بلى، فإن صيامنا ليس لأجل أن اليهود صاموه، بل صيامنا لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرنا ماذا؟ بصيامه، وأننا أحق بموسى منهم -عليه الصلاة والسلام-. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: جواز العمل بخبر أهل الكتاب إذا دلت القرينة على صدقهم، فأهل الكتاب الأصل في أخبارهم أنهم لا يصدقون ولا يكذبون، لكن إذا دلت القرينة على صدق خبرهم فإننا نقبل خبرهم، ولهذا نضائر كثيرة في الكتاب والسنة. وفيه كذلك من المسائل: موضع من محاسن هذا الدين، ومواضع جماله وكماله في التدرج في التشريع، فإن الإسلام دين الله -سبحانه وتعالى- الذي ختم به الأديان، وقد نزلت فيه الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة، ما هي كفيلة بإصلاح حال هذا الإنسان في دنياه وأخرى. ومن ذلك التدرج في هذا التشريع، وما فيه كذلك من إطلاق وتقييد، وعموم وخصوص، وكذلك نسخ ناسخ ومنسوخ، وغير ذلك مما هو معلوم من تفاصيل عظيمة مليئة بالحكمة في هذه الشريعة العظيمة. ومن ذلك: الصيام، أول ما ابتدأ أمر الناس بالصلاة، ولم يكن معه صيام، ثم لحاجة الناس إلى الصيام، وما فيه من المصالح والمنافع مروا بالصيام على وجه الاستحباب، ثم على وجه الوجوب يوم واحد، ثم لما فرض صيام رمضان نسخ ما كان قبل ذلك من صيام. وهذا التدرج حكمة من الله -سبحانه وتعالى-، وفيه كذلك من المسائل: ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الرفق بأصحابه، وتفقد أمرهم، فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما في هذا الحديث، وغيره من الأحاديث الأخرى: كان يتعهد أصحابه -رضي الله عنهم أرضاهم- بما يكون رفقًا بهم، سواء بالتخفيف في العبادات، كما أمر بتخفيف الصلاة من خمسين صلاة إلى خمس صلوات، فيها أجر خمسين، وهكذا كذلك في الصيام. وفيه من المسائل كذلك: ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من البحث عن العلم، والنظر كذلك في أحوال الناس في العبادات، فنظر إلى عبادة أهل الجاهلية، فكان لهم عبادات، وهكذا كذلك اليهود، وكانت لهم عبادات. وهذا لا يعني أننا نقتدي بهم، ولكن هذا يعني أن نأخذ ما لا يعارض شرعنا، ويوافقه شرعنا. وفيه من المسائل كذلك: أن أهل الجاهلية كانت لهم عبادات، ومع ذلك سماهم الله -عز وجل- كفارًا ومشركين، حتى لا يظن الظان أن المشركين لم يكن لهم عبادات وطاعات، بل كانت لهم صلاة وصدقة وصيام، ولكن بسبب شركهم لم تقبل منهم هذه العبادات، كما هو متقرر في كتب التوحيد والعقيدة والفقه والحديث. فإذا كان كذلك، فلا يغتر مسلم بعباداته إذا وقع منه الشرك والكفر، لا يقول: أنا أقول لا إله إلا الله، وأنا أصلي، وأنا أتصدق، وأنا أصوم، وأنا أحج أو حججت، واعتمرت، ثم يذهب فيزور القبر ويستغيث عنده، ويطلب منه ما لا يجوز أن يطلب من الله، ويريد أن هذا لا يضر بإسلامه، بل هذا يضر بإسلامه، كما قال الله -عز وجل-: «ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون»، الشرك يحبط الأعمال. فأعمال أهل الجاهلية الصالحة أحبطها الله بسبب ماذا؟ بسبب الشرك، أحبطها الله بسبب الشرك. فمن فعل بمثل فعلهم، وهو الشرك، فإن الله سيحبط عمله، ولو كان عملًا كثيرًا، بل يقول الله -عز وجل- لنبيه -عليه الصلاة والسلام-، وهو نبي الله وصفيه وخليله، وهو أنزه الناس عن ذلك وأبعدهم وأتقاهم، ولكن لأجل أن يعلم الناس أن النبي لو قدر -والنبي منزه عن ذلك- أن فعل مثل ما فعل المشركون من الشرك، لأحبط الله عمله، وهو نبي، كما قال الله -عز وجل-: «وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ»، فهذه الآيات وغيرها تدل على هذه الحقيقة العظيمة التي جهلها الكثير من الجهال، وممن غرر بهم من قبل الطوائف الضالة: كالباطنية، والرافضة، والصوفية، الذين يضلون الناس بالشبه. وأكثر هؤلاء يدخل عليهم الضلال بسبب الجهل والبعد عن دين الله -عز وجل-، وكثير من هؤلاء إنما دخل عليهم الشر مما أخذ من ظلال أهل الكتاب، حتى صارت عقيدتهم تشبه عقيدة المشركين، تشبه عقيدة المشركين. كما قال المشركون: «ما نعبدهم إلا لقربونا إلى الله زلفى»، اليوم تقول لواحد منهم: ماذا تفعل؟ ماذا تصنع؟ قال: نأتي إلى هؤلاء ليقربونا إلى الله زلفة، ليقربونا إلى الله زلفة. وكما يقول النصارى: زيارة الكنيسة والذهاب عند الصليب، والاستغاثة بالمسيح: تأخذ عنك خطيئاتك وسيئاتك. فصار يقول بعض عباد القبور اليوم: إذا ذهبت إلى القبر الفلاني -مثل قبر نبي الله هود- فإنه يأخذ عنك ذنوبك وخطاياك، أليس هذا مثل عقيدة النصارى؟ هذا مثل عقيدة النصارى لا فرق. فإذن يحذر المسلم من أن يبطل عباداته بالشرك بالله -سبحانه وتعالى-. قال -رحمه الله تعالى-: «باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه». قال: عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلًا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل». قال: وعن الربيع بنت معوذ: قالت: أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم»، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب والأحاديث ليستدل على أن صيام عاشوراء كان واجبًا، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم أن يتموا صيامهم، ولو كان قد أكل أول النهار. وأراد أن يستدل به كذلك على مسألة أخرى، وهي: أن من أدرك يوم رمضان وقد أفطر أوله لعدم علمه، فإنه يجب عليه إمساك ذلك اليوم. فهاتان مسألتان: المسألة الأولى: ما تقدم في صيام يوم عاشوراء، وأنه تدرج في صيامه، وأنه كان صيامه واجبًا، ثم نسخ، فصار مستحبًا على الصحيح. المسألة الثانية: فيه كذلك: أن من صام أول اليوم، من أفطر أول اليوم لعدم علمه بوجوب الصيام، ثم علم في أثناء اليوم: فيجب عليه أن يمسك وأن يتم صومه، وأن يتم صومه. مثاله: رجل جاء من السفر، أو نقول: قام من النوم، هذا المثال، السفر سيأتي الكلام عليه: رجل قام من نومه ولم يدري أن هذا اليوم هو أول يوم من رمضان، فأكل، ثم أخبروه أن اليوم هو أول يوم من أيام رمضان، ماذا يجب عليه الآن؟ هو أفطر، ويجب عليه قضاء هذا اليوم، هل يكمل الإفطار أم أنه يصوم؟ في هذا خلاف، والصحيح: يجب عليه أن يصوم. ما هو الدليل؟ الدليل: حديث سلمة بن الأكوع الذي بين أيدينا: «من أكل فليتم»، وفي رواية: «فليصم»، «ومن لم يأكل فلا يأكل». قام إنسان من النوم، صلى الفجر، خرج بعد الصلاة، قالوا له: اليوم أول يوم من رمضان، علم، قال: ما علمت، وهو ما أكل، يجب عليه أن يكمل. تبقى هنا مسألة: رمضان تحتاج إلى نية، فإن لم يبيت النية، فعليه القضاء على الصحيح، ولو لم يأكل. وإن بيت النية -والغالب أن كل مسلم يعلم بقدوم رمضان، وأن غدًا يوم الشك- فإنه سيبيت النية، ولا يتصور عدم تبييت النية إلا لإنسان له مانع، مثل: إنسان خرج من السجن لا يدري: رمضان من شعبان؟ طيب، كان في السجن لا توقيت ولا شهور ولا يدري شيء، فخرج يوم الشك من السجن، فمثل هذا ما بيت نية بلا شك. فمثله يقال له: عليك قضاء يوم؛ لأنه لم يبيت النية. فإذن عندنا الآن هذا التفصيل: تفصيل ثالث اختلف فيه أهل العلم، وهو: من ابتدأ يومه بفطر، صحيح عنده سبب للفطر، مثل: مسافر جاء من سفر، أو حائض طهرت من حيض أو نفاس: هل يجب عليها أن تصوم؟ استدلالًا بهذا الحديث: الصحيح لا، والمسألة فيها خلاف. لماذا؟ لأن هذا الأمر مختلف، والشرع لا يجمع بين مفترق كما لا يفرق بين مجتمع، مجتمع ولهذا جاء عن ابن عمر، وجاء عن ابن عباس، وجماعة من الصحابة: من أفطر أول اليوم أفطر آخره، من أفطر أوله أفطر آخره، يعني أفطر أوله بإيش؟ بمبيح صحيح. أما هذا الذي أفطر وهو لا يدري أنه يوم صيام: هل أفطر بمبيح صحيح؟ لا، هذا أخطأ، فيجب عليه أن يكمل ويتم الصيام، ويمسك عن الطعام. أما ذاك الذي جاء من السفر: هو مسافر، والمسافر له رخصة أن يفطر، صح؟ نعم، فإذا كان كذلك، إذن يستمر في فطره، يجوز له أن يستمر في فطره، وهذا هو الراجح. وقول من قال: يجب عليه أن يمسك لحرمة اليوم: الصحيح أن هذا في حق الأول، أما في حق من جاءت له رخصة الفطر فلا يجب عليه. لكن عليه أن يراعي المصلحة من المفسدة، فلا يفطر أمام الناس حتى لا يسنسن سيئة، ولا يفتن الناس بفطره، ولا يفتن الناس بفطره. أما بين أهله وفي بيته فله أن يفطر، مثل المرأة الحائض التي تطهر وسط النهار، فإن الناس في البيت يعرفون أنها كانت حائض، فهي مفطرة، فإذا طهرت في وسط النهار لا يجب عليها الصيام على الصحيح، وتستمر في فطرها. وفي هذه الأحاديث من المسائل كذلك: جواز صيام الصبيان المميزين، كما تقدم معنا: شرط التمييز، وأنه شرط ماذا؟ ها، عند من شرط ماذا؟ شرط صحة، نعم، شرط صحة، فلابد أن يكون الصبي مميزًا حتى يصح منه الصيام. وفيه من المسائل كذلك: تعويد الصغار على العبادات والطاعات، فإذا كان يعود على الصيام فإنه يعود كذلك على ماذا؟ على الصلاة. وما هو السن الذي يعلم فيه الصبي؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح: أنه من سن سبع سنوات؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»، فعلم أن السن تعليم الصبيان سبع سنوات، ويشدد عليهم في سن عشر سنوات. لماذا؟ لأجل أن لا يدخل عليهم البلوغ إلا وقد تعودوا هذه العبادات والطاعات، وصارت لهم خلقًا، وصارت لهم خلقًا. كثير من الناس يقصر في هذا الباب، لا يأمر أولاده بالصلاة ولا بالعبادات إلا إذا بلغ سن البلوغ، وعند ذلك يجد التمرد، لماذا؟ لأن هذا البالغ ما تعود، فصارت العبادة ثقيل عليه، فيكون متمردًا، أو تكون البنت متمردة، والسبب هذا: أخطأ هذا الأب أو تلك الأم، أنها لم تعلم ولم يعلم هذا الصبي أو تلك الصبية هذه العبادات والطاعات في سن مبكرة. وإلا فالسنة أن يعلم من سبع سنوات حتى يحسن العبادة، فلا يأتي وقت البلوغ إلا وهو يحبها، ولا يمكن أن يدعها، حتى ربما تجد تعلق قلب الطفل بالعبادة والطاعة، إذا لم يصل صلاة العشاء يقوم نصف الليل يقول: أنا ما صليت صلاة العشاء، أريد أن أصلي، هذا حب ورغبة، كيف أتت؟ أنت بنيتها له بناء، كما بنيته في جسده بالغذاء، فأنت تبني فيه الإيمان كذلك بناء لبنة لبنة، وهذا يحتاج إلى وقت، ليس في سن البلوغ تريد أن تدخل في قلبه الإيمان والطاعة، وكذلك القربة، هذا لا يكون، ولكن يكون بالتدرج. وهنا يأتي السؤال: هل يجوز أن يعلم الصبي دون سبع سنوات؟ في هذا خلاف، الصحيح: يجوز إذا كان هو أهل لذلك، يجوز إذا كان هو أهل لذلك. ما هو الدليل؟ ها، من يذكر لنا دليلًا؟ دليل؟ هذا عام، لكن نريد شيء أصرح، نعم: «صلى بهم وهو ابن سبع»، صار إمامًا، عمر بن سلمة صلى بهم، وصار إمامًا وهو ابن سبع سنين، وكان أحفظ قومه للقرآن وهو ابن سبع سنين، يعني متى تعلم؟ متى حفظ؟ قبل ماذا؟ قبل سبع سنين، معنى أنه تعلم قبل سبع سنين حتى صار إمامًا وهو ابن سبع سنين، صار إمامًا، وأحفظ قومه في القرآن وهو ابن سبع سنين، وهذا يدل على جواز التعليم قبل سن سبع سنين. وفيه كذلك: جواز التورية، فإن في المعاريض مندوح عن الكذب، الطفل الذي يلهى بالعهن: هل هو كذب؟ ليس بالكذب، هذا تورية، هذا تورية ومعاريض. هذا تورية ومعاريض، يعني نحن نعطي للطفل أشياء تشغله حتى لا يترك هذا الخير الذي نريده له حتى يتعود على الصبر وعلى الطاعة، وممكن تتدرج في العبادة. بعض الآباء والأمهات يسألون: هل يجوز أن نتدرج؟ نعم، يجوز، مثلًا يبدأ الطفل الصيام، نقول له: إيش رأيك اليوم تصوم إلى الظهر؟ ثم يصوم إلى الظهر، حتى يجد أنه يستطيع، نقول: غدًا تصوم إلى العصر، نزيد له شوي، وهكذا نتدرج معه حتى يصل إلى النتيجة التي نريدها له، وهو أن يصوم اليوم كاملًا. فإذا جاء اليوم الذي سيصوم كاملًا وشق عليه، فهنا في المعاريض مندرها عن الكذب، وكذلك يكون التلهية بأشياء أخرى: مثل اللعب أو التعليم أو شيء آخر. وفي الحديث من المسائل كذلك: ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم- رجالًا ونساء من الحرص على الخير والطاعة والقربة في بيوتهم ومع أبنائهم وأسرهم، فكذلك ينبغي أن يكون أهل الإسلام: يقتدون بهم في هذا السير وهذا المنهاج، كما قال الله -عز وجل-: «فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا». قال -رحمه الله تعالى-: «باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى». قال: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «هذان يومان نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم». قال: وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ولا صوم في يومين: الفطر والأضحى». وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن زياد بن جبير قال: «جاء رجل إلى ابن عمر -رضي الله عنهما- فقال: رجل نذر أن يصوم يومًا، قال: أظنه قال: الاثنين، فوافق يوم عيد، فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صوم هذا اليوم». هذه مجموعة من الأحاديث في هذا الباب: «باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى»، وعلاقته بكتاب الصيام: أنه لا يصام في هذين اليومين، يعني لا نافلة ولا فرض، يعني قضاء الفرض فلا يقضى الفرض فيهما، ولا يصام النافلة فيهما؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صيام هذين اليومين. وهذا ما يسميه الفقهاء والأصوليون: النهي المتعلق بذات الشيء، فالنهي إذا تعلق بذات الشيء دل على بطلانه، فيبطل صيام يوم العيد ويوم الفطر؛ لأن النهي تعلق بذات اليوم. وهكذا إذا تعلق بذات العبادة، أو تعلق بذات المعاملة، فإن ذلك يدل على بطلان تلك العبادة، وتلك كذلك المعاملة، وهكذا على الصحيح إذا تعلق بشرطها، إذا تعلق بذاتها أو شرطها فإنه يبطلها، وتفاصيل ذلك في كتب أصول الفقه. وهذه الأحاديث أفادت مسائل، من أهمها: النهي، والصحيح أنه نهي تحريم عن صيام هذين اليومين: يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى. وقوله: «يوم فطركم من صيامكم» يعني في شوال، «واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» يعني في ذي الحجة، فهذا يوم الفطر، ويوم الأضحى. وفيه من المسائل كذلك: نفي الصيام، وأنه لا يقبل؛ لقوله: «ولا صوم في يومين: الفطر والأضحى»، يعني نهي ونفي، والنفي أبلغ من النهي، والمعنى: لا يقبل الله الصيام في هذين اليومين، كما تقدم؛ لأن النهي تعلق بذات هذا اليوم، وبذات هذه العبادة. وهكذا كذلك فيه من المسائل: أنه إذا تعارض نذر الوفاء بالنذر في يوم صيام يوم العيد، فإنه لا يوفى بالنذر؛ لأنه لا وفاء لنذر في معصية الله، كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وصيام يوم العيد معصية لله، فلا وفاء لنذر في معصية الله. وما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أمر من الله، كما قال -سبحانه-: «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى». وفيه كذلك من المسائل: أهمية العلم، وحاجة الناس إليه، فإن هذا الحكم لا يتوصل إليه بالعقل، ولكنه علم بماذا؟ بالشرع، والعلم الذي أوحى الله -عز وجل- النبي -صلى الله عليه وسلم-. وفيه من المسائل: أهمية السنة، فإن السنة تفسر القرآن، وتكمل الشريعة، فمثل هذا الحكم ليس مذكورًا في القرآن، ولكنه مذكور في السنة الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويجب العمل بها، وقبولها، فإن هذا مما يكمل به الدين، مما يكمل به الدين. واستدل العلماء بهذا: أن كل يوم يحرم صيامه فإنه تبطل العبادة في صيامه في ذلك اليوم. مثاله: لو أن إنسانًا نذر أن يصوم في يوم زيارة من الزيارات الشركية، ما حكم صيام هذا اليوم؟ محرم، الزيارات الشركية محرمة، نذر أن يصوم في ذلك اليوم، فهل يصوم أو لا يصوم؟ يقول: عندي نذر، والآن علمت أن هذا لا يجوز، نقول: لا تصوم، لا وفاء لنذر في معصية الله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث الضحاك: «سأله هل فيه وثن من أوثان الجاهلية؟ هل فيه عيد من أعيادهم؟ فلما قال: لا، قال: أوفي بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله»، وهو أراد ماذا؟ أن ينحر إبلًا ببوانة: اسم مكان، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: لماذا تريد أن تخص هذا؟ معنى السؤال: لماذا تريد أن تخص هذا المكان بالذبح؟ هل فيه وثن من أوثان الجاهلية؟ هل فيه عيد من أعيادهم؟ فلما قال: لا، قال: «أوفي بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله». وهكذا من أراد أن ينذر في الزمان: أراد أن يخص زمانًا معينًا بنذر، إن كان فيه شيء من هذه المعاني فلا يجوز الوفاء بالنذر فيه. مثله: لو أراد إنسان أن يصوم يومًا معينًا يخص الصيام بيوم معين، هو عند أهل الجاهلية يوم شرك وزيارة شركية: هل يجوز أن يصوم فيه ولو كان نافلة أو كان قضاء رمضان؟ الصحيح: لا يجوز، ولو صام ما قبل منه؛ لأنه معنى هذا اليوم، والنهي عن صيامه قد جاء في حديث الضحاك، وغيره من الأحاديث الأخرى. قال: «باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردًا». قال: عن جابر، عن محمد بن عباد قال: «سألت جابرًا -رضي الله عنه-: نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صوم يوم الجمعة، قال: نعم». قال: وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده». أورد -رحمه الله- هذا الباب لذكر حكم آخر من أحكام الصيام، وهو: كراهة صيام يوم الجمعة منفردًا، النهي عن صيام يوم الجمعة منفردًا، وذكر حديث جابر، وكذلك أبي هريرة -رضي الله عنهما-. وفي هذين الحديثين: نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صيام يوم الجمعة، يعني منفردًا، ويؤيده ما جاء في حديث أبي هريرة: «إلا أن يصوم يومًا قبله أو بعده»، وهكذا ما جاء عن بعض أزواجه حين سألته عن الصيام، قال: «أتصومين قبله؟ قالت: لا، أتصومين بعده؟ قالت: هل صمت قبله؟ قالت: لا، أتصومين بعده؟ قالت: لا، قال: لا تفعلي، ونهاها عن ذلك». فهذه الأحاديث تدل على ما أشار إليه من عدم جواز إفراد يوم الجمعة بالصيام، والعلّة هي المذكورة في الباب الذي قبله؛ لأن يوم الجمعة يوم عيد الأسبوع، يوم عيد الأسبوع للمسلمين، فلا ينبغي أن يخص بصيام أو قيام، لا ينبغي أن يخص بصيام أو قيام. هل هذا فقط في يوم الجمعة؟ اختلف أهل العلم في غير يوم الجمعة، والصحيح: أنه لا يجوز أن يخص أي يوم لذاته بأي عبادة من العبادات إلا بدليل. فلو قال إنسان: أنا سأخص كل يوم أول أحد من أول شهر سأخصه بالصيام، نقول: لماذا هذا التخصيص؟ تخصيص زمان أو مكان بعبادة أو طاعة من دون دليل يعتبر بدعة من البدع، ومحدثة من المحدثات. ومعنى ذلك موجود في هذا الحديث، في هذه الأحاديث، وفي حديث الضحاك، وفي غيرها من الأحاديث الأخرى. ولهذا ذكر العلماء هذه القاعدة: «لا يجوز تخصيص زمان أو مكان بعبادة لذات ذاك الزمان أو ذات المكان»، فإذن هو ليس خاص بيوم الجمعة. أما إنسان وجد فراغًا وشغل فراغه من شغل، أراد أن يصوم يوم الأحد أو يوم الثلثاء أو يوم الأربعاء لوحده منفردًا، قال: لا، بس بخلاف يوم الجمعة، لا يجوز، لماذا؟ لأن يوم الجمعة فيه مزية، ما هي المزية؟ كونه يوم عيد المسلمين. فما دام فيه مزية فلا يجوز أن يخص بالصيام، ولهذا قال العلماء: كل يوم فيه مزية لا ينبغي أن يخص بالصيام، ولا أن يخص بقيام، مثل صيام النصف من شعبان، قال إنسان: أنا سأصوم النصف من شعبان، لماذا؟ قال: سمعت فيه فضائل، ما وردت فضائل؟ الأحاديث الضعيفة، فلا يجوز أن تخص هذا اليوم بشيء. ولما كان عند الناس مزية في يوم الخامس عشر من شعبان، نص العلماء: أن تخصيص الخامس عشر من شعبان بصيام أو قيام يعتبر من إيش؟ من البدع والمحدثات. وهكذا كذلك تخصيص رجب بأصناف من العبادات، لماذا رجب؟ لأن الناس يعتقدون أن في رجب مزية عن غيره، فألف العلماء مؤلفات: «بيان العجب في صيام رجب»، وهكذا كذلك في العبادات التي نهي عنها لعدم وجود دليل صحيح صريح في تخصيص هذا الشهر بشيء من العبادات والطاعات والقربات. إذن نحن لا نقف عند اللفظ، ولكن نأخذ كذلك ماذا؟ بالمعنى، والشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق. ومن المسائل كذلك في هذا الحديث: جواز أن يصام اليوم الذي لا يجوز أن يفرد بالصيام إذا صيم قبله وصيم بعده، مثلا إنسان أراد أن يصوم ما عليه من قضاء، مثلا عليه صيام شهرين متتابعين، قال: أنا سأصوم رجب وشعبان، ما عندي وقت، أريد أن أكمل ما علي من كفارة قبل أن يأتي رمضان، إيش نقول له؟ جائز؛ لأنه ما خص رجب، لكن لو خص رجب نقول له: لا، لا تصوم رجب، لا تخص رجب بالصيام، لكن أنا سأصوم رجب وشعبان، صوم رجب وشعبان ما في مشكلة. أما تخص رجب بالصيام لا، تخص رجب بصيام، والدليل هذا الحديث: «إلا يومًا قبله أو بعده»، كذلك «إلا شهرًا قبله أو شهرًا بعده»، والشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، وهذا من فقه هذه الشريعة، وكذلك سماحتها ومحاسنها. نكتب بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.