الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 53، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بنى النبي ﷺ حجرة لعائشة رضي الله عنها شرقي المسجد بعد الانتهاء من بنائه، ودخل بها في شهر شوال من السنة الأولى للهجرة. حرصت عائشة على الدخول في شوال مخالفةً تشاؤم الجاهلية، كما هيأ النبي ﷺ حجرة مستقلة لسودة بنت زمعة كونها أول زوجاته بعد خديجة.
شرع النبي ﷺ في بناء المسجد النبوي ليكون مركزاً لتجمع المسلمين، ثم أقام المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين على المواساة والتوارث. تجلى ذلك في عرض سعد بن الربيع نصف ماله على عبد الرحمن بن عوف الذي آثر الكسب، ونسخ الله التوارث بالأخوة لاحقاً مع بقاء المواساة.
يوضح المقطع تفاصيل عقد الأخوة بين الأنصار والمهاجرين، ويذكر مرض أبي بكر وبلال بحمى المدينة وشوقهما لمكة. دعا النبي ﷺ أن يحبب الله المدينة إليهم ويصحح مناخها وينقل حمّاها إلى الجحفة، فاستجاب الله دعاءه فأصبحت المدينة محبوبة صحية.
تتميز المدينة بكثرة الأرزاق والبركات من طعام وشراب، وتعد أرضاً صحية خالية من الأوبئة والأمراض. يختم المتحدث بوصف هذه النعم الظاهرة على البلد وأهلها.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في أحداث الهجرة وقدوم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. وقفنا عند بناء المسجد. قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول": "بناءه صلى الله عليه وسلم بعائشة". ومعنى "بناءه بعائشة" أي: البناء هو الدخول على الزوجة، الدخول على الزوجة. يقال: "بنى الزوج بزوجته" إذا دخل عليها. فكما هو معلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عقد على عائشة رضي الله عنها وهو بمكة، وهو بمكة، وهو بمكة قبل الهجرة بثلاث سنوات، وكان عمرها أنذاك ست سنوات. ثم بنا بها، أي: دخل عليها في المدينة، وبعد بناء حجرتها، وهي بنت تسع سنين. هذا هو المعروف والمشهور في دخول النبي عليه الصلاة والسلام بعائشة. قال: "فلما فرغ من البناء بنى بعائشة". البناء يعني بناء الحجرة. فكما تقدم أن النبي عليه الصلاة والسلام بنى المسجد، وبنى حجرة عائشة وسودة رضي الله تعالى عنهما. قال: "فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد"، يعني في الجهة الشرقية؛ لأن القبلة في المدينة بين المشرق والمغرب، بين المشرق والمغرب. لو كان مثلاً الآن عندنا هذا المشرق وهذا المغرب، فالقبلة هكذا بالمدينة. ولذلك جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «بين المشرق والمغرب قبلة، بين المشرق والمغرب قبلة». فبيت عائشة، فبيت عائشة رضي الله تعالى عنها كان شرقي المسجد، يعني في الجهة الشرقية، في الجهة الشرقية. قال: "وكان بناءه بها في شوال من السنة الأولى". فكم مكثا عليه الصلاة والسلام حتى بنى المسجد والحجرة بعد قدومه إلى المدينة؟ متى دخل المدينة؟ هذا مر معنا: في أي شهر دخل المدينة؟ مر معنا هذا. وهذا من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. العلماء كان يحرصون على حفظ أحداث السيرة؛ لأنها سيرة خير الأنبياء والمرسلين. ليس العبرة من دراستنا أن نسمع ثم لا نعي هذه السيرة، ولا نفهم أحداثها، وضبط حوادثها وسنواتها. فالعلماء يحرصون على معرفة الحوادث والتواريخ الواردة في السيرة، فيذكرون متى بنى بعائشة، ومتى قدم المدينة هو في أي شهر وفي أي سنة. هذه من أعظم ما يحفظ المسلم من التاريخ والسيرة. فتقدم معنا أنه في أي شهر عليه الصلاة والسلام قدم المدينة؟ نعم، ربيع الأول، في ربيع الأول. فكم شهر بين ربيع الأول وشوال؟ كم شهر بين ربيع الأول وشوال حتى بنا بها؟ أربع أشهر. يعني: ربيع الثاني، يعني ربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وشوال. كم أشهر؟ قرابة ستة أشهر. صح؟ أي نعم. قال: "وكان بناءه بها في شوال من السنة الأولى"، أي من الهجرة. وكان بعض الناس يكره البناء في شوال، يعني من عادات أهل الجاهلية كانوا يكرهون الزواج في شوال، كما أنهم يكرهون الزواج في صفر. والزواج في صفر لا يزال موجوداً في بعض البلاد في يومنا هذا، يتشاؤمون منهم. أما شوال فكان عند الجاهلية يكرهون الزواج، أو البناء، دخول الزوج على زوجته في شوال. لماذا؟ قيل: إن أصله أن طاعوناً وقع في الجاهلية، يعني في هذا الشهر، فتشاءم الناس من البناء على الزوجات في هذا الشهر. قال: "وكانت عائشة تتحرى أن تدخل". قالت: "وكانت عائشة تتحرى أن تدخل نساءها في شوال وتخالفهم"، يعني تكره أن يكون زواجها في غير شوال حتى تقضي على هذه العادة الجاهلية. قال: «وَجَعَلَ لِسَوْدَةَ بَيْتًا آخَرَ». لأن النساء كنّ يعني لا يدخلن على أزواجهن في شوال، فأرادت أن تخالف؛ لأن هذه العادة من عادات أهل الجاهلية، وليست مما أمر به الإسلام. قال: «وَجَعَلَ لِسَوْدَةَ بَيْتًا آخَرَ، وَسَوْدَةَ بِنْتُ زَمْعَةَ رضي الله عنها هي أول زوجة تزوجها عليه الصلاة والسلام بعد موت خديجة، بعد موت خديجة رضي الله تعالى عن زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين». فكانت زوجة له، فجعل لها بيتاً وحجرة أخرى، وجعل لعائشة حجرة أخرى. قال: "المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين". يعني: ما من أحداث السنة الأولى من الهجرة، ومن أول أعماله عليه الصلاة والسلام عند قدومه إلى المدينة: أولاً بناء المسجد. أولاً بناء المسجد. وقد ذكر العلماء والفقهاء أن ابتداء النبي عليه الصلاة والسلام ببناء المسجد فيه أهمية المساجد في الإسلام، وأن المجتمع المسلم لا يقوم، ولا كذلك يكون مجتمعاً مثالياً قوياً إلا بمجمع يجمع المسلمين، ألا وهو المسجد، وهو المسجد. فإن في اجتماع المسلمين في المسجد فوائد عدة وثمرات كثيرة، منها: اجتماعهم وتقارب أجسادهم، الذي هو سبب لتقارب قلوبهم. وهكذا المسجد يجمع المسلمين ليتفقهوا في الدين، وهكذا ليوعظوا ويوجهوا. فالمسجد مهم جداً في الإسلام. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام من أول أعماله بناء المسجد، ثم المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين؛ لأن المجتمع لا يقوم، ولا كذلك يعيش حياة سعيدة وحياة مطمئنة وحياة هادئة إلا بالمحبة، بالمحبة في الله عز وجل، وترك العداوة والبغضاء والشحناء. فلذلك أول ما فعل عليه الصلاة والسلام بعد بناء المسجد أن آخى بين الأنصار والمهاجرين. قال: "ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلاً، نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار"، يعني خمسة وأربعين من المهاجرين وخمسة وأربعين من الأنصار. كل أنصاري آخاه النبي عليه الصلاة والسلام مع مهاجر. قال: "آخى بينهم على المواساة". ورد في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع. عبد الرحمن بن عوف مهاجر، وسعد بن الربيع ماذا؟ أنصاري. وكان سعد بن الربيع من ذوي السعة في الدنيا، فكانت عنده زوجتان، وعنده كذلك أموال. فجاء إلى عبد الرحمن بن عوف بعدما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم جميعاً، فقال له: "إن لي زوجتين، فانظر أيهما أحب إليك أطلقها، فإذا انتهت عدتها تزوجتها، وإن لي كذا وكذا من المال فخذ نصفه"، أو بهذا المعنى. فعبد الرحمن بن عوف قال: "وبارك الله لك في مالك وأهلك، دلوني على السوق". ثم ذهبا وتجرا وربحا، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فهذه المؤاخاة لم يقع مثلها في التاريخ، لم يقع مثلها في التاريخ أن المسلم يناصف أخاه المسلم في أمواله، بل وفي أهله. فانظروا إلى أخوة كهذه الأخوة، هل وقعت في التاريخ؟ ما وقعت أبداً. فهكذا ينبغي أن يكون المسلمون فيما بينهم، يواسي المسلم أخاه. لأن المهاجرين هاجروا إلى المدينة بثيابهم، ما أخذوا شيئاً من أموالهم، ولا من أملاكهم؛ لأن المشركين لا يتركونهم يهاجرون بشيء من الأموال، كما قال الله عز وجل في القرآن: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: 8]، أي: ما أخذوا شيئاً من أموالهم، ولا من ديارهم، وإنما خرجوا بأنفسهم. فلك أن تتصور هذه الحال: يأتي المهاجر إلى المدينة، ما يملك شيئاً، لا بيت، ولا مال، ولا راحلة، ولا شيء. فآواهم الأنصار، وقسموا لهم من أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، كما قال الله عز وجل مثنياً على الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: 9]. انظر إلى هذا الوصف: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: 9]، ما يجدون، ما يجدون في نفوسهم حرجاً، ولا ضيقاً عندما يعطون إخوانهم المهاجرين، بل يعطونهم بكل فرح وسرور ومحبة، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، ولو كانوا في أشد الحاجة إلى هذا الشيء الذي يعطونه لإخوانهم. قال: "ثم آخى بين المهاجرين والأنصار". رجلاً، نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار. آخى بينهم على المواساة، وعلى أن يتوارثوا بعد الموت. هذا في أول الأمر، في أول المؤاخاة. من هذه المؤاخاة: إذا مات المهاجر أو الأنصاري ورثه المهاجر، يرثه ويأخذ شيئاً من تركته. هذا في أول الأمر، ثم نسخ. نسخ هذا التوارث بالآية التي سيذكرها. لكن بقيت المواساة والمؤاخاة. قال: "آخى بينهم على المواساة، وعلى أن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام"، يعني: ذوي الأرحام لا يعطون من التركة. التركة إلى وقعة بدر، إلى وقعة بدر، يعني: إلى معركة بدر. فلما أنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75]، رد التوارث إلى الأرحام دون عقد الأخوة. يعني: أن الآية فيها أن الوارث هم ذوي الأرحام، أن الوارث هم ذوي الأرحام، وليسوا الأخوة في الإسلام. فبعد هذه الآية جعل الورثة من الأرحام، ولم يجعل الورثة من الأخوة. ومعنى "عقد الأخوة" يعني: ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام بين الأنصار والمهاجرين من المؤاخاة. قال: "وقيل: إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض، مؤاخاة ثانية، واتخذ علي أخاً لنفسه". والأثبت الأول، يعني: الأول هو الصحيح وهو الثابت. أما مؤاخاة المهاجرين بعضهم مع بعض، فهذا قال به بعض الكتاب وبعض المؤرخين، ولكن الصحيح هو الأول، وعليه ظاهر الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10]، الآية. قال: "وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي وبيئة". ومعنى "وبيئة": يعني فيها وباء، مرض، وهو مرض الحمى. فمرض أبو بكر، يعني بعدما هاجر من مكة، وكان يقول إذا أخذته الحمى: «كلُّ مَرْءٍ مُصْبِحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ». يعني: كل امرئ تجده عند أهله بينهم، لكن الموت أدنى من شراك نعله. وهذا المعنى قد دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمَوْتُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ»، أي: أنه قريب، الموت قريب من