التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 117

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 117

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 117، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم التشبه بأعياد المشركين وآثاره

يتناول تحريم التشبه بأعياد المشركين ويبين آثاره السلبية على المسلمين. يؤدي التشبه إلى سرور قلوب الكفار وقد يوقع المسلمين في الكفر أو الحرام.

تأثير المشابهة على الأخلاق والاعتقادات

يشرح كيف أن مشابهة الناس في الظاهر تؤثر على أخلاقهم واعتقاداتهم. مخالطة الكفار أو الحيوانات يمكن أن تؤدي إلى اكتساب صفاتهم وأخلاقهم.

خطورة مشابهة الكفار ومظاهر الموالاة

يحذر من خطورة مشابهة الكفار حتى في الأمور البسيطة وكيف يمكن أن تؤدي إلى الموالاة والمحبة لهم. يستشهد بالآيات القرآنية التي تنهى عن موالاة الكفار.

  • 12 جمادى الآخرة 1445هـ - 24/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك، أخذنا بعض الوجوه التي ذكرها الشيخ في مسألة التشبه بأعياد المشركين. من الاعتبارات التي تجعل التشبه بأعياد المشركين محرمًا، قال الوجه الخامس: إن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، خصوصًا إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصغار، فرأوا المسلمين قد صاروا فرعًا لهم في خصائص دينهم، فإن ذلك يوجب قوة قلوبهم وانشراح صدورهم، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص واستغلال الضعف. وهذا أيضًا أمر محسوس لا يستريب فيه عاقل. فكيف يجتمع ما يقتضي كرامتهم بلا موجب مع شرع الصغار في حقهم؟ شرع الصغار يعني أنهم يجعلون أدلة حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فالوجه الخامس يبين أن مشابهتهم في أعيادهم أو في بعضها يدخل السرور على قلوبهم، وأن المسلمين يتشبهون بهم، وخاصة إذا كانوا تحت ذل الجزية والصغار. ليس معنى أنهم إذا لم يكن كذلك أن المسلمين تشبهوا بهم، لا زال الأمر كذلك، فإذا رأوا أن المسلمين يتشبهون بهم، فهذا يقويهم أكثر على باطلهم. وكذلك قد يستغلون ضعفاء النفوس والجهلة فيستريبونهم في دينهم أو يسحبونهم إلى دينهم الباطل. قال الوجه السادس: إن مما يفعلونه في عيدهم ما هو كفر، وما هو حرام، وما هو مباح لو تجرد عن مفسدة المشابهة. ثم التمييز بين هذا وهذا يظهر غالبًا، وقد يعجز عن كثير من العامة. فالمشابهة فيما لم يظهر تحريمه للعالم يوقع العامي في أن يشابههم فيما هو حرام. وهذا واقع عن بعض الأشياء التي تحصل في عيدهم، وفي عيدهم هي كفر، مثل الاحتفال بعيد الميلاد كما يقولون ويعتقدون، أو يعتقدون في الصليب، تكون العيد بتعظيم الصليب، فهذا لا شك في كفره. وأيضًا دعاء، مثلًا، واستغاثة بعيسى أو شيء من الطقوس التي فيها مثل هذا، فهذا كفر. فمن فعل ذلك فهو قد كفر بالله. وبعض الأشياء قد يكون حرامًا، مثل الشهوات التي يفعلونها في تلك العيد، ما يسمونه الكريسمس أو كذا، فيفعلون الزنا والحرام في تلك الليلة، فهذا أيضًا مشابهتهم في الحرام. قالوا: ما هو مباح لو تجرد عن مفسدة المشابهة، يعني قد يكون هناك في أعيادهم أشياء قد تكون مباحة، وإذا عملها المسلم فالأمر أنه مباح، لكن إذا عملها بقصد التشبه فتكون حرامًا. إذا عملها بقصد التشبه تكون حرامًا، حتى لو كان أصلها مباحة وحلال، لكن لو فعلها بقصد التشبه فهي حرام، كما قد بيّن ذلك شيخ الإسلام فيما تقدم. قالوا: الفرق بين هذا الوجه ووجه الذريعة أن هناك قلنا: الموافقة في القليل تدعو إلى الموافقة في الكثير. وهنا جنس الموافقة يلبس على العامي دينه، حتى لا يميز بين المعروف والمنكر. فذاك بيان للاقتضاء من جهة تقاضي الطباع بإرادتها، وهذا من جهة جهل القلوب باعتقاداتها. معنى ذلك أن هناك في سد الذرائع أن الموافقة في القليل يؤدي إلى الموافقة في الكثير، وهذا الوجه الثاني الذي تقدم. لكن هنا أن الموافقة لهم ولو كانت قليلة فهي تلبيس على العامي، تلبس على العامي دينهم، ولأن موافقة العامي لهم أو العامي لا يدري هل هذا كفر أو أنه محرم أو أنه جائز أو كذا، فلهذا فهو تلبيس. قال الوجه السابع: ما قررته في وجه أصل المشابهة، وذلك أن الله تعالى جبل بني آدم بالسائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين. وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم. كما جاء في الأثر: «لا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب». أنا ما يتابع ويشابه إنسان آخرين إلا وهو يشابههم أيضًا حتى في قلبه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ لأن قلبه يصير مثلهم. قالوا: كلما كانت المشابهة أكثر كانت تفاعلًا في الأخلاق والصفات أتم. ولهذا بين الشيخ فيما تقدم أن المشابهة لها أثر في أفعال الإنسان، فإذا شابه آخرين لا شك أنه تجد ميل قلبه إليهم، بل قد يحبهم. ولهذا كثير من الجهال والذين لا يعرفون دين الله جل وعلا أو بعيدين عنه، تجد أنهم يشابهون الكفار في بعض الأشياء. حتى مثلًا في لعبة كرة القدم، وتجد أنه يحاول أن يشابه فلان اللاعب الفلاني في لعبه أو حتى في حركاته أو في كذا. وهذا لا شك أنه يوضع المحبة في قلبه له، يوضع المحبة في قلبه له. فتجده يريده أن يفوز في كل مباراة أو أن يأتي بأهداف أو كذا من هذه الأشياء التي تدل على محبة. وبعض الناس يستهين بمثل هذه الأمور، يظن أن هذه لا تدخل في الدين، وهي داخلة. لأن هذه الأشياء تورث عدم الولاء والبراء، وكذلك أيضًا تذهب قوة الإسلام من قلب العبد المسلم، وعدم كرهه وبغضه للكفار. فهذا مزلق خطير، مسألة الكرة هذه مزلق خطير. وكذلك التمثيل والمسلسلات وغيرها من هذه الأمور التي يلعب بها عدو الله عز وجل على كثير من المسلمين، حتى يتشبهون بهم أو حتى يحبوهم، يحبون هؤلاء الكفار. ولهذا قال: حتى يقول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط، يعني يلبس مثل لباسه ويتحرك مثل حركته، بل ويلعب مثل لعبه وهكذا. قال: ولما كان بين الإنسان وبين الإنسان مشاركة في الجنس الخاص، يعني جنس الإنسان، كان التفاعل فيه أشد. ثم بينه وبين سائر الحيوان مشاركة في الجنس المتوسط، أي أنه حيوان، فلابد من نوع تفاعل بقدر. ثم بينه وبين النبات مشاركة في الجنس البعيد، مثلًا، وهو أنه يحيا، يعني أنه حي ويحيا بعد أن يموت. قال: فلابد من نوع من المفاعلة. ولأجل هذا الأصل وقع التأثير أو التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة. ولهذا الطبع غلام، تجد أن الإنسان ينطبع بطباع مجتمعه ومن يمشي معهم ومن يخالطهم، وهذا معروف في الناس. قالوا: كذلك العادم إذا عاشر نوعًا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه. حتى إذا عاشر الحيوانات مثلًا الآن، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: «ترى الرحمة في أصحاب أو في أصحاب الغنم، وترى الكبر في أصحاب الوبر والخيل أو أصحاب الإبل». والوبر يعني الإبل، يعني تجد يأخذون حتى من طباع الحيوانات الرحمة، تجدها في أصحاب الغنم لأن الغنم فيها تواضع، فيها كذا، تجد التواضع في من يربيها. والإبل فيها كبر وتيه، وكذلك الخيل، فالذي يعيش مع الإبل ومع الخيل يكتسب من أخلاقها. ولهذا تجد رعاة الإبل دائمًا يكونون فيهم شيء من الكبر والتيه، وهكذا رعاة الخيل وغيرها. وهذا مستنبط مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا المؤلف يقرر هذا الأمر، قال: إذا عاشر نوعًا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه. لهذا صار القيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة والتواضع والرحمة في أهل الغنم. وصار الجمالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال. وكذلك الكلابون، الكلابون يعني الذين يخالطون الكلاب. وصار الحيوان الإنسي فيه بعض أخلاق الناس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة. حيوان الإنسي مثل القط، الحمار الإنسي، وحتى الكلب إذا كان يخالط الإنسان دائمًا تجد يكتسب من أخلاق الناس. قال: فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المشارقة والتدريج الخفي. وهذا أشياء مشاهدة واقع، يريد الشيخ أن يبين أن مثل هذه الأمور تحصل، فإن الشخص إذا شابه آخر تأثر بهذه المشابهة، وقد بيّن ذلك رحمه الله فيما سبق. قالوا: قد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفرًا من غيرهم. كما رأينا المسلمين الذين أكثر معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام. هذا