الدرس في مباحث في البدعة 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُناقش أهمية أن يتكيف الكلام الديني مع الواقع ويحذر من البدع والمحدثات في الدين. يُشدد على خطورة البدع على الدين والشريعة.
البدع خطر على الدين والشريعة لأنها تقوم على أنقاض السنن وتؤدي إلى تغيير معالم الدين، وهي شر على الأمة المحمدية وتؤدي إلى سفك الدماء.
يتضمن المقطع ختامًا بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه والتسليم، تعبيرًا عن التوقير والاحترام للنبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من فوائدي وفرائدي ما ذكره الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره، أن ذكر عند قول الله جل في علا ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾، قال رحمه الله تعالى: وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم من محدث ومعلم وواعظ أن يقتدي بربه في تدبيره حال رسوله، وكذلك العالم يدبر أمر الخلق، فكلما حدث موجب أو حصل أمر أو موسم أتى بما يناسب ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواعظ الموافقة لذلك. انتهى كلامه رحمه الله. في ذلكم إشارة إلى أن المتكلم في أمر الدين، ويدخل في ذلك العلماء، ويدخل في ذلك الوعاظ، وكل من كان له جانب في الكلام، أنه عند كلامه ينظر في واقعه ويتكلم بما يحتاج إليه الناس، وهذه من الحكمة في الدعوة إلى الله جل في علا. لربما تجد أن الزمن من الأزمان الفاضلة بأن يحصل موسم من مواسم الخيرات، كان من المناسب أن تذكر الناس بهذا الموسم وتعلمهم وترشدهم حتى يتذكر الناس ويتنبه الغافل ويتعلم الجاهل. أو أنه يمر شيء من الخطر والضرر على الأمة، فحينها من المناسب أنك لا تعرض عن هذا الخطر الذي داهم الأمة في دينها، وإنما عليك أن تلتفت إليه بالتحذير منه وبالإشارة إليه حتى يتنبه له الناس ويأخذ الحذر من الوقوع في هذا الخطر. وهكذا قس، يا عبد الله، في حال من تصدر للكلام أن ينظر للواقع ويتكلم في الأمر الذي يحتاجه الناس. ولما كنا إخواني في الله ونحن في هذا الشهر، في شهر ربيع الأول، وهو من الأشهر التي تقع فيه المخالفات من أقوال وأفعال من طقوس وأحوال، ناسب أن نشير إلى هذه المخالفات التي يبتل بها الناس، والكثير من الناس. ومما أشير إليه في هذا المقام إخواني في الله، على رأس المخالفات ما يكون من إقامة البدع من إقامة البدع والمحدثات، وخصوصًا ما يتعلق ببدعة المولد. ليس حديثي إخواني في الله ينصب على هذه البدعة بالذات، وإنما حديثي سيكون عن الكلام عن البدع بشكل عام، عن قواعدها، عن خطورتها، عن أسبابها، وعن السبل الكفيلة من النجاة منها. لكن قد نعود إلى بدعة المولد بين الفينة والأخرى لكي نسقط كلام العلماء على هذه البدعة الماثلة أمامنا من هذه الحيثية. وإن الكلام إخواني في الله عن البدع لهي من الأمور المهمة، بل والمهمة جدًا. حسبك أن تعرف ما كان من عنايته عليه الصلاة والسلام بالتحذير من البدع، حتى أنه حكم عليها بالضلالة، وكان يكرر ذلك في كل مقاماته عليه الصلاة والسلام. شاء في حديث العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». رواه الترمذي وأحمد وغيرهما. وثبت أيضًا في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه صلى الله عليه وسلم إذا خطب بالناس اشتد صوته، وكان يقول: «فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». هكذا كان حكمه عليه الصلاة والسلام بالكم والكيف، بالكم في كل جمعة يكرر النوع، وكان يحكم عليها بالضلالة، فهي ضلالة. ومن هنا إخواني في الله كان النصح، وكانت هذه الدروس بمثابة النصائح في التحذير من شر الوقوع في البدع وذكر ملابساتها، لأنها خطر، خطر على من؟ أولًا على هذا الذي أتى بالبدع، على صاحبها خطر عليه، خطر عليه في حياته، إذ أنه لربما استدام على البدعة حتى تأصلت فيه، وما كاد أن ينفك عنها. حتى قال علماؤنا: البدعة شر من المعصية، شر من المعصية لأن المعصية يتاب منها، والبدعة ما يتاب منها. البدعة ما يتاب منها لأن صاحب البدعة يرى أنه على خير، يرى أنه على صلاح، يرى أنه على فلاح، أنه له التوبة، ما سيتوب. بخلاف العصاة، يتوبون إذا ذكروا، وإذا انزجروا زجروا، إلا المبتدع فإنه يستميث في خطر عليه في دنياه، وأيضًا خطر عليه في آخرته. قد دلت على ذلكم الآثار الكثيرة. قد يقول قائل: يقول لك يا أهل السنة دعونا، نحن على ما نحن عليه، إن كان كلامكم لأجلنا شفقة علينا لا تشفقوا علينا. يقولها بعضهم متهكمًا: دعونا ما نريد إرشاداتكم ولا نصائحكم، دعوها لأنفسكم، إن كان كلامكم شفقة علينا دعونا على ما نحن عليه، نحن سنحاسب عند ربنا، وبيننا وبينكم الله. نقول له يا عبد الله: اعلم أن التحذير من البدع ليس فقط لأجلك أنت، لأن البدع ليس خطرها عليك أنت يا صاحب البدعة يا مبتدع، بل إن من شؤم البدعة أنها تعود على الدين، تعود على ديننا، تعود على شريعة ربنا، وهنا مكمن الخطر. لو أن الأمر يعود إليك أنت وما ابتليت به وحسابك عند ربك، لكن الأمر لا يقصر على صاحب البدعة، لأن خطر المبتدع يصل إلى الدين والشريعة. وكان من عبارات العلماء ومن سلفنا الصالح أن البدع ما تقوم إلا على أنقاض سنة، تدفن سنة، تدفن دفنًا. تعرفون القبور من المقابر كيف يدفن الميت؟ هكذا السنة تحفر لها، تدفن السنة، تقوم محلها البدع. كما أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهذا الأثر ذكره عنه الطبراني رحمه الله تعالى قال: ما يأتي على الناس من عام إلا وأحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيى البدع وتموت السنن. تحيى البدع تنتعش البدع، وتموت السنن تكاد أن تلغى. اذهب إلى بعض القرى يا عبد الله التي تأصلت فيها البدع، تجد أن السنة لا تكاد تذكر، لماذا؟ ببركة هذا الأمر الخبيث وهي البدع، شررها شررها وخطرها عظيم على الدين والملة والشريعة. ويقول كذلك حسان بن عطية رحمه الله تعالى: ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله من سنتهم مثلها، إما سنة وإما بدعة، إما هذا وإما هذا. فإذا اقتضى الناس وتركوا على ما أرادوا بإقامة السنن بإقامة البدع، كان ذلك بمثابة أن نودع السنن، ولا خير فينا إذا اضمحلت وذهبت وولت السنة، ما الذي بقي لنا في ديننا؟ وهكذا ما قاله الإمام بن سيرين رحمه الله تعالى: ما أحدث رجل بدعة إلا راجع سنة. وهذه من شؤم البدع أن من خاض في البدع ولت عنه السنة. فتخيل أن الأفراد والمجتمعات إنهالوا على فعل البدع، ما الذي سيحصل؟ سيتغير الدين يتغير. انظر يا عبد الله إلى البيئة التي نعشت فيها البدع، انظر إلى معالم الدين تغيرت. ابذر في الأذان الفاضل، آذان تغيرت، الفاضل الإقامة تغيرت، الأذكار في بعض الصلاة تغيرت، أحكام الجنائز تغيرت، أشياء كثيرة تغيرت. من أين جاء التغير؟ البدع هذا على حساب ما لا، التغير على حساب ضياع الدين، ضياع الدين. فليتفطن المبتدع أن ما كان من إرشادات أهل السنة نصحًا له، إن كان ينتصح، إن لم ينتصح، فإنما ما نفعله ونقوم به ونصح لدين الله جل وعلا أن يبقى صافيا كما هو. ثالثًا، على المبتدع وعلى الناس جميعًا أن يعلموا أن خطر البدعة تعود على المبتدع، وتعود على الدين، وتعود أيضًا على الأمة، على الأمة الإسلامية. الأمر يا عبد الله ليس الدروشة أن فلان يفعل بدع من البدع، أذكار وأوراد وانتهى الأمر، لا. البدعة من شأنها النمو، البدعة من شأنها أن تكبر، البدعة من شأنها أن تضخم. ولهذا قال مجاهد رحمه الله تعالى، وهو يعبر عن هذه الخصلة من خصال البدعة، قال رحمه الله تعالى: يبدأون مرجئة ثم يكونون قدرية ثم يصيرون مجوسًا. كيف كانوا؟ قدرية كانوا مرجئة ممن يتساهل في فعل المعاصي، ثم أصبحوا قدرية، ثم آل أمرهم إلى أن صاروا مجوسًا، شر على الأمة من عباد النيران. تذكر يا عبد الله أثر عبد الله بن مسعود عندما خرج على أصحاب الخلق ممن كانوا يذكرون الله بذكر مبتدع بطريقة مبتكرة، فنصحهم ابن مسعود: «هذه بدعة، دعوها اتركوها»، لكن ما استجابوا: يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا خيرا. إيش تنكر علينا؟ نحن في خير، نحن في صلاة، نحن في ذكر، نحن في أوراد، إيش هذا حرام؟ كما يدعي القوم، نحن في حرام. نصح ابن مسعود بترك، قال: يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا خيرا. رأى منهم التصميم تركهم. هل انتهى المطاف؟ يقول أبو عبد الرحمن السلمي، وهو ممن صاحب ابن مسعود في نصحه لأصحاب الخلق، قال: فرأيت عامة هؤلاء يطاعنوننا يوم النهروان، يطاعنوننا يقتلوننا. المبتدع شؤم شؤم على الأمة، هو بنفسه سيسفك الدماء وينتهك المقدسات. انظر يا عبد الله إلى قوله عليه الصلاة والسلام في أحوال جماعة من المبتدعة من الأمة الإسلامية، ماذا قال فيهم نبينا؟ قال عنهم: «يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان»، هذا من؟ مبتدع. قالها نبينا في المبتدع ممن يخرجون من ضئضئ هذا، يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان. البدعة، البدعة شر على الأمة المحمدية. وتأمل يا عبد الله تاريخ الأمة، ما نالت الأمة الويلات وما تجرعت الهزائم إلا على يد المبتدعة. سلم الذي فعله الروافض في الأمة الإسلامية من أيام التتر والمغول، فتحوا لهم الأبواب، فجاسوا خلال الديار، وذبحوا أبناء المسلمين بالآلاف، بل من الملايين. ولا تزال يا عبد الله تسأل عن التعاون المشبوه بين أعداء الدين من النصارى واليهود ومع غيرهم من المبتدعة الذين خذلوا الدين. فالمبتدع شؤم على الأمة، وبهذا تعلم يا عبد الله أن البدعة أثرها خطير وشرها مستطير على المبتدع وعلى الدين وعلى الأمة. ولهذا لا غرابة أن نجد أن أهل السنة والجماعة يضربون بكل صرامة، بكل قوة يضربون في حق كل من سولت له نفسه أن يدس في ديننا البدع والمحدثات تحت أي مبرر كان. فعندنا الدين صافي كافي شافي، كما وسع الأوائل يسع الأواخر إلى أن نلقى الله جل وعلا ونحن على هذا الأمر بما بعث الله عليه نبيه عليه الصلاة والسلام. فالشاهد إخواني في الله، فهذه المجالس بإذن الله سنجعلها في الكلام حول المسائل المتعلقة بالبدع وما يكون فيها من مسائل وقواعد، مع الإشارة إلى ما نحن قد ابتلينا به في هذا الشهر بالذات من ذلكم المولد الذي هو من البدع الدخيل في ديننا، ومع بيان بعض الشبهات المتعلقة فيه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.