مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 13

مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 13

الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الافتتاحية بالحمد لله

يبدأ الدرس بالحمد لله رب العالمين كافتتاحية تمهيدية للحديث عن مسائل العقيدة. تهيئ هذه الافتتاحية المستمع للنقاش العلمي القادم حول الشفاعة والاستغاثة.

نقد حديث الأعرابي عند قبر النبي

يتناول المقطع حديث الأعرابي الذي أورده ابن كثير بلا سند متصل، حيث استغاث بالنبي وطلب شفاعته عند قبره. يبين أن هذا الحديث منكر وضعيف جداً لجهالة راويه وانقطاع سنده، فلا يصح الاحتجاج به.

نقد الألباني لرواية العتبي ورد المبتدعة

ينتقد العلامة الألباني رواية العتبي عن الأعرابي عند قبر النبي لضعف سندها وجهالة راويها ومخالفتها للكتاب والسنة. يوضح أنها حجة المبتدعة في جواز الاستغاثة بالنبي بعد موته، وهو باطل مردود.

تفسير ابن كثير لآية الاستغفار والرد على القبوريين

يشرح الحافظ ابن كثير أن الاستغفار عند النبي كان في حياته فقط مستدلاً بظرف الزمان (إذ) الدال على المضي. ينتقد تمسك أهل البدع بالأحاديث الموضوعة لإثبات الشفاعة بعد الموت، مؤكداً تميز أهل الحديث للصحيح من السقيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن الأحاديث المنكرة التي يحتج بها الغلاة في الشفاعة، ويستدلون بها على الاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام والشفاعة به بعد موته، ما أورده الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند قول الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾. فأورد هذا الحديث، قال الحافظ في تفسيره: «وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي». قال العتبي: «كنت جالسًا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾، وقد جئتك مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي». ثم أنشأ يقول: «يا خير من دُفِنَتْ بالبُقاعِ أَعْظَمُهُ فَطَابَ مِنْ طِيبِهِمُ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ» ثم انصرف الأعرابي. فقال العتبي: «فغلبتني عيني، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال: يا عتبي، الحق بالأعرابي فبشره أن الله قد غفر له». هكذا أورده الحافظ ابن كثير من غير خطام ولا زمام، ولا سند، ولا إحالة إلى مصدر من مصادر أهل الحديث. واستدل هؤلاء الغلاة بالاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وطلب الشفاعة منه بعد موته، بقول هذا الأعرابي: «وقد جئتك مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي»، أي أطلب منك الشفاعة. وقد تقدم معنا أن الشفاعة لا تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وهو في البرزخ عليه الصلاة والسلام. فاستدل هؤلاء بهذا الحديث على جواز طلب الشفاعة منه بعد موته، بل والاستغاثة به، لأنه قال: «جئت مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي». هذا الحديث نقده النقاد من أهل الحديث، ومن أهل الاطلاع بأحوال الرواة. فممن تكلم على هذا العلامة الألباني عليه رحمة الله في كتابه «الصحيحة»؛ يعني هناك تعليق منه على هذا الحديث، ولم يذكره في «الصحيحة» وإنما تعرض لذكره، فذكر هذا الكلام الماتع النافع الذي فيه حقيقة هذا الحديث والحكم عليه. فقال العلامة الألباني منتقدًا هذا الحديث: «هذه الحكاية منكرة، ظاهرة النكارة، ظاهرة النكارة. وحسبك أنها تعود إلى أعرابي مجهول الهوية؛ من هذا الأعرابي؟ ما اسمه؟ وما حاله؟ وما كذلك ضبطه وثقته ونحو ذلك». فقال العلامة الألباني: «وحسبك»؛ أي: يكفيك. يعني لو أن سببًا يدل على نكارته وعلى ضعف هذا الحديث، هذا الأمر فقط لكفى به سببًا في رد هذا الحديث، فكيف وقد جمع الحديث عللًا كثيرة؟ قال: «وحسبك أنها تعود إلى أعرابي مجهول الهوية». قال: «وقد ذكرها مع الأسف الحافظ ابن كثير، وتلقتها منه - أو تلقاها، أو تلقفها منه - كثير من أهل الأهواء والمبتدعة، مثل الشيخ الصابوني، وذكرها برمتها في مختصره»؛ يشير إلى مختصر التفسير للصابوني. «وهي في ابن كثير غير معزوة لأحد من المعروفين من أهل الحديث». ما قال الحافظ: «رواه فلان من حديث فلان عن فلان عن فلان»، ذكرها هكذا دون ذكر سند ولا مرجع ولا شيء. فقال هنا العلامة الألباني: «وهي في ابن كثير غير معزوة لأحد من المعروفين من أهل الحديث، بل علقها على العتبي، وهو غير معروف». هذا أيضًا علة أخرى: من هو هذا العتبي الذي كان عند قبر النبي وسمع هذا الأعرابي، ونام فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أيضًا هذا مجهول الهوية، وهو غير معروف. قال: «بل علقها على العتبي وهو غير معروف إلا في هذه الحكاية، ويمكن أن يكون هو أيوب بن هلال في إسناد البيهقي». وهي حكاية مستنكرة، بل باطلة لمخالفتها