صحيح، الآن تجد مثلًا اليهود الذين يسكنون اليمن أو يخالطون الناس، بعضهم حتى ما تعرف أنه يهودي إلا بزنارته. أنا بالشعر هذا الذي يخرجونه الزنارة، فهذا تعرفه بهذا، وإلا فهو يخالط المسلمين، تجده في السوق. حتى بعضهم كانوا يعملوا لقاء مع بعض اليهود وهكذا، فكان أحدهم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الله صلى الله عليه وسلم عليه»، وهو يهودي ليس مسلمًا. فهذا مما أخذوا من طباع المسلمين أن يتأثروا حتى بعادات الناس. ما يصلونهم لكنهم يأخذون من الطباع، ويكون الذي يعاشر مثلًا المسلمين أقل عداوة من غيرهم. قالوا: المشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضًا مناسبة وإتلافًا. المشاركة في الهدي الظاهر، يعني في الطريقة الظاهرة، يوجب أيضًا مناسبة وإتلافًا. قال: وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضًا أمر محسوس. فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هو سبب لنوع من اكتساب أخلاق التي هي ملعونة. قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَمَا كَانَ ظَنُّهُمْ بِرَبِّهِمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وما كان مظنة لفساد خفي غير منطبق، علق الحكم به وأدير التحريم عليه. فنعلق الحكم بالمشابهة. قال: فنقول مشابهتهم في الظاهر سبب، وما ظن لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات. وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط. والآن هذا واقع كثيرًا من الناس ممن ينتسب للإسلام، وتجده لا يفرق بين المسلم والكافر. مثل ما يحصل في كثير من المناطق، مثلًا في مصر، بحكم مثلًا أنهم يعيشون الأقباط، أو في بعض الأماكن التي يعيشون مع النصارى. فتجد الواحد من المسلمين ما يفرق بين النصراني والمسلم، ويعامل بل قد يعامل النصراني أفضل من معاملته للمسلم. وهذا بسبب التأثير. بل أحيانًا حتى يكون التأثير في الاعتقادات. وأيضًا كذلك كما يبيّن الشيخ أنه أحيانًا يأخذ المسلمون بعض الاعتقادات من هؤلاء الكفار. الآن هذا التصوف من أين دخل؟ هذه العبادات دخلت من دين النصارى، أكثر هذه الأشياء التي تأتي من التصوف دخلت من دين النصارى. وغالبها جاءت من الغرب أو جاءت أقصد من الشرق، جاءت من الشرق. لأن الصوفية استولت على ذلك المكان، وكانوا يعايشون النصارى دائمًا، إن كان النصارى عندهم، فيتعايشون معهم. فأخذوا من عاداتهم، بل أخذوا من عباداتهم واعتقاداتهم. قال: والتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط. ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر ويتعذر زواله بعد حصوله، ولو تفطن له. وكل ما كان سببًا إلى مثل هذا الفساد، فإن الشارع يحرمه كما دلت عليه الأصول المقررة. فخلاصة هذا الوجه: وهو أن أصل المشابهة له تأثير على الفاعل بالمتشبهين. قال الوجه الثامن: إن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة. وهذا آخر ما يكون من المشابهة، أنه يورث نوعًا من الودة والمحبة، كما ضربنا لكم مثالًا في أصحاب الكرة أو في أصحاب التمثيل أو غيرهم. فتجد في البداية أنه يقلد فقط حركاته أو يقلد لعبه أو يحبه لأنه لما يلعب، لكن بعد ذلك تورث هذه الأشياء محبة ومودة له. قالوا: موالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر. وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة. معنى ذلك أن الإنسان إذا أحب إنسانًا في باطنه، فإنه يحب أن يتأثر به ويتشبه به. حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة والإتلاف أمر عظيم. وهذا مشاهد، أنا لو أن إنسانًا مثلًا من بلاد بعيدة، مثلًا الآن الإخوة اللندنيون مثلًا يأتون من بلدانهم، لا يعرف بعضهم بعضًا. لكن لما يكون في مكان واحد، تزداد مودتهم ومحبتهم لأنهم على طباع واحدة، وأيضًا كلامهم واحد، فتزداد بينهم العلاقة. وهكذا الإنسان مثلًا إذا كان من اليمن، ذهب إلى بلاد بعيدة مثلًا إلى أوروبا أو إلى شرق آسيا وغيره، ووجد من يكون من بلده هناك. حتى ولو كان من بلاد بعيدة مثلًا عربي، فتجد أنه يميل إليه. وإذا كان من بلاده من نفس البلاد، يكون ميله أكثر فأكثر. قال: فهذا أيضًا أمر محسوس. فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هو