المشروع والممنوع في زيارة القبور 1

المشروع والممنوع في زيارة القبور 1

الدرس في المشروع والممنوع في زيارة القبور 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الوصية قبل الموت وتوصيات النبي

يُناقش أهمية الوصية قبل الموت وتوصيات النبي لأمته، حيث يهتم الإنسان بأهله وقرابته عند دنو أجله. يُشير إلى وصايا النبي عليه الصلاة والسلام لأمته قبل وفاته.

التشديد على التوحيد والتحذير من الشرك في وصايا الأنبياء

يوصي النبي بالتوحيد والتحذير من الشرك، ويشير إلى أن جميع الأنبياء كانوا على نفس المنهج في التشديد على التوحيد والتحذير من الشرك. يُذكر أن نوحًا أوصى ابنه بلا إله إلا الله.

تحذير النبي من اتخاذ القبور مساجد وتعظيمها

نهى النبي عن اتخاذ القبور مساجد، وحذر من تعظيمها إلى درجة الكفر والشرك، وهذا التحذير يشمل حتى قبور الأنبياء، فما بالك بغيرهم من الصالحين والأولياء.

ختم الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً لله تعالى أن يعين على ذكره وشكره والقيام بحقه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، إن الإنسان منا إذا دنى أجله وقربت منيته، وقارب قوسين من الرحيل من هذه الدنيا، كان من أولى اهتماماته بعد الاهتمام بمحاسبة نفسه ما يكون من اهتمامه بمن هم تحت يده من أهله وقرابته، من أزواجه وأولاده، ومن قرابته وأرحامه، وذلك بأن ييسر لهم الأمور وينظم لهم الأوضاع مما يكون من بعده. ومن هنا كانت الوصية، وصية الميت، من الأشياء المهمة التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة، إذ أن الإنسان حين موته فإنه ينشغل غاية الانشغال بتنظيم من هم تحت يده، بالحرص على العناية والرعاية لهم. لأن الإنسان متى ما شارف الموت وعاينه لم يبق معه إلا الصدق والإخلاص. وإن من أعظم الوصايا، إخواني في الله، التي ينبغي علينا أن نعتني بها جميعا ما يكون من وصايا السالفين، أعني بهم من الأنبياء والمرسلين، ومن الرسل والصالحين، الذين لم يألوا جهدا أن يخصوا من هم تحت أيديهم من أزواجهم وأولادهم بالنصح والإرشاد. وإنني في هذا المقام، إخواني في الله، لأشير إلى وصية عظيمة، هي من وصاياه عليه الصلاة والسلام لأمته. فنبينا عليه الصلاة والسلام منذ دعوته في بداية أمره خرج على الناس بشيرا ونذيرا، ما ادخر من خير إلا وبلغه، صعد الجبال ونزل الوديان، وكان داعيا إلى الله يدعو الناس بكل الأحوال، فلا يزال هذا حاله وهذا منواله حتى إذا دنى أجله عليه الصلاة والسلام، إذ به يوصي أمته، يوصيهم بأعظم مسائل الدين، والتي ينبغي على جميع المسلمين أن يعتنوا بوصاياه عليه الصلاة والسلام. وإن الوصية التي بين يدي، والتي سأتلوها عليكم، من حاله عليه الصلاة والسلام، ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة، ومن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لما نزل برسول الله - أي الموت - وهذا الحديث يتحدث عن آخر لحظات حياته في هذه الدنيا عليه الصلاة والسلام، لما نزل برسول الله طفق - أي جعل يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، قال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وجاء في الصحيح أيضا من حديث أسامة بن زيد، من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة، قال: «أدخلوا علي أصحابي»، قال: فلما دخلنا فإذا هو متقنع ببردة له، قال: فكشفها، وقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». هذه الوصية العظيمة من نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو في آخر لحظات حياته، يوصي بالتوحيد، بضرورة التمسك به والتشبث عليه، والتحذير من الشرك من كل صوره وأقسامه وأنواعه، وكل ما كان يوصل إليه من أقوال وأفعال وأحوال. وليس هذا كان عليه نبينا لوحده، بل كان الأنبياء والرسل كلهم كانوا على منواله عليه الصلاة والسلام. ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، قال عليه الصلاة والسلام: «إن نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة، قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بلا إله إلا الله، فلو أن السماوات السبع والأراضين السبع كن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأراضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهم لا إله إلا الله، وآمرك بسبحان الله وبحمده، فهي صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن اثنتين، عن الشرك وعن الكبر». وهكذا قال ربنا: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. هكذا كان الأنبياء والرسل، وهم في الرمق الأخير، ما هناك شيء قضى مضاجعهم خوفا على ذرياتهم وأولادهم وأزواج من بعدهم كخوفهم من مسائل التوحيد أن يتخلفوا عنها، أو أن يقعوا في أضدادها في الشرك أو في شيء من صوره. ونبينا صلى الله عليه وسلم اعتنى بالتوحيد في كل حياته، ومع كل أحد من أفراد أمته، حتى الصغار. قال نبينا عليه الصلاة والسلام لابن عباس وكان غلاما: «يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». تعليق القلوب والفؤاد برب الأرض والسماء. إخواني في الله، في هذا الحديث العظيم، والتي هي وصيته، أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الرمق الأخير من حياته، ينازع السكرات، ويقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا المنزلق الخطير، لأن صورة من صور، ومن أعظم صور الوصول إلى الشرك، ما يكون من تعظيم الأنبياء إلى درجة الكفر والشرك، أن تعظم القبور فتبنى، وأن تجعل مساجد. وقد تلوثت عبارات العلماء والفقهاء في مسألة اتخاذ القبور مساجد، وأن ذلك يندرج تحته الكثير من الصور، من ذلكم السجود على القبر، فإن ذلك من اتخاذ القبور مساجد، أو الصلاة إليها كأن تجعل في القبلة، وكذلك ما يكون من بناء المساجد والأضرحة والقباب عليها، وكذلك ما يكون من تعمد التعبد عندها، فإن ذلك من اتخاذ القبور مساجد. وهذا قد بيّنه العلماء، ويرجع في ذلك إلى المطولات. لكن أين الناس من وصيته عليه الصلاة والسلام، وهي واضحة المعالم: لا تتخذ قبور الأنبياء مساجد. إذا كان نبي، وهو نبي مؤيد بوحي السماء، اصطفاه الله جل وعلا بالرسالة، أيده الله جل وعلا بالمعجزات والآيات، ومع ذلك يمنع منعا باتا من أن يعظم قبره فيتخذ مسجدا. إذا كان هذا في حق نبي، فما ظنك بحق من دونه من صالح أو ولي. وإن من تأمل في مجتمعات المسلمين الآن يرى أن الكثير منهم قد رموا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض الحائط. فنبينا ينهى عن ذلك، وها نحن نرى الناس هنا وهنا يسارعون ويتهافتون على اتخاذ القبور مساجد، مصارحة ومصادمة لوصيته عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله، وإن من خلال هذا الباب، ومن خلال وصيته عليه الصلاة والسلام، فإننا في مثل هذه المقامات سنشير إلى هذه الفتنة الدهماء التي طمت وعمت، وكثرت وانتشرت في البلاد وبين العباد، حتى وجدنا ما يسمى بالزيارات يُعلن عنها، وهي مصادمة لدين الله ولخبر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكأنها من الأمور الاعتيادية، وما علموا أنها من الأمور الشركية إذا اكتنفها الاعتقاد، وإذا اكتنفها اليقين بغير الله جل في علاه. فأسأل المولى جل وعلا أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره، وعلى القيام بحقه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.