الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 53، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الباب الأول من كتاب التوحيد مستدلاً بالآية الكريمة على بطلان عبادة الأصنام وكل ما عبد من دون الله. ويبين أن هذه المعبودات مخلوقة عاجزة لا تملك نفعاً ولا ضراً، مما ينفي استحقاقها للعبادة.
يستعرض أربع حجج قرآنية تثبت عجز المعبودات عن الخلق والنصر والملكية والسمع والاستجابة. وتؤكد الآيات كفر هذه المعبودات بشرك عابديها يوم القيامة.
يعرض أدلة من القرآن والسنة أن الموتى والأصنام لا يسمعون دعاء العابدين ولا يستطيعون الاستجابة لو سمعوا. ويشير إلى تبرؤهم من عابديهم يوم القيامة كحجة قاطعة على بطلان الشرك.
أعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية مع تأجيل الأحاديث النبوية إلى الدرس القادم. وختم بقوله: "إلى هنا والله تعالى أعلم".
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن نجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب: قول الله تعالى ﴿ أَيَشْرُكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾. ذكر هذا الباب وأبواب ثلاثة بعده ليبين بطلان عبادة ما سوى الله. أدلة بطلان عبادة ما سوى الله ومناسبتها لكتاب التوحيد ظاهرة وبينة، فهذه الأبواب تنسف كل شبه وأدلة المشركين الذين يعبدون غير الله عز وجل. فبدأ المؤلف رحمه الله تعالى -كما ذكر ذلك ابن عثيمين- بطلان عبادة الأصنام وما سوى الله تعالى، وعبادة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الباب الأول في بطلان عبادة ما سوى الله، والباب الثاني الذي سيأتي بعد هذا: بطلان عبادة الملائكة وهم أقرب ما يكون إلى الله عدا خواص بني آدم، والباب الثالث الذي سيذكره في بطلان عبادة ما سوى الله: بطلان الشفاعة المنفية لغير الله، وأن الشفاعة حق لله تعالى، والباب الرابع: بطلان هداية التوفيق لغير الله، ولا يملكها أحد دون الله. كل هذه الأبواب سيذكرها المؤلف لتدل على بطلان عبادة ما سوى الله، وهي أدلة وبراهين دامغة على كل من عبد غير الله. فبدأ بهذا الباب، وعنونه لهذه الباب بهذه الآية: ﴿ أَيَشْرُكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ إلى آخر الآية. فبين الله عز وجل عجز هذه الأصنام وأنها لا تصلح أن تكون معبودا من أربعة وجوه. طيب، تأملوا معي هذه الأوجه: هل هي خاصة بعبادة الأصنام، أو بكل ما في معنى تلك الأصنام من الأوثان؟ الأمر يعود على الثاني؛ لأن العلة واحدة، وهي التوجه إلى غير الله وعبادة غير الله. فيمكن أن نقول: إن هذا الباب فيه عجز الأصنام والأحجار والأشجار والأضرحة والقبور والأموات، وأنها لا تصلح أن تكون معبودا من أربعة وجوه. لو تأملت هذه الأوجه الأربعة، رأيت أنها تنطبق على كل ما عبد من دون الله من الأوثان. فأولا: في هذه الآية أن هذه المعبودات لا تخلق، ومن لا يخلق لا يستحق أن يعبد. لذلك قال: ﴿ أَيَشْرُكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا ﴾، و"شيئا" هنا نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم؛ يعني لا يخلقون ولا ذبابة، ولا ذرة، ولا أصغر مخلوق، ما يخلقون شيئا من ذلك. فالذي لا يخلق، أيكون إلها من دون الله؟ فهذا الدليل ينطبق على كل ما عبد من دون الله. فالخلق هو لله عز وجل وحده لا يشارك فيه أحد، فكل مخلوق عبد من دون الله فتبطل عبادته أولا بأنه ليس بخالق، ومن ليس بخالق ليس بمعبود. هذا وجه. وجه ثان: أنهم مخلوقون من العدم، فهم مفتقرون إلى غيرهم ابتداء ودواما. فكل ما سوى الله مخلوق من العدم، فإذا كل مخلوق تبطل عبادته بأنه كان قبل أن يوجد من عدم. وهل الذي كان عدما يعبد من دون الله؟ وهذا معنى قوله: ﴿ وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾. أنت الآن سنك مثلا خمسين سنة، قبل خمسين سنة أين كنت؟ ما كنت شيئا، كنت لا شيئا. طيب، هذا الولي أو ذاك النبي كان في من عدم. لو مثلا مضى على موت وخلق هذا الولي مئتي سنة، أين كان قبل مئتي سنة؟ أين كان؟ لم يكن شيئا. كيف بعد ما خلق وكان من العبد عبد من دون الله؟ هذا دليل واضح وبين على أن المخلوق من العدم لا يصلح أن يكون إلها يعبد، لا يصلح أن يكون إلها يعبد، وإنما الذي يستحق العبادة هو الأول الذي ليس قبله شيء سبحانه وتعالى. هذا وجه. وجه آخر من هذه الآية: أنهم لا يستطيعون نصر الداعي لهم. طيب، الآن أهل غزة يحاصرون ويقتلون، طيب هل هؤلاء الأولياء الذين يدعونهم، هؤلاء أهل الشر، يستطيعون نصر إخواننا في غزة؟ هيا، وقد فعل ذلك بعض أهل الشر في النصر، ذهبوا عند البدوي يستغيثون به ويطلبون منه النصر، كما نقل عن بعضهم. هل يستطيعون نصر غيرهم؟ ما يستطيعون، كما جاء في الآية: ﴿ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا ﴾، ما يستطيعون لهؤلاء الداعين نصرا. النصر من عند الله، لا من عند غيره. هذا أيضا دليل ثالث يدل على بطلان عبادة ما سوى الله. أمر رابع في هذه الآية، ودليل رابع يدل على بطلان عبادة ما سوى الله: أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم. الإنسان ما يستطيع، أو المعبود ما يستطيع أن ينصر نفسه. لربما هذا الميت له قبة عليها باب، يسرق هذا الباب، ما يستطيع أن يدافع عن قبة، ويحمي، ويحمي باب قبته، ما يستطيع. طيب، هذا ما استطاع أن ينصر نفسه، كيف ينصر غيره؟ كيف ينصر غيره؟ فهذه أدلة واضحة في هذه الآية تدل على بطلان عبادة ما سوى الله، سوى كانت أصناما أو أحجارا أو أشجارا أو قبابا أو أضرحة أو موتى أو ملائكة أو أنبياء، أو كل معبود عبد ما سوى الله، تنطبق عليهم هذه الأربعة الأمور: مخلوقون، وأنهم أولا لا يخلقون، وهم مخلوقون من العدم، وهم لا ينصرون أنفسهم، ولا ينصرون غيرهم. فكيف يعبدون من دون الله؟ والله لو أن هؤلاء الذين عبدوا غير الله تفكروا في هذه الآية وحدها، لكفت في وجوبهم وتركهم لعبادة غير الله عز وجل. هذه الآية الأولى وهي واضحة في بطلان عبادة ما سوى الله. ثم ذكر الآية الثانية، الدليل الثاني على بطلان عبادة ما سوى الله، وقال عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾. هذه الآية أبطل الله بها عبادة ما سواه بأمور: الأمر الأول: أنهم ليس لهم ملك، ما يملكون شيئا من هذا الكون ولا ذرة، فقال: ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾، والقطمير هو اللفافة الرقيقة التي على نواة التمر. هذه النواة بعد ما تأكل التمر تخرجها، فيها مثل الغشاء الرقيق، لفافة تستطيع أن تخرجها، وهي شيء يعني صغير جدا. فهل هؤلاء الذين يعبدون من دون الله يملكون هذه اللفافة؟ هل يستطيعون أن يدعوا ذلك؟ لا يستطيعون، هي ملك لله عز وجل، هو الذي خلقها وأوجدها وجعلها على هذه النواة. فالذي لا يملك شيئا في هذا الكون، هل يستحق العبادة؟ هذا وجه. وجه آخر: أن هؤلاء الذين تدعون هم لا يسمعون. هذا الصنم، الحجر، أو ذاك الميت، الرفات، إذا أتيت وقلت له: المدد، أعطني، ارزقني، انصرني، هل يسمع؟ لا يسمع، ما يسمع، كما في هذه الآية وفي غيرها: ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾. فالصحيح أن الموتى لا يسمعون. وأما ما جاء في بعض المواضع أن الموتى يسمعون، فهذه مواضع خاصة تستثنى من العموم، هذا هو الصحيح في سماع الميت. قرع نعال المنصرفين من جنازة، هذا مما يستثنى من العموم في هذا الموضع فقط. وكذلك سماع أصحاب القليب من بدر من الكفار، ما قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام، هذا أيضا مما يستثنى، تبكيتا وتوبيخا لهم، فأكرم الله عز وجل نبيه بذلك، بقوله: إنهم أسمع منكم، أي أن الله أسمعهم حتى يكون أشد عليهم في التوبيخ وفي التقريع. وأما ما سوى هذين الموضعين، فيبقى على عموم الآيات الدالة في ذلك. فهؤلاء الذين تدعونهم، سوى كان أصناما أو أحجارا أو أشجارا أو موتى، لا يسمعون. وإذا أنت تقول: يا فلان، انصرني، هو ما يسمعك أصلا. أنت الآن لو ناديت ميتا ما يسمع، ما يسمع. جئت قلت له: أعطني كذا وكذا، الناس يعدون هذا ماذا؟ يعدون هذا يعني سخافة، سخافة، إنسان سخيف. هذا كيف تخاطب إنسانا ما يسمعك؟ إنسان صحيح معروف، تكلمه كلام الذي يسمع، لا يمكن هذا لأنه ما سيستجيب لك، ما س... يعني يأتي بما تأمر به لأنه ما يسمع. فكيف هؤلاء الموتى ما يسمعون أصلا؟ تقول لهم: المدد، أو تقول لهم: أعطني، وتدعوهم من دون الله، تتقرب إليهم، وهم لا يدرون بك ولا بعملك، ولا يسمعون كلامك ولا شيئا. هذا دليل واضح على بطلان عبادة ما سوى الله، إنهم لا يسمعون، مما دلت عليهم الآية. ثالثة: أننا لو افترضنا أنهم يسمعون، على قول بعض من قال بذلك، ما استجابوا، وعلى ما جاء في الآية: ﴿ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾. هب أنهم يسمعون، هل يستطيعون القيام بما تأمرهم به وبما تدعوهم؟ ما يستطيعون. ما رأيك لو أن إنسانا مقمط، مكبل في سرير، جئت قلت: أعطني كأس ماء، ما يذهب إلى البراد ويعطيني كأس ماء، وهو مريض، الآن هل يستطيع؟ ما يستطيع. سمع كلامك لكن ما يستطيع. وهؤلاء لو سمعوا ما يستطيعون، لأنهم لا يقدرون على ذلك، لا يقدرون. هذا شيء لا يقدر عليه إلا الله. وهم في هذه الحياة الدنيا، لو إنسان حي قلت له: اغفر لي ذنبي، أو انصرني، وهو لا يقدر، أو كذلك: هب لي ولدا، ما هذا شيء لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى. فلو سمع هؤلاء لم يستجيبوا، لأنهم لا يقدرون على ذلك. هذا أيضا دليل من الآية. دليل رابع من هذه الآية: أن يوم القيامة يأتي الله بما كان يعبد من دونه، فتكفر بشرك من يشرك بها، تتبرأ منه، يقول: أنا ما أمرت، كما جاء في القرآن عن عيسى وعن غيره. قال الله: ﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾، قال: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾، نزه الله عز وجل عن ذلك وتبرأ من عبادة هؤلاء له. وهكذا من هو دونه من الأولياء والصالحين، يتبرؤون مما يصنع هؤلاء من الشرك بالله سبحانه وتعالى. وهذا أيضا أمر رابع جاء في هذه الآية. هاتان الآيتان صريحتان وواضحتان في بطلان عبادة ما سوى الله من عدة أوجه. ف تسلح بذلك، وإذا حاجك مشرك يعبد غير الله ويدعو غير الله، فعليك بمثل هاتين الآيتين، فلا يستطيع أن يردهما أو أن يحاج، وكذلك يخاصم ويرد دلالتهما. هذا ما أراده المؤلف من ذكر هاتين الآيتين. ثم ذكر بعض الأحاديث كذلك التي تدل على بطلان عبادة ما سوى الله. وهذا هو العلم: آية قرآنية وحديث نبوي، وهذا ما سار عليه المؤلف في هذا الكتاب، ولذلك تميز هذا الكتاب بالقوة العلمية، ولاقى اهتماما من قبل أهل العلم شرحا ودراسة وتأليفا ونحو ذلك. فنكتفي بهذا، وإن شاء الله الأحاديث نؤجلها إلى الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.