الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 38، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ باب التبرك بالشجرة أو الحجر مستدلاً بآية اللات والعزى ومناة وحديث ذات أنواط، مبيناً أن طلب البركة من غير الله تشبه بالمشركين وعبادة للأصنام. كما يوضح القراءتين في كلمة «اللات» وأصلها اللغوي إما مشتقة من الإله أو نسبة إلى رجل كان يلت السويق للحجاج.
يستعرض المقطع اشتقاق اسمي الصنمين العزة ومناة، ثم يذكر حديث أبي واقد الليثي عن طلب الصحابة في غزوة حنين جعل «ذات أنواط» شجرة يعلقون عليها السلاح تبركاً. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وشبهه بطلب بني إسرائيل لموسى أن يجعل لهم إلهاً، مؤكداً أن العبادة توقيفية.
يبين المقطع أن حديث «لتركبن سنن من كان قبلكم» خبر متضمن نهي عن مشابهة الأمم السابقة في الأقوال والأفعال. ويؤكد أن التبرك بالأشجار والأحجار والقبور وآثار الصالحين ممنوع شرعاً، ولا يجوز إلا التبرك بما ثبت بالدليل الشرعي أو الحسي.
انتهى الشيخ من ذكر أدلة هذا الباب وأعلن أن الدرس القادم سيخصص لذكر المسائل المتعلقة به. وختم بقوله: والله تعالى أعلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب من تبرك بشجرة أو حجر: قال وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم». رواه الترمذي وصححه، وهو حديث صحيح. فقوله أولاً: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، أي: أخبروني ما شأن هذه الأصنام التي تعظمونها. وكان لكل قبيلة من قبائل قريش آلهة يعظمونها: اللات، والعزة، ومناة. فالله عز وجل خاطبهم بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، أي: أفرأيتم هذه التي تعبدونها من دون الله عز وجل؟ أخبروني ما شأن هذه الأصنام التي تعظمونها، وما حالها بالنسبة إلى هذه الآيات العظيمة كالمعراج؛ لأن هذه الآيات ذكرت في سورة النجم، وتقدم هذه الآيات ذكر شيء مما من الله عز وجل به على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من الإسراء والمعراج. قال: فإنهم يعتقدون أن هذه الأصنام تنفعهم وتضرهم، ولهذا يأتون إليها يدعونها، ويذبحون لها، ويتقربون إليها، ومن ذلك أن يتبركوا بها، وهو بمعنى النفع أو الضر. فوجه الشاهد من إرادة هذه الآية في باب التبرك: وجه الشاهد من ذلك أن المشركين يتبركون بآلهتهم، يتبركون بآلهتهم، فأنكر الله عز وجل عليهم ذلك بقوله في هذا السؤال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ إلى آخر ما ذكر. وهذا فيه كذلك تحريم ما يفعله عباد القبور عند القبور من التبرك بها، أو بأتربتها، أو بلباسها، أو نحو ذلك، فهذا كله مما يدخل في هذا المعنى، فيقال لهم: أفرأيتم هذه القبور التي تتبركون بها وتعظمونها؟ فهل عندكم أثارة من علم؟ هل عندكم دليل على مشروعية التبرك بها، أم أنه الاعتقاد الفاسد والهوى ونحو ذلك؟ فينكر عليهم؛ لأنه لم يرد في شرع الله عز وجل ما يدل على جواز ذلك. وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾، "اللات" جاءت فيها قراءتان: القراءة الأولى بالتخفيف: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾، وقد ذكر بعضهم أن بالتخفيف مشتق من الإله، مشتق من الإله، فاشتقوا من أسماء الله أسماء لآلهتهم، فجعلوا "اللات" مشتقاً من الإله، من الإله، هذا بالتخفيف. وأما بتشديد التاء: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾ بتشديدها، فهو نسبة إلى رجل صالح كان يَلُت السويق للحجاج، يطعم الحجاج، بفعل ذلك الطعام يقدمه لحجاج بيت الله الحرام، فلما مات عكفوا على قبره، وسموه "اللات"، لَتّ السويق، لَتّ السويق. قال العثيمين: "اللات" تقرأ بتشديد التاء، وهو رجل صالح كان يَلُت السويق للحجاج، وتقرأ بتخفيف التاء: اشتقوا من أسماء الله اسماً لهذا الصنم وسموه "اللات"، فهو من لَتّ السويق، بالتخفيف، من مشتق من الإله، مشتق من الإله. وأما العزة فمشتق من اسم الله العزيز، العزة اشتقوه من اسم الله العزيز. وأما مناة فهو مشتق من اسم الله المنان على زعمهم، أو أنها مشتق من "ميناء". قيل هذا وقيل هذا: قيل إنها مشتق من اسم الله المنان، وقيل إنها مشتق من ميناء، لكثرة ما يُمنى أي يُراق عندها من الدماء، ولذلك سميت "ميناء" بهذا الاسم لكثرة ما يراق عندها أو فيها، وذلك في اليوم العاشر، يوم النحر، من هذه الحجة؛ فإن الحجاج من مناسكهم الذبح، فيذبحون في منى، فتراق هذه الدماء، فقيل لها "منى". وأما الحديث، حديث أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه، قال: خرجنا مع رسول الله إلى حنين، يعني إلى غزوة حنين، ونحن حدثاء عهد، حدثاء عهد بكفر. ومعنى "حدثاء": يعني قريبوا عهد بكفر؛ لأن غزوة حنين وقعت بعد فتح مكة، بعد فتح مكة، فكثير من أهل مكة أسلم في الفتح، في عام الفتح، وهذه الغزوة وقعت مباشرة بعد الفتح، فخرج من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة وهو قريب العهد بالكفر، ما زال عندهم بعض ما كان عليه أهل الكفر من علائق وأمور كانوا يفعلونها، كانوا يفعلونها. وقوله في الحديث: «وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم». السدرة: معروف، شجرة. وينوطون: أي يعلقون بها أسلحتهم تبركاً. إذا خرجوا في غزو يأتون أولاً عند هذه السدرة، عند هذه الشجرة، فيضعون أسلحتهم عليها، يعني يعلقون الأسلحة على هذه الشجرة تبركاً، حتى ينصروا بزعمهم، حتى ينصروا بزعمهم. فهذا معنى قوله: «ينوطون بها أسلحتهم»، يعني يعلقون بها أسلحتهم. أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، اسمها ذات أنواط، أي ذات التعليق، أنواط من التعليق، لأنها تعلق عليها الأسلحة رجاء البركة. فهؤلاء حدثاء العهد بالكفر قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة بعد إسلامهم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. وما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك واستأذنوه إلا لمعرفتهم أن العبادة توقيفية، أن العبادة توقيفية، ولا بد لهم من الإذن. هكذا يقول ابن العثيمين عليه رحمة الله: فهم ما سألوا من أجل أن يصروا على فعل هذا الأمر، وإنما سألوا من أجل أن يعلموا هل هذا من العبادة الصحيحة أو ليست من العبادة الصحيحة، وهم يريدون الإذن من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلذلك استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأذن لهم صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا من التبرك الممنوع، من التبرك الممنوع، فغلظ لهم الأمر، فغلظ لهم الأمر بقوله: «الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى» إلى آخر ما ذكر في هذا الحديث. ولم يقعوا في هذا الشرك ما وقعوا فيه، وإنما استأذنوا وأرادوا أن يعرفوا الحكم الشرعي في ذلك، الحكم الشرعي في ذلك، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا لا يجوز، فلذلك غلظ عليهم في القول. ومعنى «إنها السنن»: يعني الطرق. السنن هنا بمعنى الطرق، والمراد به طرق أهل الكتاب المعوجة المخالفة لسبيل المؤمنين. وأما قوله: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة»، هذا تشبيه في القول ليس في الفعل، إنما هو في القول. فبنو إسرائيل الذين خرجوا مع موسى وآمنوا معه قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، يعني: هم لهم آلهة أخرى غير الله، فاجعل لنا آلهة مثلهم، فأنكر موسى عليهم بقول: «إنكم قوم تجهلون». وهكذا هؤلاء، لما كان للمشركين سدر يعكفون عندها، قالوا: اجعل لنا سدراً مثلهم نعلق فيها. فهذا الاستدلال إنما هو في القول، وليس معنى أن الصحابة أرادوا إلهاً آخر غير الله سبحانه وتعالى، وإنما قالوا ذلك مشابهة لما قال بنو إسرائيل لموسى في القول. ولذلك قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم»، أي: طرق من كان قبلكم، ومن طرق من كان قبلنا أن نت تشبه بهم، أن نت تشبه بهم، سواء كان في الأقوال أو كذلك في الأفعال. وكما جاء في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى إِذَا دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَ دَخَلْتُمُوهُ». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنِ الْقَوْمُ إِلَّا هُمْ». فقوله: «لتركبن»، أي: لتفعلن مثل فعلهم، ولتقولن مثل قولهم، ففيه إخبار وتحذير. ولذلك يقول العلماء: قوله «لتركبن» وقوله «لتتبعن»، هذا لفظه لفظ الخبر، لفظه لفظ الخبر، لكن معناه معنى النهي، معناه معنى النهي، بمعنى: لتركبن سنن من كان قبلكم، أي: لا تركبوا سنن من كان قبلكم؛ لتتبعن سنن من كان قبلكم، أي: لا تتبعوا سنن من كان قبلكم. فهو خبر لكن متضمن معنى النهي، متضمن معنى النهي. ووجه الشاهد من هذا الحديث ظاهر ومناسبة جداً للترجمة، إذ أنه لا يجوز التبرك لا بشجر ولا بحجر ولا بمخلوق من المخلوقات، إلا ما ثبت التبرك به كما مر معنا بأمر شرعي أو بأمر حسي. وتقدم معنا ذكر الأمثلة على ذلك، فكل من تبرك بشيء لم يدل عليه الشرع ولا كذلك يدل عليه الحس، والمراد بالحس: الأمور المحسوسة التي ثبتت فيها البركة، كما مر معنا: التبرك بقراءة حديث النبي صلى الله عليه وسلم كصحيح البخاري والسنن وغيرها، أو كتب أهل السنة، فكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، أو علماء، أو كذلك التبرك بدراسة كتب علمائنا علماء السنة، ففيها الخير والبركة، وفيها النفع، وفيها كذلك العلم والعمل والتقوى والهداية والرشاد ونحو ذلك، فهذا الذي يجوز أن يتبرك به بهذا المعنى. أما التبرك بالذوات كذوات الصالحين، أو بعرقهم، أو بلباسهم، أو بطعامهم، أو ما فضل من طهورهم، أو كذلك التبرك بالقبور والمشاهد، أو بعض الأشجار، أو بعض الأحجار التي يعظمها الناس، فكل ذلك من التبرك الممنوع، من التبرك الممنوع. وأما تبرك الصحابة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهذا خاص به عليه الصلاة والسلام، ولو كان عاماً له ولغيره لتبرك الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، أو عمر، أو عثمان، أو علي، فلم يثبت ذلك عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبهذا نكون قد انتهينا من ذكر أدلة هذا الباب، وفي الدرس القادم إن شاء الله نشرع في ذكر المسائل. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر