الدرس في مسائل وأحكام من حديث الرضى بالله والنبي والإسلام 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرح معنى "رضيت" في الذكر العظيم، حيث تعني الاكتفاء والقناعة. يُفصّل معنى الرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا.
الرضا بالله ربا يستلزم التوكل عليه وإخلاص العبادة له والإيمان بالقضاء والقدر. كما يتضمن الرضا بقضائه وقدره في المصائب والابتلاءات.
يتضمن الرضا بالله ربا الرضا بقضائه وقدره، ويختتم بالتوجيه إلى الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذا المقام نتذاكر وإياكم ما يتعلق بهذا الذكر العظيم، وبهذا الورد الكريم، وهما جاء في سنته عليه الصلاة وأفضل التسليم: «رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا». وأشرنا في مقامات سابقة إلى ما يتعلق أولا بمناسبة أو مناسبات ذكر هذا الورد، متى يقال؟ وأشرنا كذلك إلى شيء من فضائل هذه الكلمة، وما أعده الله لأصحابه في الدنيا والآخرة. وها نحن في هذا المبحث، إخواني في الله، نتدارس وإياكم ما يتعلق بمعنى هذه الكلمات، فإن الكلمات والأوراد والأذكار إنما تستمد قوتها من باب تأمل وتدبر صاحبها. فعلى قدر ما تظهره يا عبد الله من علم ومعرفة بهذه الكلمة، يظهر ثمرتها في حياتك وواقعك. ولهذا كان لزامًا على كل مسلم ومسلمة أن يكون على اطلاع ومعرفة بمعاني هذه الكلمات، والتي يرددها ليلة نهار، صباح مساء. ففي الذكر «رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا»، ما معنى «رضيت»؟ أشار الإمام النووي رحمه الله تعالى إلى أن كلمة «رضيت» وما تفرع عنها كالرضى هي بمعنى الاكتفاء بالشيء، الاكتفاء بالشيء، وأنك قنعت به، وأنك لا تطلب غيره، هذا هو معنى الرضى. فقولك «رضيت بالله ربا»، أي أنك اكتفيت بالله هو ربك، فلن تطلب إلها ولا ربا سواه. وأنك رضيت بالإسلام دينا، أنك اكتفيت بهذه الملة الحنيفية السمحة، فلا تطلب دينا غير دين الإسلام. وكونك رضيت بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، أي أنك اكتفيت بشريعته، فلا تطلب شريعة غير شريعته عليه الصلاة والسلام. هذا معنى «رضيت». فإذا كان الأمر كذلك، إخواني في الله، فحينها سنعلم أن الناس يتفاوتون تفاوتا عظيما في هذا المضمار. لأن هذه الكلمات، وإن كنا جميعا نتساوى في التلفظ بها والنطق بها، إلا أننا نتباين فيما بيننا تباينا شاسعا في القيام بمقتضاها، وما تستلزمه هذه الكلمات. فليس كلنا سواء في الاكتفاء بالله ربا، كما سيأتي معنا، أو بمحمد الرسول، أو بالإسلام دينا. فعلى قدر ما كان منا من تفاوت في تحقيق معاني هذه الكلمات، ظهر ذلك في حقيقة رفعتنا عند ربنا جل في علاه. نبدأ أولا، إخواني في الله، في معنى «رضيت بالله ربا»، هذه الكلمة التي تستلزمه. قلنا بالمعنى العام، أي أنك تكتفي بالله ربا وإلها. هذه الكلمة، كما قال العلماء، تستلزم عدة أمور، فافهمها وأنت دائما تردد هذا الذكر «رضيت بالله ربا»، ما معناه؟ ما مؤدى معناه؟ أولا، أنك تتعلق بالله لا بغيره، وهذا هو حقيقة التوكل على الله جل في علاه. فإن من حقيقة أنك ترضى بالله ربا، بأن ترضى بأن تتعلق به سبحانه وتعالى في كل شؤونك، في كل أمورك، في أقوالك، في أفعالك، في أعمالك وأحوالك، في حركاتك وسكناتك، لا تتحرك ولا تقوم إلا وأنت تعتمد على الله في كل أمورك، صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، لا تلتفت إلى سواه، ولا إلى غيره سبحانه وتعالى. وإن الإنسان متى ما استشعر وعلم أن ما في الكون هو ملكه، وأن الخلق هم عبيده، وأن كل شيء بيده وتحت قهره وسلطانه، كان مؤدى ذلك أن يظهر في مدى تعلق العبد بالله. حينها يكون نجواه وبثه وحزنه ونداه ودعاه وطلبه ورجاؤه وتضرعه وشكواه إلى ربه مولاه، لا إلى غيره سواه سبحانه وتعالى. ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. توكل على الله يا عبد الله في كل شيء، مما أصبحت إلى أن تمسي، وأنت تفوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى، لا تملك لنفسك نفعا ولا ضرا، ولا حياة ولا موتا، وإنما تفوض أمرك إلى الله جل علاه، وتوكل على الحي الذي لا يموت جل علاه. ومن كان صادق الاعتقاد والظن في الله هداه ربه واكتفى وكفاه، وكفاك سبحانه وتعالى. ولهذا، من حقيقة أنك ترضى بالله ربا، بأنك يا عبد الله تعتمد على الله في كل أمورك وشؤونك، لا تتكل على عقلك، ولا على عشيرتك، ولا على نفسك، ولا على هواك، ولا على أسباب مادية. فالله عز وجل هو الذي يسر الأمور سبحانه وتعالى. هذا هو من أعظم حقائق «رضيت بالله ربا»، حقيقته أن تظهر في مدى مصداق توكلك على الله جل وعلا. وكان من دعائه «اللهم بك أصول، بك أجول، وبك أقاتل»، فلا يطلب الخير إلا به، ولا يدفع الشر إلا به سبحانه وتعالى. الأمر الثاني من مقتضيات الرضا بالله ربا، ما يكون من صدق العبادة والتعبد لله. فكونك ترضى بالله ربا، من لوازمه أنك ترضى بالله إلها، ترضى بالله معبودا، هو معبودك لا معبود لك سوى سبحانه وتعالى. لأن من لوازم ربوبية الله جل وعلا أن تخلص له التعبد. ومن هنا كانت أول آية في القرآن فيها الأمر، وهي قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾. والذي خلقكم، لما كان ربنا هو الخالق، وهي من مقامات ربوبية، كان من لوازمها العبودية. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. فإن من مقتضى الربوبية حقيقة العبودية، أن تتعبد الله. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في بيان أعظم الظلم: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك وهو رازقك»، ثم تجعل له معبودا سوى يزاحمه في العبودية، هذا ليس من الرضى بالله ربا. فإن من الرضى بالله ربا أن يكون ربك معبودك، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. هذا من مقتضيات الربوبية، كما أنك تعلم وتعتقد وتوقن بأن الله هو رب السماء وهو رب الأرض ورب الخلائق أجمعين، ما الذي يتحتم عليك بعد ذلك؟ ﴿فَاعْبُدْهُ﴾، تعبده، تتعبد إليه، بل وتصطبر على عبادته إلى أن تأتيك منيته. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، حتى يأتيك الموت. فليس من صحة أن تقول «رضيت بالله ربا» وأنت تعصيه، كحال الكثير من العصاة، مما لربما يقترف الجرائم والكبائر والحرمات والمحرمات ليل نهار، وهو يقول «رضيت بالله ربا»، هذا ليس له واقع في حياتك، ليس له واقع. لو كنت يا عبد الله صلى بحقيقة أمرك أنك راض بالله ربًا وهو معبود، لكنت من أشد الناس تعبدا له، وأن لا تزاحم الله في عبوديته لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. ثالثا، مما يقتضيه «رضيت بالله ربا»، الإيمان بالقضاء والقدر. ولعل هذه المسألة هي من أخص معاني «رضيت بالله ربا»، حتى أن من العلماء إذا مر على معاني هذه الكلمة «رضيت بالله ربا» لربما اختزل معنى هذه الكلمة في مقام الإيمان بالقضاء والقدر. إذا أردت أن تعرف أنك مستجيب ومنقاد لهذه الكلمة، انظر كيف أنت تتعامل مع قضاء الله وقدره، هنا المحك، هنا المحك. لأن الرضا بالله ربا أن ترضى بقضائه وقدره، وهذا من أعظم أبواب الدين. فما قدره الله على العباد، ما تجده في الكون كله، إنما هو بتقدير الله جل وعلا. انظر في نفسك، ما الذي قدر عليك أن تكون على هذه الصفة من الخلقة؟ وتأمل في أحوال البشر، من الذي ميز بينهم في خلقتهم؟ هو الله جل وعلا، والذي قدر عليهم ذلك، جعل ذلك الطويل، وذلك القصير، ذلكم الأبيض، وذلكم الأسود، ذلكم الجميل، وذلكم القبيح، ذلكم الفقير، وذلكم الغني، هذا من أين؟ هذا من قضاء الله وقدره، ليس بصولك، ولا بنسبك، ولا بحسبك، قد قدرت ذلك لنفسك، إنما الله هو الذي قضاه عليك. كما قال سبحانه وتعالى في بيان الأرزاق: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. فربنا عز وجل فاوت بين الأرزاق بين العباد. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، يبسط، يعطي، يعطي العطاء الكثير، بسط في الرزق، يجعل من يجعل كما يسمى بالأثرياء، بمليونير، أموال ضخمة. وبالمقابل هو جل فعله يقدر أن يضيق، يضيق الأرزاق على العباد، لماذا؟ لأن الله عز وجل أرجع ربنا ذلك لعلمه: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. فالعلم الله بأحوال العباد، فاوت بين الأرزاق. هذا من تقدير الله. فالإنسان يرضى، لا يتصخب، لا يتذمر، لا يشتكي، لا يظل طول دهره وهو شاكي باكي، ليس بيراضي على قدر الله وقضائه. ومن هذا الباب كذلك، أن ترضى بما قدره الله عليك بالمصائب. لربما ابتليت يا عبد الله بمظلمة، ابتليت بشدة، ابتليت بجوع، ابتليت بأمراض، بآلام فيك أو في أهلك أو في عيالك، هذا من أين؟ هذا من الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان في حديث ابن عباس: «وعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا على شيء قد كتبه الله عليك، ورفعت الأقلام وجفت الصحف». فالإنسان متى ما كان هذا حاله، قد استيقن واستوثق أن ما يكون في الكون إلا بقدر من الله سبحانه وتعالى، حينها يرضى. فالله جل وعلا يرضى عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال العلماء هنا: «ومن يؤمن بالله» أن يعلم أن هذه المصيبة هي من الله، إذا علمت ذلك، ألقى الله جل وعلا عليك الرضا في قلبك، يهدي قلبه. فعلى قدر ما تعامل يا عبد الله قضاء الله وقدره، يعاملك الله سبحانه وتعالى. وهذه من أسمى معاني «رضيت بالله ربا». فالشاهد إخواني في الله أن هذه الكلمة ليست عبارة عن كلمات أو أحرف تلفظ باللسان وتلاك بالأفواه، وإنما هي معنى ينبغي أن يظهره المسلم في حياته. لأنه على قدر ما يكون من رضاه في صدق توكله على الله، وتعبده لله، وإيمانه بقضائه وقدره، فالله يرضى عنه. وما يتعلق بالإسلام دين، سيأتي معنى هذا وفي معانيه في درس غد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.