سبب لنوع من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة. قال: وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة والإتلاف أمر عظيم. وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أنه كانوا في بلدهم ما كانوا متعارفين، لكن لما يأتون إلى الغربة ويجد أن هذا من بلده، يتعارف معه. أو كانا متهاجرين حتى لا يكلم بعضهما بعضًا هناك. قال: وذاك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختص به عن بلد الغربة. بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك، لكان بينهما من الاتلاف أكثر مما بين غيرهما. الإنسان ذهب إلى بلاد أوروبا، وجد واحد عمامته مثل عمامته، لا شك أنه سينظر إليه ويحاول أنه يتعرف عليه، يظن أنه مثلًا من بلاده أو حتى إذا لم يظهر من بلاده، لكن اكتسب هذا الشيء من البلاد اليمنية. أحيانًا مثلًا يذهب الإنسان إلى بلاد أوروبا وكذا، فيجد ناس يربطون العمامة مثل اليمنيين، وهو مثلًا تجده أوروبي، يعني أجنبي، لكنه مسلم مثلًا. وتعلم مثلًا في اليمن أو كذا، فأخذ طباع اليمنيين. فتجد أيضًا أن هذا اليمني إذا رآه أو هذا مثلًا سعودي إذا رآه، يميل إليه. قال: ونحو ذلك لكان بينهم الاتلاف أكثر مما بين غيرهما. وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضًا، أنا المهندس يألف المهندس، والدكتور الطبيب مثلًا يألف الطبيب، وهكذا أكثر من ما يألف غيره. قال: ما لا يألفون غيره، حتى أن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة، إما على الملك وإما على الدين. وتجد الملوك ونحوه من الرؤساء، وإن بعدت ديارهم ومالكهم بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض. معنى ذلك قد يقول: لماذا الشيخ يسهب في هذا الكلام؟ الشيخ رحمه الله يريد أن يبين أن هذا خطر عظيم، لأن كثيرًا من المسلمين لم يعرف هذا الخطر، وهو مشابهة الكفار ولو في شيء يسير، فإن هذا يورث بعده أشياء أخرى. فلهذا يريد أن يثبت هذا الأمر من باب الواقع. قال: وهذا كله موجب الطباع ومقتضاه، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص. يعني إذا كان الإنسان يمشي على دينه، فلا يفرق بين كافر عربي أو كافر إنجليزي، أيضًا لا يفرق بين مسلم عربي وبين مسلم أيضًا من بلاد أخرى. لأنه دينه لا يأمره بالتسوية بين المسلمين، وإنما يفرق بينهم بأشياء أخرى من الاعتقادات وغيرها. قال: فإذا كانت المشابهة في أمور الدنيوية تورث المحبة والموالاة لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد. إذا كان المشابهة في شيء مما اعتقدوا بدينهم. قال: والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. وقال تعالى فيما يدل به على أهل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. فبسبب أنهم لم ينهى بعضهم بعضًا، أخذهم الله عز وجل وضرب قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان أنبيائهم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ۝ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مَا تَوَلَّوْهُمْ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم. فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لابد من الولاء والبراء، الولاء للمسلمين والبراء من المشركين ومن الكفار وغيرهم ممن ترك الإسلام. قال: وقال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾. قال: فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا، يعني يحب كافرًا. لا يوجد مؤمن يحب الكفار. ثم بعد ذلك ينظر ما الذي جعله يحب هؤلاء الكفار؟ فإن كان يحبهم لأجل دنياهم، فهذا شيء آخر. وإن كان أيضًا يؤثر في عقيدته، فإنه ليس بكافر. وإن كان يحبهم لدينهم، فهو كافر. وإن كان يحب إظهار دينهم أو إظهارهم، فإنه أيضًا يعتبر في قلبه الكفر. قال: فمن أراد فمن واد الكفار فليس مؤمنًا. والمشابهة الظاهرة مضنة الموادة، فتكون محرمة كما تقدم تقرير مثل ذلك. وأعلم أن وجوه الفساد في مشابهات كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه. أن هذه الأوجه الثمانية التي ذكر الشيخ، وإلا في الأوجه كثيرة. فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.