الدرس في شرح كتاب التوحيد 170، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث بوجوب محبة الله ورسوله وتوضيح الآية الكريمة التي تدل على ذلك وتوعيد من يفضل عليهم محبوبات الدنيا. يُبين أهمية تقديم هذه المحبة على محبة الدنيا.
يجب تقديم محبة الله ورسوله على محاب الدنيا، فمن قدمها فهو مؤمن ومن قدم محاب الدنيا فهو آثم. يمكن معرفة ذلك من خلال مواقف الاختيار بين أمرين.
من يفضلون محاب الدنيا على طاعة الله ورسوله سيعاقبهم الله بأن يجعلهم عبيدًا لتلك المحاب. الآية الكريمة توضح وجوب محبة الله ورسوله وتقدمهما على كل شيء.
يختتم المتحدث كلامه حول وجوب محبة الله ورسوله، داعيًا المولى أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم إلى قوله أحب إليكم من الله ورسوله﴾، أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى هذه الآية الكريمة، والتي استدل بها في هذا الباب فيما يتعلق بمقام المحبة، أي محبة الله جل في علاه. فأورد رحمه الله تعالى صدر هذه الآية، والآية بكمالها وتمامها هي قوله جل في علاه: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، والتي فيها الإشارة إلى مقام المحبة، محبة الله سبحانه وتعالى. ففي هذه الآية يقول الله جل وعلا: ﴿قل إن كان آباؤكم﴾، ويدخل في ذلكم كذلك الأمهات، ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم﴾، ويدخل في الأبناء الأحفاد. قالوا: ﴿إخوانكم﴾، ومن باب أولى الأصحاب والزملاء والأصدقاء، ﴿وأزواجكم وعشيرتكم﴾، ويدخل في العشيرة القبيلة، ويدخل كذلك الأرحام، ويدخل كذلك القرابة، فكل من تمت لك بهم صلة فهم من عشيرتك. قال: ﴿وأموال اقترفتموها﴾، أموال اقترفتموها، أي تعبتم في إيجادها، والسبب في هذا الوصف أن الإنسان يحرص على ماله، لكنه أشد حرصًا من ماله الذي تعب فيه، بخلاف المال الذي يأتيه سهلًا والذي يعطى له عطاء، فلو ذهب عنه قد يتحسر، لكن ليست كحسرته للمال الذي تعب وكد وسهر لأجله. فذكر ربنا جل وعلا هذا المال، ﴿وأموال اقترفتموها﴾، أي تعبتم في إيجادها. قال: ﴿وتجارة تخشون كسادها﴾، أي تجارة تخشون ذهابها وضياعها، وهذه التجارة عامة تدخل فيها تجارة الثياب والبز والأواني والبضائع، ويدخل في هذه تجارة أنواع المضاربات من شركات ومصارف، ويدخل في ذلكم الدكاكين والمعارض والمحلات وغير ذلكم، كل ذلك تجارات، كل ذلك تجارات الإنسان يخشى أن تذهب عليه بخسارة أو نقصان. قال: ﴿وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها﴾، مساكن تحبونها كالعقارات والفلل والبيوت والعمارات والمساكن من الدور والقصور الفارهة الفاخرة، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، ﴿فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. قال العلماء: هذه الآية أصرح آية في وجوب محبة الله ورسوله، أصرح آية في وجوب محبة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وأن من قدم شيئًا من محبوبات الدنيا فإنه متوعد بالعذاب الشديد. وإن هذه المذكورات، محبة الآباء والأبناء والإخوة والأزواج والقرابة والتجارة والأموال والمساكن، هي في الحقيقة من المحاب الطبيعية، من المحاب الطبيعية التي يحبها الإنسان لجبلته وطبيعته، لكن إذا كانت هذه المحاب الطبيعية أوصلت الإنسان أن يقدمها على محبة الله ورسوله فإنه يأثم، فإنه يأثم. لأن تقديم محبة الله ورسوله واجب، وتقديم ما سوى كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب، دليله: ﴿فتربصوا﴾، وهذا فعل أمر، حتى يأتي الله بأمره. قال علماء: يأتي الله بأمره، أي العذاب أو الهلاك. ثم قال: ﴿إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾، حكمًا ربنا عليهم بالفسق، والفسق هو الخروج عن طاعة الله، الخروج عن طاعة الله، فهذا فاسق. فإذا وجد الإنسان من نفسه أنه مقدم لمحاب الله ورسوله على محاب الدنيا، فليعلم أنه مؤمن، ومن رأى أنه قد قدم المحاب الدنيوي على محبة الله ورسوله، فليعلم أنه آثم. هنا تأتي مسألة: كيف يعرف الإنسان أنه مقدم لمحبة الله أو المحبة غيره؟ قال العلماء، كما أشار إلى ذلك الإمام السعدي رحمه الله تعالى: قال يظهر ذلك إذا عرض عليه أمران، إذا عرض على الإنسان أمران، الأمر الأول أمر فيه محبة لله ولرسوله، إلا أن النفس لا تهوى ولا تشتهيه، النفس ما تميل لهذا الأمر، لكن هو أمر يحبه الله ويحبه رسوله، اجعل هذا في كفة. وبالمقابل الأمر الثاني الذي عرض عليك أن النفس تميل إليه تشتهيه، لكن على حساب أن يفوت عليك شيئًا محبوبًا لله ولرسوله، هنا يا عبد الله سيكون مفترق الطرق، فمن قدم محبة الله ومحبة رسوله، مع أن النفس ما تهواه ولا تميل إليه، فهذا هو المؤمن، وهذا هو المؤمن. وأما من قدم محاب الدنيا على حساب أن يفوت على نفسه ما يكون من محبة الله ورسوله، فهذا المقدم لمحاب الغير على الله ورسوله، فهذا آثم. ومن هنا إخواني في الله، بهذا الضابط سنعلم حال كثير من الناس من محبتهم لله، مثاله: إذا نودي للصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، فتجد أن من الناس من هم يضاربون في تجاراتهم، ذاك في محله، ذاك في معرضه، ذاك في دكانه، إلى أن تحين موعد الإقامة، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، يجتمع للمسجد ويغلق دكانه. من كان محبًا لله ولدينه يقدم هذه المحابة، لكن الذي يقدم محاب الدنيا لربما يمكث في دكانه، يبقى في محله حتى يتحصل على هذه التجارة، ولو فوت عليه شيء يحبه الله ويحبه رسوله، كأداء صلاة الجماعة، هذا ظالم، هذا ظالم لنفسه. وهكذا قل في باب الأموال، من عنده أموال بين يديه، وقد آن إخراج الزكاة، آن إخراج الزكاة، فهنا هو في مفترق الطرق، إما أن يخرج الزكاة ونفسه لا تهوى هذا، وإما أنه يمسك عن إخراج الزكاة حتى يكثر وينمو المال على حد زعمه، لكن هذا المسك وهذا الإمساك بخلًا وشحًا على حساب أن يفوت شيئًا يحبه الله، وهو الزكاة، فإن فعل ذلك فهذا ظالم، وهذا ظالم. وعلى هذا يا عبد الله، فانظر أولًا في نفسك، وانظر ثانيًا في غيرك، كيف الناس في هذا المقام العظيم، في مقام محبة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. وبهذا نعلم أن محبة الله ورسوله ليست هتافات يذكر، أو رايات ترفع، بل هو واقع عمل ملموس، يظهر ذلك يا عبد الله في مدى استجابتك لأمر الله ولأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. فإن لم تفعل ذلك، قال: ﴿فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾، قال علماء: أي الهلاك والعذاب. ولو لم يكن من العذاب الذي يسلطه الله في حق من قدم محاب الدنيا على محاب الرب، بمثل أن الله يعذبك بهذا الذي أنت أحببته، أعظم حبك لله. فهذا الذي أصبح محبًا لزوجته حتى أنه يقدم مرضاتها على مرضات الله ورسوله، فينفذ لها كل شيء، لو ربما حتى يفعل لها الحرام، ويأتي بالحرام استجابة ورضى لها، فمن عقوبة الله أن الله يعذبك بهذه المرأة، يعذبك بها، يجعلك تحت إمرتها، يجعلها تهينك بعدما أن أعزك الله. وهكذا قل من كان محبًا لماله ولتجارته، فلربما من تعظيمه وحبه لماله أن يضيع حق الله، فيعاقبه الله بأن يجعلك تتعذب بهذا المال، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تعيس عبد الدينار»، يجعلك الله عبدًا لمالك، لا يهدأ لك بال، ولا يرتاح لك خاطر، فلا زلت تفكر دائمًا وأبدًا بهذه الدنيا، تشغلك، عندما شغلت نفسك عن طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام. وقس على ذلك يا عبد الله أصناف هذه المحابة، فإن من أقل ما يعذبك الله جل وعلا بهذه المحابة الدنيوية أنه يعذبك بها. فالشاهد إخواني في الله أن هذه الآية الكريمة، كما قال العلماء، هي من أصرح الآيات وأوضحها بيانًا في وجوب محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن لا يقدم عليهم على محبتهم أحدًا كائنًا من كان. ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناءكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. هذا ما يذكر إخواني في الله في هذا المقام، في بيان وجوب هذا المقام العظيم من مقام محبة الله جل في علاه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.