الكتاب والسنة؛ يعني مع عدم وجود الإسناد الصحيح، وكذلك العزو إلى كتاب من كتب أهل الحديث، فهي تخالف قواعد وأصولًا عظيمة من أصول هذا الدين، وتتعلق بأمر العقيدة والتوحيد، تتعلق بأمر العقيدة والتوحيد. فقال هنا العلامة الألباني عليه رحمة الله: «وهي حكاية مستنكرة، بل باطلة لمخالفتها الكتاب والسنة». ولذلك يلهج - أي يكثر من ذكرها - يلهج بها المبتدعة؛ لأنها تجيز الشفاعة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وطلب الشفاعة - لأنها تجيز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وطلب الشفاعة منه بعد موته. قال: «وهذا من أبطل الباطل، كما هو معلوم، وكما أخذنا في الدروس الماضية: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته لا يطلب منه الشفاعة، إنما تطلب منه الشفاعة بمعنى الدعاء في حياته، أو في يوم القيامة يطلب منه الشفاعة، أما في حياة البرزخ فهذا يخالف الكتاب والسنة، كما مر معنا، فهو من أبطل الباطل كما هو معلوم». قال: «وقد تولى بيان ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، وخاصة في «التوسل والوسيلة»، وقد تعرض لهذه الحكاية - حكاية العتبي - وحكم عليها بالنكارة». أي: شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أيضًا أنكر هذه الحكاية. وأيضًا يرد عليهم في الآية نفسها، فقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾. إذ أن الله عز وجل قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾. «إذ» يقول أهل العربية: هي ظرف لما مضى، أو ظرف لما مضى من الزمان؛ يعني ظلموا أنفسهم فيما مضى، فجاءوك في حياتك، فاستغفروا عندك، أي طلبوا المغفرة من الله، وأنت أعنتهم على ذلك فاستغفرت لهم. وهذا أمر جائز: أن يستغفر الحي لمن طلب منه الاستغفار. وبهذا فسر الآية الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله في تفسيره. وبهذا فسر الحافظ ابن كثير هذه الآية في تفسيره، فقال الحافظ ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: «يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم»؛ أي في حياته، «أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال: ﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾». فالآية ليس فيها أن طلب الاستغفار من الرسول بعد موته، وإنما في حياته، وإنما في حياته. ونأخذ ذلك من ذلكم الظرف الذي يفيد ما مضى من الزمان. ولو كانت الآية معناها يعني طلب الاستغفار من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد وفاته، لأتى بالظرف الذي يدل على ما يستقبل من الزمان، وهو «إذا». لقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَا ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾... ﴿ إِذَا ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾؛ لأن «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان. فكون الله عز وجل في هذه الآية أتى بهذا الظرف الذي يدل على المضي، دليل على أن المراد بالاستغفار إنما هو في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما تقدم، كما يقول العلماء: «الميت يتشبث بأي شيء، ولو بالطحلب، ولو بالطحلب». هؤلاء الموتى من عباد القبور، ومن الغلاة في الشفاعة، يبحثون عن أي دليل يسعف مذهبهم واعتقادهم الباطل، ولو بالأحاديث الموضوعة، ولو بالأحاديث المكذوبة، ولو بالأحاديث المنكرة الواهية. فأهل السنة، ولله الحمد والمنة، يبينون زيف وبطلان هذه الأحاديث المنكرة. فهم صيارفة الحديث، كما أن الذهب والفضة له صيارفة يميزون الخبيث منه من الطيب، فكذلك، ولله الحمد والمنة، أهل الحديث؛ أهل الحديث يميزون. جاء أحد الملحدين، وقال بعدما أخذ وسجن: «ماذا تفعلون بي؟ أنا قد وضعت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة موضوعة ومكذوبة». فقال له أحد المحدثين: «اخسأ، عدو الله! تُعْرَضُ لها الجهابذة، تُعْرَضُ لها الجهابذة»؛ أي: من أهل الحديث، فإنهم يخرجونها ويعرفون زيفها ويعرفون بطلانها. فدين هؤلاء الضلال وأهل الأهواء قائم على الشبه، وعلى الأحاديث الواهية، والأحاديث الموضوعة، والأحاديث المكذوبة. فيعيش لها أهل الحديث ويبينونها. ومن تلك الأحاديث هذا الحديث، وغيره مما تقدم معنا من أحاديث يستدلون بها، منها ما هو صحيح، ولكنه يعني لا يصح لهم به الاستدلال؛ لأن الاستدلال به على مذهبهم بعيد جدًا، كما مر معنا في بعض الأحاديث، أو أنهم يتشبثون بأحاديث ضعيفة وموضوعة، فيبينها أهل العلم، ولله الحمد والمنة. وبهذا نكون قد انتهينا من تلك المباحث، بما يسر الله سبحانه وتعالى وأعان. فنسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يميتنا وإياكم على الإسلام والتوحيد والسنة، وأن يثبتنا على ذلك حتى الممات. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.