الإنسان، والواقع يشهد بذلك. قال: "وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته، والعقيرة هي الصوت، يعني يرفع صوته، ويقول: «أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً»". ومعنى «أَلَا لَيْتَ شِعْرِي»: يعني ليتني أعلم، ليتني أعلم. «أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ». والإذخر معروف، نبت يستخدمونه، وفي كذلك البناء ونحو ذلك. قال: «أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ، وَهَلْ أَرِدُ يَوْماً مِيَاهَ مَجَنَّةَ». «ضَارَ مِيَاهَ مَجَنَّةَ» هنا نصب لأنه مضاف إليه. «وَهَلْ يَبْدُو لِي شَامَةُ وَطُفَيْلٌ». يعني: يتمنى أن لو ورد مياه مجنة، وهي من مياه مكة، يعني يتمنى أن يرجع إلى مكة. قال: «اللَّهُمَّ عَنِ ابْنِ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ». يعني: أن المدينة في أول الأمر لم يناسب جوها، لم يناسب جوها وطبيعتها المهاجرين، فمرضوا. منهم أبو بكر وبلال وغيره من المهاجرين؛ لأنها كانت أرض وباء، وفيها الحمى، كما سيأتي. قال: "فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ صَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ»". قالت: "فكان المولود يولد في الجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرع، حتى تصرعه الحمى". وهذا من بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث في البخاري كما ذكر المعلق، وفي مسلم: دعاء النبي عليه الصلاة والسلام برفع الحمى عن المدينة، وبالدعاء بالبركة في صاعها ومدها. هذا ثابت في الصحيحين. فقول: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ»، أي: اجعلها بلداً محبوبة، تطمئن فيها قلوبنا، وتصح فيها أجسادنا، ونحو ذلك. ثم «اللَّهُمَّ صَحِّحْهَا»، يعني: اجعلها بلداً لا مرض فيها، لا مرض فيها. «اللَّهُمَّ صَحِّحْهَا»، يعني: اجعلها بلد صحة، لا بلد مرض. «وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا»، يعني: في طعامها؛ لأن الطعام هو الذي يكال بالصاع والمد. والصاع أربعة أمداد، والمد هو ملء كفي الرجل المعتذل. ثم قال: «وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ». والجحفة، والجحفة هي موضع خارج المدينة، يبعد شيئاً عن المدينة. وقيل: لأنها محل سكن اليهود، ولا يوجد فيها مسلم، ولا يوجد فيها مسلم. فلذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم أن تنقل الحمى المدينة إليها، وهي خارج المدينة. وقد ذكر النووي أنها بلدة قد خربت، وفيها، وفي بعض أطرافها بعض اليهود. ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله. وأما قوله: "هذه الزيادة في خارج الصحيحين: قالت: فكان المولود يولد في الجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرع، حتى تصرعه الحمى". أي: حتى يصابوا بالحمى فتصرعه، أي: تجعله على الفراش. وهذه الزيادة زادها بعض الرواة، وذكرها العلامة الألباني في "الصحيحة"، رقم 84 وخمسمائة وألفين (2584). فهي زيادة صحيحة. قالت: "فكان المولود يولد في الجحفة فلا يبلغ الحلم"، أي: لا يبلغ ويكون بالغاً مكلفاً، «حَتَّى تَصْرَعَهُ الْحُمَّى»، لأنه صلى الله عليه وسلم دعا أن تنقل الحمى إليها، فنقلت إليها، وجعلت المدينة بلد صحة. واستجاب الله عز وجل لدعوة نبيه عليه الصلاة والسلام. فإلى يومنا هذا والمدينة محبوبة لدى كثير من المسلمين، بل بعضهم يحبها، يحبها أشد من حبه لمكة. وكذلك فيها من الأرزاق والبركة، الطعام والشراب، والشراب، وهي بلد صحة، ليست بأرض وباء. نعم، طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.