شرح كتاب التوحيد 128

شرح كتاب التوحيد 128

الدرس في شرح كتاب التوحيد 128، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث اتباع سنن الأمم السابقة

يبدأ الشرح بتوضيح حديث النبي حول اتباع سنن الأمم السابقة ومعنى سنن بالفتح والضم. يشير إلى الاتباع الدقيق للأمم السابقة.

تفسير حديث النبي حول الاتباع الدقيق للأمم السابقة

يفسر العلماء الحديث بمعنى الاتباع المتتابع والمطابق للأمم السابقة، ويشير إلى أن هذا الاتباع قد يكون في الكفر أو البدع.

تحذير النبي من تقليد الأمم السابقة في الفواحش والشرك

يشرح حديث الترمذي الذي يدل على وقوع أمة الإسلام في نفس أخطاء الأمم السابقة، مثل الفواحش وعبادة الأوثان، ويشير إلى نبوءة النبي.

التحذير من التشبه بأعداء الدين وأثره

التشبه بأعداء الدين مذموم وقد حذّر النبي منه، مشيراً إلى خطورة الاتباع الأعمى دون وعي، وختم بالدعاء للعمل بالنافع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: وعن أبي سعيد -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن». هذا الحديث من الأحاديث التي استدل بها المؤلف -رحمه الله تعالى- تحت هذا الباب: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. وهذا الحديث احتملا واحتوى على مسائل، منها في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لتتبعن»، وهذا الفعل جاء مؤكدا بعدة توكيدات وبعدة مؤكدات، ففيها القسم المقدر، وفيها لام القسم، وفيه نون التوكيد. فالتقدير: والله لتتبعن سنن من كان قبلكم، هذا التقدير، ففيه القسم، وفيه لام القسم، وفيه نون التوكيد، وهذا كله تأكيد لحصول هذا الفعل، أي أن الاتباع حاصل، الاتباع حاصل لمن كان قبلنا. فقال -عليه الصلاة والسلام-: «لتتبعن سنن»، وهذه لفظة تقال: سنن، وتقال: سنن، بالفتح والضم، والمعنى متقارب. فسنن بالفتح بمعنى السبيل والمنهاج، وأما سنن بالضم بمعنى الطريق والسيرة، أي أن هذا سيكون منكم، بأنكم تتبعوا سبيل ومنهاج وطريق وسيرة من كان قبلكم. قال -عليه الصلاة والسلام-: «حتى حذو القذة بالقذة»، والقذة -إخواني في الله- ما هي؟ القذة هي الريش الذي يكون في السهم، لو أن أحدا منكم يتخيل صورة السهم، هو عبارة عن العود، في بدايته نصل حديدي، وفي آخره ريش، هذا الريش الذي يوضع في آخر السهم يسمى قذة، ويوضع هذا الريش في السهم من باب التوازن، حتى لا يتحرك مع طول المسافة، فلربما يذهب يمنة ويسرى، فالرامي إذا أراد أن يصوب الهدف وأن لا يتزعزع السهم عن محله يضع القذة في جوانب السهم حتى يصل إلى مستوى محدد لا يتخلف عنه. ومن صفة القذة -أي هذا الريش- ينبغي أولا أن يكون متساويا، فلا يمكن أن يكون هناك ريش زائد أو أقل، لا بد أن يكون متساويا، والخصلة الثانية أن يكون متتابعا، لا يفرق مسافة. فيقول العلماء: إن التعبير بهذا المثل «حذو القذة بالقذة» الإشارة إلى ضرب المثل بأمرين اثنين: بالتساوي والتتابع، وهذا الذي أشار إليه نبينا -عليه الصلاة والسلام- فيما يكون من حالنا في متابعة من كان قبلنا، أننا في هذين الوصفين: الوصف الأول بالمثلية، أننا كنفعل كفعلهم، أننا نفعل كفعلهم «حذو القذة بالقذة»، وأيضا فعلنا لفعلهم أن يكون متتابعا، لا نتأخر عنهم، إذا وقع شيء في حياة من كان قبلنا فيظهر أثر ذلك في حياتنا مباشرة. ففي قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» فيه ضرب المثل من جهتين اثنتين: في المتابعة في السرعة، وفي المثلية. وكذلك مما يقال في هذه المسألة: قال جماعة من المحققين والباحثين: إن هذه اللفظة «حذو القذة بالقذة» هي لم تأت في الصحيح، وإنما جاءت في خارج الصحيحين، أما في الصحيحين جاءت بلفظ: «شبرا بشبر وذراعا بذراع»، «لتتبعن سنن من كان قبلكم» أو «سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع». قال -عليه الصلاة والسلام-: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». والجحر هو الحفرة التي تحفرها السباع والهوام لنفسها، هذا هو الجحر. والضب حيوان معروف، وحجر الضب كما يقال في عالم الحيوان أنه من أعقد الحفر، إذ أنه ملتوي وضيق. فيقول -عليه الصلاة والسلام-: من شدة ما يكون من متابعتنا لأحوال من قبلنا، أنهم لو دخلوا جحر ضب فإننا من بعدهم، وأننا من خلفهم، أي نسلم زمام أمرنا إليهم، فيقودنا فنقتاد خلفهم، ولا نبالي من شدة التبعية لهؤلاء ممن كانوا قبلنا. طبعا -إخواني في الله- وهذه التبعية لمن كان قبلنا قد تكون من الكفر الأكبر، وقد تكون من الكفر الأصغر، وقد تكون من البدع والمحدثات. فقال -عليه الصلاة والسلام- أو قال الصحابة: قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ أي أراد الصحابة أن يستفصلوا من هؤلاء الذين هم من كانوا قبلنا، وأننا سنقتدي بهم، فسألوا هذا السؤال: اليهود والنصارى؟ وهذا السؤال له وجهان إعرابيان: إما أن يقال: اليهود والنصارى بأن يكون مفعولا لفعل محذوف، تقديره: أتعني اليهود والنصارى؟ هذا الوجه الأول. والوجه الثاني أن يكون بالرفع: اليهود والنصارى، بأن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: أهم اليهود والنصارى؟ فهذه اللفظة على وجهين اثنين: إما بالنصب: اليهود والنصارى؟ أو بالرفع: اليهود والنصارى؟ ولكل وجهته. فقال -عليه الصلاة والسلام-: «فمن»، أي هذا استفهام إنكار، أي من هم؟ إلا هم، ها هم، من يكون من كانوا قبلنا، وأننا سنحتذي بهم، وأننا نأتسي بهم، حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لدخلنا. بل جاء في سنن الترمذي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «حتى لو أن منهم من أتى أمه على نية لكان من أمتي من يفعل ذلك»، يعني لو قدر أن أحدا من الناس أتى أمه -بمعنى فعل بها الفاحشة والعياذ بالله- لو وجد من أمتنا من يفعل ذلك. هذا الحديث وإن كان في إسناده ضعف؛ لأنه من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أنعم الأفريقي، ومتكلم فيه، لكن المعنى صحيح. فلو وجد من يفعل هذا بأمه أو بأخته أو بابنته، وهما يعرف الآن في مثل هذه الأزمان الغابرة بنكاح المحارم، فإنه سيقع هذا في أمتنا، بل والله قد وقع، لا أقول في بلاد بعيدة عنا، بل والله وقع في بلادنا. وأذكر من أخبرني بهذا عن أحد التائبين ممن كان يتندم على أنه كان يفعل بأخته من هذه البلاد «حذو القذة بالقذة» ما يفعل هنالك، ردة فعل تكون في بلادنا، في بلاد الإسلام بشكل عام. فإذا علمنا هذا -إخواني في الله- سنعلم حينها ما ذكره لنا المؤلف -رحمه الله تعالى- في أوائل هذا الباب: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان. ثم ذكر لنا أحوال من كان قبلنا من اليهود والنصارى أنهم عبدوا الأوثان، وأنهم اتخذوا على قبور صالحيهم مساجد. وكان الواحد منا يسأل: ما علاقة هذه الآيات التي تتحدث عن من كان قبلنا والباب يتحدث عن أفعال أمتنا؟ الجواب في هذا الحديث، هذا الحديث فيه بيان للمغزى والمعنى الذي أراده المؤلف. فالمؤلف أراد -رحمه الله- أن يبين: إذا كانت هذه الأمور قد حصلت في الأمم السابقة، وخاصة من اليهود والنصارى، فحينها ستقع في أمتنا. فإذا وجد من اليهود والنصارى من عبد الأوثان، سيكون من أمتنا من عبد الأوثان. وإذا كان من كان من أمتنا من عبد الأنبياء، كاليهود عندما عبدت عزيرا، والنصارى عبدت عيسى، سيكون في أمتنا كذلك من يعبد نبينا -عليه الصلاة والسلام- بأن يصف له الطاعات ويعتقد فيه الاعتقادات. وإذا كان من كان قبلنا اتخذوا على قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، سيقع هذا في أمتنا، وقد وقع، وقد حصل. وهكذا قس -يا عبد الله- ما من مصيبة أو كارثة أو مدلهمة أو فاحشة تقع في من كان قبلنا، حينها ما ننتظر إلا زمنا قريبا ليس ببعيد، ونرى من أمتنا من يقع في ذلك. فهذا الحديث -إخواني في الله- خرج مخرج الذم، وفي ذلك علم من أعلام نبوته -عليه الصلاة والسلام-، وكذلك فيه التحذير من حال من كان قبلنا. ونحن نرى في أزماننا وفي أوقاتنا التشبه بأعداء الدين، حتى رأينا من يتشبه بهم بألبستهم، وكذلك بقصات شعورهم، بعباراتهم، بأخلاقهم وآدابهم، وكل ذلك من التبعية المذمومة، حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لدخلناه معهم. فأسأل مولاي -جل وعلا- أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.