الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُظهر المقطع الأول موقف الإمام أحمد بن حنبل من أحاديث الصفات، حيث يؤكد على الإيمان بها دون تكييف أو تأويل، ويبرز ثباته في فتنة خلق القرآن. يُشدد على أهمية هذا الموقف في إثبات الصفات لله تعالى.
يؤكد النص على إثبات الصفات الإلهية كما جاءت في القرآن والسنة دون تأويل أو إضافة معاني جديدة، ويبرز موقف الإمام أحمد في ذلك. يُحذر من اتباع منهج الجهمية في تأويل الصفات.
يُناقش المقطع تفاصيل الإيمان بصفات الله تعالى، ويُوضح أن صفات الله لا تُحد ولا تُشبه صفات المخلوقين. يُؤكد على ضرورة الالتزام بالنصوص الواردة في وصف الله عز وجل كما وصف به نفسه أو رسوله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال رحمه الله: ابن قدامة في كتابه اللمعة قال: وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن الحمد بن حنبل رضي الله عنه في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وإن الله يرى في القيامة، وما أشبه هذه الأحاديث»، قال: «نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير». طيب، هذا كلام الإمام أحمد رحمه الله، والإمام أحمد إمام أهل السنة، معروف بإثباته للصفات، وأيضًا رفع راية السنة في هذا الباب، ومتحن رحمه الله في مسألة خلق القرآن، وهدى الله عز وجل به ناسًا، وثبته الله عز وجل في هذه الفتنة. ولهذا قال علي بن المديني رحمه الله: «الناس رجلان: أحدهما أبو بكر يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم الفتنة»، عن أنهم وقفوا مواقف عظيمة، أبو بكر وقف في الردة، وأحمد بن حنبل وقف في مسألة خلق القرآن، فتنة القرآن أو فتنة خلق القرآن. فذكر هنا المؤلف رحمه الله هذا الكلام عن الإمام أحمد في أحاديث الصفات: «أن الله ينزل إلى سماء الدنيا»، هذا الحديث جاء في صحيحين، حديث أبي هريرة، وجاء أيضًا كذلك من حديث غيره. وقد ألف فيه الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابًا في شرح هذا الحديث، وفي ذكر أقوال أهل السنة، وكذلك أقوال غيرهم في مسألة صفة النزول. وأيضًا قال: «وإن الله يرى في القيامة»، وأيضًا هذه أحاديث كثيرة، بل جاءت آيات، قالوا: «ما أشبه هذه الأحاديث»، قال: «نؤمن بها ونصدق بها». نؤمن بها ونصدق بها، معنى تأكيد على أن الإيمان والتصديق لا بد منه بهذه الصفات. لا كيف، أي لا نقول كيف، وليس معنى أنها لا كيف، وإنما لا نقول كيف، أي كيف هذه الصفة؛ لأنه لا يعلم كيفيتها إلا الله، وحقيقتها لا يعلمها إلا الله. ولا معنى، أي لا نأتي لها بمعنى غير معناها المعروف، هكذا يفسر، وليس المراد أنها لا معنى لها، وإنما كما أنها لها كيف، أيضًا لها معنى. كما أنها لها كيف، أيضًا لها معنى، لكن لا نقول كيف، ولا نأتي بمعنى غير معناها. ويريد ألا نأتي بمعنى مثل ما جاء به الجهمية، جاءوا بمعاني أخرى، وإنما نثبتها على ما جاءت به من معنى. والإمام أحمد رحمه الله معروف بإثبات الصفات بمعانيها التي جاءت في ظاهر القرآن. ولهذا قال: «ونعلم أن ما جاء به الرسول حق»، قال: «ولا نرد شيئًا منها»، لا نقول: إن هذه الصفة كذا، ليست كذا، مثل ما تقول الجهمية. الجهمية يقولون: مثلًا الله عز وجل يقول: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، يقولون: لا، ليس هناك يدين. سواء كان الجهمية أو المعتزلة أو الأشاعرة أو الماتريدية، كلهم يردون كلام الله عز وجل وكلام رسوله. قال: «ونعلم أن ما جاء به الرسول حق»، كل شيء جاء في الكتاب والسنة فهو حق، معنى إذا صح في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، لا نزيد، لا نزيد في الصفة، وإنما نأتي بما جاء في القرآن. فمثلًا صفات صفة اليدين، جاء فيها بعض الصفات، مثلًا صفة الأصابع، صفة القبض، والبسط، وغيرها من هذه الصفات التي جاءت في صفة اليدين، وأنها يمين، فلهذا لا نأتي بصفة أخرى أو بشيء فيه زيادة لم يأت به الكتاب والسنة، وإنما نأتي بالصفات التي جاءت بالكتاب والسنة فقط، لا نزيد عليها. ولهذا انتقد بعض العلماء بعض أهل السنة الذين أثبتوا بعض الصفات الزائدة التي لم تثبت في الكتاب والسنة، مثل -على سبيل المثال- عثمان بن سعيد الدارمي، أثبت صفة الحركة، وهذه الصفة لم تأت في النصوص. لكن مثل هذه الصفة يستفصل فيها، فإن كان أراد حركة أن الله عز وجل -مثلًا- ينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي إلى فصل القضاء يوم القيامة، وغيرها مما جاء في الكتاب والسنة، فهذا حق. وإن كان أراد -مثلًا- الحركة كحركة المخلوق بانتقال وكذا، فهذا لم يأت فيه شيء، فلهذا لا نثبته ولا ننفيه، ونكل أمره إلى الله؛ لأن هذه حقيقة الصفة لا يعلمها إلا الله. فلهذا مثلًا الحركة لم تثبت فيها دليل. فقال: «ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية»، أي لا نجعل لصفات الله عز وجل حدًا، وإنما صفاته تليق بجلاله وعظمته. سمع، معنى سمع الله عز وجل، ليس له حد، ليس كسمع المخلوق. سمع المخلوق له حد، وله أيضًا مدى. كذلك بصر الله، البصر لله عز وجل يليق بجلاله وعظمته، لا نقول: إن له حدًا، بل نقول: بصر يليق بجلاله وعظمته، كما قال الإمام مالك: «لا حد له ولا غاية». فلهذا المراد أنه أننا نثبت كمال الصفات، نثبت لله عز وجل كمال الصفة. قال: «بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير». وهذه الآية من أعظم الآيات التي تبين هذا الباب، على أن الله عز وجل نفى أن يكون شيئًا مثله، فإذا أثبتنا الصفات نقول: تليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، فهذا رد عظيم على الممثلة، الذين يمثلون الله عز وجل بخلقه. فلو أن الاسم اتفق، فالصفة لا تتفق؛ لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء، فسمع المخلوق ليس كسمع الله جل وعلا، بصر المخلوق ليس كبصر الله، وكذلك جميع الصفات؛ لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى. فلهذا هذه الآية رد على الممثلة، وقوله: «وهو السميع البصير»، رد على المعطلة، النفاة الذين ينفون أسماء الله وصفاته. فقوله: «وهو السميع البصير»، أي السميع الذي اتصف بصفة السمع، وصفة السمع أيضًا صفة عظيمة، صفة كمال لله جل وعلا، له السمع الكامل، فليس له حد، وليس له غاية، بل إنه سمع يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، فلا يجوز لأحد أن يحده، ليس كسمع المخلوقين محدود. قال: «وهو السميع البصير»، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك. ثم ذكر: «ولا يبلغ وصف الواصفين»، ما يجوز لأحد أن يصف الله عز وجل إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.