الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 82، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حديث أبي سعيد الخدري الذي يحذر فيه النبي ﷺ من اتباع المسلمين سنن اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة. ويبين أن التشبيه بريشتي السهم ودخول جحر الضب يدل على شدة المشابهة في المعتقد والعبادات والانحطاط الخلقي.
يفسر المقطع الحديث بأنه تحذير وإنشاء لواقع سيقع في الأمة من عبادة الطاغوت والأوثان اقتداءً بالأمم السابقة. ويستدل بآيات الجبت والطاغوت ومسجد الضرار مؤكداً وقوع الشرك في هذه الأمة كما وقع فيمن قبلهم.
يوضح المقطع أن الحديث يُعد علماً من أعلام النبوة ويبرز أهمية معرفة طرق الأمم السابقة لتجنب التشبه بهم. كما يشير إلى استعظام الصحابة لهذا الأمر وتحذير ابن عثيمين من ازدياد الشر بطول العهد عن النبوة.
يؤكد المقطع أن الحديث عام في معناه وأن ذكر اليهود والنصارى جاء على سبيل التمثيل لا الحصر. ويختتم المؤلف شرحه بالتأكيد على هذا العموم وختم الدرس بالحمد لله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب ما جاء في أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان: بعدما ذكر أدلة ذلك من القرآن، ثنى بذكر الأدلة من السنة، فقال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». ومعنى هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها. و"سنن" بالفتح هي الطريق، وبالضم هي الطريقة. فمعنى "سنن" أي: طرق من كان قبلكم، أي من الأمم السابقة، كاليهود والنصارى، كما جاء في آخر هذا الحديث. وقوله: «حذو القذة بالقذة»: هذه الزيادة ليست في الصحيحين، وإنما وردت عند الإمام أحمد في مسنده. ولذلك من الخطأ أن تذكر في الحديث ثم يحال هذا الحديث إلى الصحيحين، لأن هذا اللفظ ليس فيهما. والقذة: أي ريشة السهم. السهم يكون في مؤخرته ريشتان، وهاتان الريشتان متساويتان، يعني لا تكون إحداهما أكبر من الأخرى، بل متساويتان في الحجم، وكذلك في الطول أو القصر أو نحو ذلك. فإذن قوله هنا: «حذو القذة بالقذة» فيه كناية عن شدة المشابهة، أي أن هذه الأمة تشابه الأمم التي كانت قبلها مشابهة شديدة في أمور كثيرة: في المعتقد، وفي العبادات، وفي الأخلاق والسلوك ونحو ذلك. فهذا كناية عن شدة المشابهة. وقوله: «حتى لو دخلوا جحر ضب»: الجحر هو مسكن الضب، والضب من الحيوانات التي تسكن الجحر الوعر، الملتوي في باطن الأرض، وتعمل لجحرها فتحتين، بحيث إذا هجم عليها من إحدى هاتين الفتحتين نفذ وخرج من الفتحة الأخرى. فهذا أيضًا فيه كناية عن شدة هذه الطرق التي يشابه فيها المسلمون اليهود والنصارى، وأنها طرق وعرة، وطرق ملتوية، وطرق خطيرة، تكون سببًا في هلاك من اتبعها. فهذا معنى قوله: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث، ويصححه العلامة الألباني عند الحاكم من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حتى لو أن أحدكم جامع أمه علانية في الطريق لفعلتم». يعني: لو أن أحدًا من أهل الكتاب فعل هذه الفعلة الشنيعة الخسيسة، لرأيت من هذه الأمة من يفعلها. وما أعظمها من جريمة! يوم أن يأتي الرجل أمة، ليست أي أنثى، وإنما أمه، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يفعل معها ذلك علانية أمام الخلق، أمام الناس. يعني: فعل عظيم شنيع. ومع هذا، لو فعل أهل الكتاب ذلك، لرأيت من هذه الأمة من يفعله. فهذا تفسير لمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، يعني: مهما فعلوا من أعمال، ولو كانت أعمالًا شنيعة، ولو كانت أعمالًا خسيسة قبيحة، غاية في القبح وغاية في النذالة، فلرأيت من هذه الأمة من يفعل ذلك. فقال الصحابة: من هؤلاء الذين نتبع طرقهم؟ من هم هؤلاء يا رسول الله؟ هل هم اليهود والنصارى؟ الصحابة فهموا ذلك، ولكن أرادوا التثبت وأرادوا تقرير ما في نفوسهم، فقالوا: اليهود والنصارى؟ أي: تعني اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فمن». وقولهم: "اليهود والنصارى"، أي: أتعني اليهود؟ هكذا يكون التقدير، فهو مفعول به لفعل محذوف مع فاعله، أي: أتعني اليهود والنصارى يا رسول الله؟ فأقرهم على ما في نفوسهم، فقال: «فمن». فمن القوم إلا هم، كما جاء في بعض الروايات. وقوله: «لتتبعن» هذا يسميه العلماء: الخبر الذي معناه الإنشاء والطلب. فليس معنى هذا الحديث الحث على هذه المشابهة، أو كذلك ليس معناه إقرار ما سيحدث من كثرة هذه المشابهة، وإنما المراد به التحذير، التحذير من مشابهة اليهود والنصارى. فخرج الحديث مخرج الطلب والإنشاء، لا مخرج الخبر، وإن كان لفظه لفظ الخبر. «لتتبعن» يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكن فيه التحذير، وفيه النهي عن مشابهة أهل الكتاب. ووجه الشاهد من هذا الحديث: أن أهل الكتاب عبدوا الطاغوت وعبدوا الأوثان، فستجد من هذه الأمة من يعبد الطاغوت ومن يعبد الأوثان. وقد تقدم معنا في درس أمس أن الشاهد من الآيات التي ذكرها المؤلف لا يفهمها القارئ إلا إذا ضمها مع هذا الحديث. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 51]، أي: فمن هذه الأمة من يتبع اليهود في ذلك فيؤمن بالجبت والطاغوت. وعرفنا ما معنى الجبت وما معنى الطاغوت: فيدخل في معنى الجبت عبادة الشيطان، وكذلك السحر، وكذلك يدخل في الجبت الشرك بالله سبحانه وتعالى. فمن هذه الأمة من يشرك بالله مشابهة لليهود. وهكذا في الحديث الآخر، أو في الآية الأخرى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: 60]. فمن أهل الكتاب من عبد الطاغوت، ومن هذه الأمة من يعبد الطاغوت. وهكذا الآية الثالثة: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: 21]. فمن هذه الأمة من يتخذ على القبور المساجد. فهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. وابن عثيمين عليه رحمة الله ذكر أربع فوائد تحت هذا الحديث: قال: في هذا الحديث أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان لأنهم من سنن من قبلنا، وأننا سنتبعهم. ويعد هذا الحديث علمًا من أعلام النبوة، إذ أخبر عن شيء مستقبل غيبي فوقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام. وذكر أيضًا من فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي معرفة ما كان عليه من قبلنا، لأننا نُهينا عن أن نتشبه بمن قبلنا، إذن وجب علينا أن نعرف ما هي طرق وما هي سبل من كان قبلنا. ما الحكمة من هذه المعرفة وهذا العلم؟ حتى لا نتشبه بهم. فمن لم يعلم طرق المجرمين وطرق الكافرين يوشك أن يقع فيها، ومن علمها وخبرها صار في منأى عنها، وصار في بعد عنها، لأنه يعلم أنها ليست من سنن أهل الإسلام، وإنما هي من سنن الكفار. فهذا معنى قولي: إنه ينبغي معرفة ما كان عليه من قبلنا مما يجب الحذر منه لنحذره. وغالب ذلك موجود في الكتاب والسنة، فلا نتابعهم في معصية الله، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلْتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]، أي: لتتضح سبيل المجرمين. فالله عز وجل يبين لنا ما هم عليه من تلك الطرق المنحرفة. وقال: من فوائد هذا الحديث: استعظام الصحابة لأمر اتباعنا سنن من قبلنا بعد أن جاءنا الهدى، فلذلك قال الصحابة: «اليهود والنصارى؟» قالوا هذا السؤال استعظامًا لما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والفائدة الرابعة: قال: كلما طال العهد بين الإنسان وبين الرسالة، فإنه يكون أبعد من الحق. لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر أن هذا الأمر سيكون بعده: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، أي في المستقبل. فكلما بعد الناس عن عهد النبوة كان الشر فيهم أكثر، كما قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه لما اشتكى إليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ظلم الحجاج، فقال لهم: «اصبروا، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوني على الحوض». يعني: ما من زمن يتأخر عن زمن النبوة إلا وكان شرًا ممن قبله، من العهود والعصور. فهذا فيه هذه الفائدة التي ذكرها العلامة ابن عثيمين. وأخذنا وجه الشاهد من هذا الحديث، وفيه كذلك التحذير من سلوك سبل وطرق المجرمين والمنحرفين، سواء كان من اليهود أو من النصارى أو من غيرهم. ففي بعض الروايات قال الصحابة: أهم المجوس؟ قال: «نعم». يعني: ذكر لفظ المجوس، وذكر لفظ غيرهم. والجمع بين ذلك: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر ذلك على سبيل المثال. فكل من انحرف عن جادة أهل الإسلام، فنُهينا عن التشبه به، سواء كان من اليهود، أو من النصارى، أو من اللادينيين، أو من المجوس، أو من الشيعة، أو من البوذيين، أو من غيرهم من الكافرين. فالمسلم نُهي عن التشبه بكل كافر وكل منحرف. فالحديث عام، وإنما ذكر بعض هؤلاء الكفار على سبيل التمثيل، لا على سبيل الحصر. والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا، وإلهنا، والحمد لله رب العالمين.