الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المنهج السليم للتعامل مع الآيات المتشابهة على نهج السلف الصالح، حيث يمرونها كما جاءت دون تأويل أو تفويض مع الإيمان بأن لها معاني. يُبين أن هذا المنهج هو ما اتبعه الراسخون في العلم.
يشرح الآية التي تذم مبتغي التأويل لمتشابه التنزيل، ويوضح معنى التأويل في القرآن والعربية، حيث يمكن أن يعني التفسير أو الغاية أو الحقيقة. يُبين أن التأويل بمعنى التحريف هو معنى مبتدع.
يشرح الآية ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ويبين أن الله غيب حقائق الصفات وغيرها عن الخلق. يُفصل في أنواع التفويض في الصفات، ويبين أن تفويض المعنى مذهب غير صحيح.
يذكر أن آيات الصفات تسبب إشكالًا رغم وضوح القرآن عمومًا، ويُقرر أن الاكتفاء بهذا القدر مع الإشارة إلى استكمال الموضوع لاحقًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، لا ذكرنا في الدرس الذي مضى قول المؤلف، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا وترك تعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين آتنا الله عليهم في كتاب مبين، بقوله: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾. وذكرنا التفصيل في هذا. وإن كان مثل الإمام ابن قدامة يريد قول السلف: «أمروها كما جاءت»، فهم ليس يقصدون أنها بدون معنى، وإنما أمروها كما جاءت، أي بلفظها أو معناها. وهذا الذي جاء عن السلف أنهم فسروا هذه المعاني أو فسروا هذه الألفاظ إلى معانيها. ولهذا أثبتوا الصفات، ولم يثبتوا ألفاظًا مجردة مثل ما يفعل المفوضة. قال على طريقة الراسخين، لطريق الراسخين في العلم الذين آتنا الله عز وجل عليهم في كتاب المبين، بقوله: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾. وهذا على كما قلنا على القول بأن الواو في «والراسخون» استئنافية، وهذا قول أكثر العلماء وعامة السلف والخلف. قال: وكل القراءات وكل التفسيرين يقف عند «آمنا به»، والراسخون يقولون: «آمنا به كل من عند ربنا». أقصد يقفون عند قول الله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله﴾. وسواء كان بالوقف أو بالاستئناف، لا بأس أن يقف القارئ، «وما يعلم تأويله إلا الله». والراسخون في العلم على التفسير على أن الواو عاطفة، أن يعلمون تأويل المتشابه. وفسر بأنه العام والخاص، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، وغير ذلك. ومن قال بأنها استئنافية، فالمراد أن هذا المتشابه لا يعلمه إلا الله. ولهذا ذم الله عز وجل مبتغي التأويل. ولهذا قال المؤلف هنا: وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾. في ذم مبتغي التأويل لمتشابه التنزيل. الله عز وجل ذم هؤلاء الذين يبتغون التأويل المتشابه. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فتأويل المتشابه المراد به تفسيره ومعرفة معناه، أو معرفة ما هو يقول إليه، أو معرفة حقيقته. وهنا المراد به الحقيقة، معرفة حقيقة. لأن التأويل في لغة العرب، وكذلك في القرآن جاء على ثلاث معاني. في القرآن جاء على ثلاث معاني: إما أن المراد به التفسير، «وما يعلم تأويله إلا الله». وأيضًا جاء بمعنى الغاية، الغاية التي تكون من الأشياء، مثل قول الله عز وجل في قصة يوسف: ﴿ذلك تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا﴾. وقد يفسر أيضًا، وقد يقال أيضًا معنا هنا تفسير تأويلها، أي تفسيرها. وأيضًا قول الله عز وجل: ﴿يوم يأتي تأويله﴾، يقول الذين نسوه من قبل: «قد جاءت رسل ربنا». فهنا تأويله، أي غايته وحقيقته ومآله. فتأتي بمعنى التفسير، ومعنى الغاية، ومعنى الحقيقة والمآل. وأما أنها تأتي بمعنى التحريف اللفظ، فهذا هو كما قلنا مبتدع، هذا معنى مبتدع. لكن مشى عليه العلماء، فهل السنة إذا قالوا «المؤولة» يريدون به ما يشبه المحرفة، «المؤولة» معنى المحرف. لكن هذا المعنى غير موجود في لغة العرب. قال: وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾. هناك محكم عام ومحكم خاص، ومتشابه عام ومتشابه خاص، إن شاء الله تعالى سنذكره في درس لاحق. لكن هنا «آيات محكمات» هذا من المحكم الخاص. محكم الخاص المراد به ما عرف معناه، وضح تأويله، أو وضح تفسيره، هذا محكم. وهنا المتشابه، المتشابه الخاص الذي لم يعرف معناه، ولم يوضح تفسيره. قال: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، هذا على القول الثاني كما قلنا، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم. ثم حجبهم عما أملوه، وقطع معهم عما قصدوه، بقوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾. حجبهم عما أملوه، أملوا أنهم يكشفون هذا المتشابه، لكن ما استطاعوا. وطمعوا، قالوا: قطع معهم عما قصدوه، قصدوا تأويل المتشابه وتفسيره، لكن هذا المتشابه لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه إلا الله. فغيب الله عز وجل حقائق الصفات عن الخلق، وغيب الله عز وجل حقائق الجنة عن الخلق، وهكذا العذاب في النار. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة: «قال الله عز وجل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ولهذا جاء عن ابن عباس قال: «ليس هناك في الجنة أو ما في الدنيا إلا الأسماء»، ليس في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء. كيف الأسماء؟ معنا هذا تفاح، وهذا تفاح، لكن فرق بعيد. لكن اسمه تفاح، هذا برتقال، وهذا برتقال، لكن اسمه برتقال. وهكذا العنب والتمر، وغيره وغيره من هذه الفواكه، وغيرها مما يكون في جنة الله جل وعلا. فليس بينها نسبة وبين ما يوجد في الدنيا إلا الأسماء، معنا موافقة في الاسم فقط. قال: «وما يعلم تأويله إلا الله»، فهذا كما قلنا المتشابه الثاني. هذا المتشابه الثاني، وهم كما قلنا المتشابه الأول يرد إلى المحكم فيعرف معناه. والمتشابه الثاني، أي قسم الثاني، أنه لا يعلم تأويله إلا الله. ولهذا كما قلنا أن التفويض لهذه الصفات على قسمين: تفويض الكيفية، وتفويض المعنى. فالذين يفوضون الكيفية هم أهل السنة، أهل السنة والجماعة. وأما الذين يفوضون المعنى فهم الأشاعرة، وقدماء الأشاعرة، وبعض الحنابلة كابن أبي العز، وهذا مذهب ردئ. ولهذا قال شيخ الإسلام: «أن التفويض شر أقوال أهل البدع والملاحدة». وقد ذكر عواره في الحموية. فأنا ذكر عوار هذا القول، وخبته، وأيضًا خطره في الحموية. فالمفوضة قال: شر من المؤولة، لأن فيها تجهيل للنبي عليه الصلاة والسلام، وتجهيل للصحابة. بل فيها أن الله عز وجل أنزل إلينا كتابًا، ولبس علينا فيه. لأن آيات الصفات كثيرة، فلو كانت كل هذه آيات الصفات مشكلة، معناه أن في القرآن قدر الثلث أو ما نحوه كله ملتبس. نكتفي بهذا، ونكون في درس لاحق بترجمة نانسي قنقر.