الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 69، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
نذرت امرأة عمران حملها لخدمة بيت المقدس، فولدت أنثى سمتها مريم وتعوذت بها وذريتها من الشيطان، فقبلها الله بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها النبي زكريا عليه السلام. نشأت مريم في محرابها عابدة صالحة، وكان زكريا يجد عندها رزقاً غير معهود من الفواكه، فأخبرته أنه من عند الله يرزق من يشاء بغير حساب.
بشّرت الملائكة زكريا بولده يحيى مصدقاً بكلمة الله عيسى، ووضح المحاضر أن السيادة الحقيقية تتمثل في الأخلاق الحميدة والعلوم العظيمة والأعمال الصالحة، بينما الحصور يعني العصمة من الإصرار على المعاصي والمبادرة بالتوبة. كما أبرز فضل الذرية الصالحة كذخر للأب في الدنيا والآخرة مستشهداً بالحديث النبوي وكرامات الصالحين.
أعلن المحاضر انتهاء الوقت المحدد للدرس الحالي وقرر عدم إطالة الجلسة مراعاة للحضور، على أن يُستكمل باقي المحتوى في درس قادم إن شاء الله.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "قصص الأنبياء": قصة عيسى وأمه وزكريا ويحيى عليهم السلام، وجمعهم لأن زكريا عليه السلام هو كافل أم عيسى، فهو كافل مريم أم عيسى، ويحيى ابن زكريا، فقصتهم تذكر جميعا لأنهم في زمن واحد. قال: كانت زوجة عمران، وهو من أكابر بني إسرائيل ورؤسائهم وذوي المقامات العالية عندهم، نذرت حين ظهر حملها أن تحرر ما في بطنها لبيت المقدس، يكون خادما لبيت الله، معدّا لعبادة الله، ظنا أن الذي في بطنها ذكرا. وكأن زوجها هذا الذي هو من أكابر بني إسرائيل توفي، وحملت منه، فنذرت أن هذا الحمل الذي في بطنها يكون لله، بمعنى خادما لبيت الله ومتفرغا لعبادة الله عز وجل، ولا تدري ما في بطنها أهو ذكر أم أنثى، لكن ظنت هذا الظن. فلما وضعتها قالت معتذرة إلى الله، شاكية إليه الحال: ﴿ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ﴾. أي أن الذكر الذي له القوة والقدرة على ما يراد منه من القيام بخدمة بيت المقدس، فإن الأنثى يتعذر أن تقوم هذا المقام، مقام القوة ومقام الخدمة لبيت المقدس. وهذا فيه رد على دعاة المساواة بين الذكر والأنثى، فالآن هناك دعوات للأسف ربما تتبناها دول كافرة، تدعو إلى مساواة الذكر بالأنثى، وأن المرأة مثل الرجل، فلذلك أخرجوها من بيتها وأعطوها أعمال الرجل من أعمال ووظائف ونحو ذلك. بل وجاءوا إلى بلاد الإسلام عن طريق المنظمات التي تزعم أنها منظمات إغاثية أو منظمات صحية أو نحو ذلك من تلك التسميات التي في الحقيقة لها مقاصد خبيثة، ومن أعظم مقاصدها خروج المرأة من بيتها وإفساد المرأة، والله يفضحهم. فمثلا على سبيل المثال: أخبرنا شيخنا عبد الله مرعي أن في منطقة من بلاد أبيا جاءت منظمة وأرادت أن تبني سدا لحجز الماء، والناس بحاجة إلى هذا، لكن اشترطت أن تكون العمالة التي تعمل في إقامة هذا المشروع نساء، عمالة نسائية. سبحان الله! يعني المرأة تخلط الإسمنت وتحمل الحديد، هل هذا عمل النساء؟ هذا ليس عمل النساء، هذا عمل الرجال، وليس الذكر كالأنثى. كيف تكون المرأة بهذه الأعمال الشاقة؟ فعرف أهل تلك البلاد أن القصد هو إفساد المرأة، وليس هذه الأعمال التي ظاهرها الإغاثة أو النفع أو نحو ذلك. فليس الذكر كالأنثى، آية صريحة في كتاب الله سبحانه وتعالى ترد على هؤلاء. ثم قال المؤلف: ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾. قال: فحصنتها بالله من عدوها هي وذريتها. فقولها: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ ﴾، معروف ما معنى العياذ، وهو الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، فالتجأت إلى الله أن يحفظ لها ذريتها ويحفظ لها ابنتها مريم عليها السلام. قال: وكان هذا أول حفظ وحماية من الله لها، أي أن الله عز وجل استجاب لدعوتها، ولهذا استجاب الله لها في هذه الدنيا: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾. أي أن الله جبر خاطر أمها، وصار لها عند ربها من القبول أعظم مما للذكور، أي أن الله عز وجل تقبل منها هذه الدعوة فحفظها وبارك فيها. قال: حيث قدر أن يكون كافلها أعظم بني إسرائيل في ذلك الوقت، وهذا من توفيق الله عز وجل، لما يكون الكافل تقيا مؤمنا فلا شك أنه سيربيها تربية حسنة وسينبتها نباتا حسنا. ولذلك كفلها هذا النبي، وينشأ الطفل على حسب كافله، إن كان كافله تقيا مؤمنا يربيه على العلم والإيمان والتقوى تربى على هذه المعاني، وإن كان كافله فاسدا غير صالح لا يبالي بتربية هذا المكفول، تربى تربية سيئة. فمن توفيق الله عز وجل ومن قبول دعاء هذه الأم أن كفل الله عز وجل ابنتها على يد هذا النبي. فإن أمها لما جاءت بها لأهل بيت المقدس تنازعوا: أيهم يكفلها؟ لأنها ابنة رئيسهم. نعم، فتنازعوا من الذي يكفل، وله الشرف في هذه الكفالة لأنه سيكفل ابنة رجل ذي مكانة ورفعة ومنزلة عندهم، فاختلفوا في ذلك وتنازعوا، فاقترعوا، يعني استخدموا القرعة، وألقوا أقلامهم، يعني كل واحد ألقى قلمه أي نصيبه من القرعة. ﴿ فَأَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ ﴾ رحمة به وبمريم، وكل ذلك بتقدير الله وبعناية الله عز وجل، فكفلها أحسن كفالة، وأعانه على كفالتها بكرامة عظيمة منه، فكانت قد نشأت نشأة الصالحات الصديقات، وعكفت على عبادة ربها ولزمت محرابها. والمراد بالمحراب هو موضع الصلاة، هو موضع الصلاة. ومن الخطأ أن يسمى البناء البارز في قبلة المسجد في بعض المساجد بالمحراب، هذا ليس المراد بهذه الآية، لأن بعضهم يكتب فوق جدار المسجد: "كلما دخل عليها زكريا المحراب"، يعنون بالمحراب هذا البناء البارز الذي يجعل للإمام في الصلاة في المسجد، فهذا ليس عليه دليل، وإنما المراد بالمحراب موضع الصلاة. فكانت هذه المرأة مريم عليها السلام امرأة صالحة طائعة عابدة لله سبحانه وتعالى، فكان كلما دخل عليها زكريا المحراب، أي موضع صلاتها، وجد عندها رزقا، يجد عندها أكل فواكه ونحو ذلك، فيقول لها: ﴿ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ﴾، أنا كافلك وأنا القائم بشؤونك، فما أتيت لك بهذا الطعام، فمن أين لك هذا؟ فإنه ليس لها كافل غير زكريا. كانت تقول له: ﴿ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. أي رزقه تعالى يأتي بطرق معهودة وبطرق أخرى، والله على كل شيء قدير. بمعنى أن هذا الرزق أتى من الله وإن لم يكن بالطرق المعهودة. الطرق المعهودة: يخرج الواحد يشتري من السوق ويأتي بالطعام، الفاكهة موجودة، الأكل موجود، هذه طرق معهودة. لكن الطرق غير المعهودة: أن يوجد طعام وما يدرى من الذي أتى به، أو يوجد طعام وليس مثله موجود في الأسواق، فهذه لا شك أنها كرامة عظيمة أكرم الله عز وجل بها هذه المرأة. وكانت تجد الطعام بطرق غير معهودة، ويتعجب زكريا عليه السلام من وجود هذا الرزق عندها، يقول لها: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ﴾، تقول: ﴿ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. ومثل هذا وقع لصحابي، يعني يجد عنده عنبا قطف من عنب ولا يوجد بمكة، يعني شيء من هذا العنب في غير موسمه. من هو هذا الصحابي أكرمه الله عز وجل به؟ نعم، خبيب رضي الله تعالى عنه، لما أسر من قبل أهل مكة ثم قتلوه، فكانوا يجدون عنده من الفاكهة ولم توجد في مكة ما يوجد منها شيء، يتعجبون من ذلك، وما هذه إلا كرامة أكرم الله عز وجل بها هذا الصحابي كما أكرم بها مريم عليها السلام. قال المؤلف: فحين رأى هذه الحالة، ذكره ذلك لطف ربه ورجاه، إلى رحمته، فدعا الله أن يهب له ولدا يرثه علمه ونبوته. يعني لما رأى هذه الكرامة لهذه المرأة الصالحة اشتاقت نفسه إلى أن يكون له ولد من صلبه بهذا الصلاح وبهذه العبادة، وأن يكرمه الله عز وجل بهذه الكرامات، فرجا ربه أن يرزقه وأن يهبه ولدا صالحا، ولدا صالحا يقوم بعده في بني إسرائيل في تعليمهم وهدايتهم. وهذا فيه فضل الذرية الصالحة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث »، وذكر منها: « ولد صالح يدعو له ». فالولد الصالح يعد أعظم ذخر وأعظم نفع لأبيه في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا ببره وطاعته لوالديه ونحو ذلك، وفي الآخرة بدعائه وتذكره لوالديه ونحو ذلك. قال: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴾. عرفنا ما معنى المحراب، أي موضع الصلاة: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ﴾. أي أنه سيرزق بولد اسمه يحيى، مصدقا بكلمة من الله، أي مصدقا بنبي يأتي قبله وهو عيسى عليه السلام، فالمراد بقوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ﴾، كلمة الله وهي عيسى، لأنه أوجد بقول الله عز وجل: كن، فكان. فقوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ﴾ أي بعيسى عليه السلام. ﴿ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ﴾. ومعنى "سيدا": قال: أي عظيما عند الله وعند الخلق، لما جبله الله عليه من الأخلاق الحميدة والعلوم العظيمة والأعمال الصالحة. وفي هذا أن السيادة الحقيقية هي سيادة العلم والدين، وأن العبد لا يسود في قومه وبين أهل زمنه إلا بهذه الأمور الثلاثة: الأخلاق الحميدة، والعلوم العظيمة، والأعمال الصالحة. فمن كان كذلك فهو السيد، أي سيد أهله وقومه وأهل زمنه. وقوله: ﴿ وَحَصُورًا ﴾، ما معنى حصورا؟ قال: أي ممنوعا بعصمة الله وحفظه ووقايته من مواقعة المعاصي، فهو طائع لله بعيد عن معصية الله، محفوظ من انتهاك محارم الله سبحانه وتعالى. وهذا أيضا معنى من معاني السيادة، فمن عصى الله فإنه لا ينال هذه المرتبة، والمراد من أصر على المعاصي، ليس معنى أنه لا يعصي، هذا لا يكون في بني آدم، كل ابن آدم خطاء، وكما قال في الحديث: « إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ». فالمراد: أي لا يصر على المعاصي ولا يكثر منها، وإنما ينكف عنها، وإن وقعت منه شيء من تلك المعاصي بادر وسارع إلى التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. قال: فوصفه الله بالتوفيق لجميع الخيرات والحماية من السيئات والزلات، وهذا غاية كمال العبد، لا يكمل العبد إلا بالتوفيق لجميع الخيرات من الإيمان والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة والقيم السامية ونحو ذلك، والأمر الآخر: الحماية من السيئات والزلات، فلا يرتكب المعاصي والذنوب ولا يصر عليها، وهذا غاية كمال العبد. قال: فتعجب زكريا من ذلك. طيب، انتهى الوقت، ولا نريد أن نشق عليكم، نكتفي بهذا ونكمل إن شاء الله ما بقي في درس قادم. إلى هنا والله تعالى.