الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 39، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع وصية أبي إسحاق الإلبيري بمواجهة الجهل بقول "سلاما" اقتداءً بعباد الرحمن، مبيناً أن هذا الخلق دليل إخلاص الناصح وسبب للسلامة مستشهداً بآيات من سورة الفرقان والقصص وأقوال الإمام الشافعي. يؤكد أن الإعراض عن اللغو والتحلي بالتواضع من أعظم أبواب النجاة والبركة في الدعوة.
يستعرض المقطع أبياتاً منسوبة للإمام الشافعي تحث على عدم مجاراة السفهاء ومواجهتهم بالحلم والصمت، مضرباً المثل بالعود الذي يزيد طيباً عند الاحتراق ونهر الفرات الذي لا يضره الأذى. يخلص إلى أن السكوت عن السفيه وحفظ اللسان خير من مجاراته في سفاهته.
يعرض المقطع وصف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة بالعفو والصفح، معرفاً الشدة الحقيقية بملك النفس عند الغضب مستنداً إلى القرآن والسنة. يبين فضيلة التغافل عن السفهاء والإعراض عن الجاهلين، وأن السلامة والعصمة لا تنال إلا بتوفيق الله ورحمته.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء إلى الله بطلب العصمة والمغفرة والرحمة وتجاوز التقصير والزلل، مصلياً على النبي محمد وآله وصحبه. يختم الجلسة بالحمد لله رب العالمين خاتمةً للذكرى والدروس المستفادة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق إبراهيم الإلبيري الأندلسي رحمه الله تعالى: قال: «وإن جهلوا عليك فقل سلاما * لعلك سوف تسلم إن فعلت ومن لك بالسلامة في زمان * تنال العصم إلا إن عصمت» أورد رحمه الله تعالى هذين البيتين ضمن هذه النصائح وهذه التوجهات التي لا زال يقدمها لذلكم المنصوح. وأنظروا يا إخوان إلى أثر النصيحة، فالنصيحة لربما تقدم إلى فرض وينتفع بها أمم، وينتفع بها أمم، وذلك إن دل على شيء دل على البركة التي جعلها الله في هذه النصيحة، ولعل سببها هو إخلاص الناصح، هو إخلاص الناصح، فما أجمل الإخلاص في النصح. وهنا لا زال يوجه ولا زال يرشد فيقول رحمه الله تعالى: قال: «وإن جهلوا عليك فقل سلاما * لعلك سوف تسلم إن فعلت». وهذه الصفة من صفات المؤمنين الخلص، وهي من صفات عباد الرحمن، أنه إذا خاطبهم الجاهلون، وهكذا عاملهم السفهاء بالإساءة، قالوا سلاما، كما في قوله عز وجل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. «هونا» أي فيهم تواضع وسكينة، ليس عندهم كبرياء وتفاخر وتعالٍ على الآخرين. ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، قالوا سلاما. وهكذا في قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾، والمقصود باللغو هو الكلام الذي ليس فيه فائدة، بل ربما تعقبه مضرة. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. سلام عليكم، لا نبتغي الجاهلين. فالإعراض عن الجاهلين هذا يا إخوان يعتبر من أسباب السلامة. قال: «لعلك سوف تسلم إن فعلت * إن فعلت». وماذا؟ عبارات أو أبيات الشعر في هذا الباب كثيرة، في هذا الباب كثيرة. فمن ذلك ما يروى عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو في ديوانه، وليس كل ما هو في ديوان الشافعي ثابت، فقد ذكر بعض العلماء أن هناك من الأبيات التي فيها من الحكم ما فيها وتعزى إلى الشافعي وليس لها أساس صحيح إلى الشافعي. فمما جاء عن الشافعي وهو موجود في ديوانه أنه قال: «يخاطبني السفيه بكل قبح * فأكره أن أكون له مجيبا يزيد سفاهة وأزيد حلما * كعود زاده الإحراق طيبا». كعود البخور، متى يشم رائحة البخور إذا تعرض للإحراق. وهكذا يا إخوان يعرف الشخص الخلوق الحليم، متى يعرف شخص أنه حليم وأنه ليس بعجل ولا غضوب ولا مستعجل؟ لا يعرف في الغالب إلا إذا إذا أوذي، يعرف عندها مدى ما عنده من حلم وصبر وتحمل وعفو وصفح إلى غير ذلك. قال: «يزيد سفاهة» أي السفيه الجاهل يزيد سفاهة، فماذا يفعله؟ قال: «فأزيد حلما * كعود زاده الإحراق طيبا». وهكذا أيضا جاء عنه رحمه الله تعالى أنه قال: «أعرض عن الجاهل السفيه * فكل ما قاله فهو فيه ما ضر نهر الفرات يوما * أن جاء كلب فبال فيه». ماذا يضرك إذا كنت على استقامة وعلى خير وعلى خلق حسن أن جاء أحد السفهاء يتنقص قدرك ويشكك في استقامتك، ويشكك في استقامتك؟ فلربما يحاول أن يلبسك ثوبا ليس ثوبك، ليس ثوبك، ويضعك في مكانة ومنزلة ليست منزلتك، حاول أن يتنقص. قال: «ما ضر نهر الفرات يوما * أن جاء كلب فبال فيه». أي معنى ذلك أنه ما سيغير منه شيئا، ما سيغير منه شيئا. وهكذا مما نقل عن الإمام الشافعي أنه كان يقول: «إذا نطق السفيه فماذا؟» من يكمل يا إخوان؟ عندك أبا عبد الرحمن، فلا تجبه. آه تكمل: «فخير من إجابته السكوت». طيب، أحسنت، كمل يا أبا صالح: «إذا نطق السفيه فلا تجبه * فخير من إجابته السكوت». عبد الرحمن، عندك ابن صالح. طيب، عند أصحاب الجدران، أي واحد مستند على الجدار عنده السؤال، السؤال كبير، صلينا. نعم يا إخوان، ما شاء الله، نسعد بحضور شيخنا وأستاذنا أبي عبد الرحمن، جزاك الله خيرا ومتعنا وإياك بالصحة والعافية. نعم، لو أسمعتنا يا أبا عبد الرحمن تفضلا: «إذا نطق السفيه». ما شاء الله، ما شاء الله. فأبيات جميلة تنسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، تنسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، مفادها يا إخوان أن الإنسان لا يجاري السفهاء، وما أكثرهم يا إخوان. جاء في وصف النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح البخاري وغيره، أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفض ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح»، ولكن يعفو ويصفح. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». بل ربنا عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. أي: وإذا غضبوا. وفائدة ستأتي معنا عن الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى ينقلها عما قبله، أن «ما» إذا جاءت بعد «إذا» فإنها تعتبر زائدة، فـ «فَإِذَا مَا غَضِبُوا» أي: وإذا غضبوا ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. وهكذا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فأجره على الله. الناس قد يقول: جبان، قد يقول: خائف، قد يقول: ضعيف، شتمه وسبه فما استطاع أن يجيبه. لا، ليس جبنا وليس ضعفا، وإنما هو حلم وخلق حسن، وخلق حسن. ولو تذكرون مرت معنا أبيات جميلة لصلاح الدين الصفدي في مطلع قصيدته الرائعة المليئة بالحكم الماتعة، كان يقول: «الجد في الجد والحرمان في الكسل * فانصب تصب عن قريب غاية الأمل واستشعر الحلم في كل الأمور * ولا تسرع ببادرة يوما إلى رجل وإن بليت بشخص لا خلاق له * فكن كأن لم تسمع ولم يقل». كأنك ما سمعت شيء، ولا قال هو شيء. وهذا يسمى يا إخوان التغافل، وهو يجمع أخلاقا كثيرة وعظيمة. قال رحمه الله تعالى: قال: ﴿وَلَا تُمَارِ سَفِيهًا﴾. ومنها ما سبق: الإعراض عن الجاهلين وعدم التنزل في منزلتهم، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. وقال الإلبيري رحمه الله: «ومن لك بالسلامة في زمان * تنال العصم إلا إن عصمت». هنا يقول: أي كيف تنال العصمة وكيف تنال السلامة من الشر ومن الأشرار إلا إذا عصمك الله عز وجل ونجاك ورحمك، كما قال تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾. فالمعصوم يا إخوان هو من عصمه الله عز وجل، والمرحوم هو من تفضل عليه ربنا عز وجل برحمة منه. نسأل المولى تبارك وتعالى أن يعصمنا وأن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.