كتاب الصيام 1

الدرس في كتاب الصيام 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تعريف الصيام لغةً وشرعاً والفرق بين الفجرين

يشرح هذا المحور تعريف الصيام لغةً بالإمساك وشرعاً بالإمساك عن المفطرات من الفجر الصادق إلى الغروب، مبيناً الفرق بين الفجر الكاذب والصادق. كما يستعرض فضائل الصيام العظيمة من الأحاديث النبوية وينهي عن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين إلا لصاحب العادة.

مراحل فرض صيام رمضان ونسخ وجوب عاشوراء

يتناول هذا المحور تطور أحكام الصيام من وجوب صيام عاشوراء ثم نسخه بفرض رمضان، مروراً بمرحلة التخيير بين الصيام والفدية. ويشير إلى استحباب الإكثار من الصيام في شعبان وجواز إطلاق اسم رمضان دون إضافة.

أحكام صيام ما قبل رمضان ويوم الشك وضوابط رؤية الهلال

يفصل هذا المحور كراهة صيام يوم أو يومين قبل رمضان احتياطياً مع استثناء من له عادة صيام، وتحريم صيام يوم الشك. ويوضح ضوابط رؤية هلال رمضان وشوال من حيث عدد الشهود وإكمال العدة عند الغيم.

الختام بالدعاء والصلاة على النبي

يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء للحضور بالهداية والرضوان والصلاة على النبي محمد وآله. ويختم الذكر بالتكبير والشهادتين كخاتمة للدرس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام": "كتاب الصيام". قال: "كتاب الصيام". ومضى معنا المقصود بقوله "كتاب"، أي: هذا مكتوب في بيان أحاديث متعلقة بأحكام وآداب الصيام. والصيام في اللغة هو الإمساك. الصيام في اللغة هو الإمساك. ومنه قول الله عز وجل عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26]. ﴿أَنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا﴾، أي: صوماً عن ماذا؟ عن الكلام. ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. وهكذا ذكر النابغة الذبياني في شعره، قال: خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ...... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْرِفُ اللُّجْمَاءَ والمقصود بهذا، المقصود بهذا، أي: المقصود والمراد بالخيل الصائمة، أي: الممسكة عن الصهيل، وقيل: الممسكة عن السير، كما ذكر ذلك الإمام ابن فارس. وهكذا أيضاً نقله عنه الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وأما في الشرع، فذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى كما في كتابه "المجموع"، قال: "هو إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص".كذا ذكر رحمه الله تعالى وغفر له. وذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى كما في كتابه "المغني"، قال: "هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس". إلى غروب الشمس. فإذا حقيقة الصيام شرعاً: أنه التعبد لله عز وجل بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. إلى غروب الشمس. والفجر فجران: فجر كاذب، وفجر صادق. أيهما يظهر أولاً؟ الكاذب أم الصادق؟ نعم، الكاذب. لماذا قيل له كاذب؟ يظهر ثم يختفي. ولماذا قيل للثاني صادق؟ يظهر ثم يزداد في الظهور والانتشار حتى يصبح ويسفر، وتطلع الشمس بعد ذلك. وهناك فروق ذكرها العلماء بين الفجر الصادق وبين الفجر الكاذب. منها ما سبق: أن الفجر الكاذب يظهر ثم يختفي، والصادق إذا ظهر يزداد في الظهور والانتشار حتى يصفر. وهكذا من هذه الفوارق: أن الفجر الكاذب يظهر مستطيلاً طويلاً، نعم، من المشرق إلى جهة المغرب. بخلاف الصادق، فإنه يكون معترضاً، معترضاً في الأفق. ذكروا كذلك أيضاً: أن الصادق إذا ظهر، يكون بينه وبين الأفق فاصل، يعني: مثل الظلمة، يظهر ضوء ثم ظلمة ثم يأتي الضوء. بخلاف الفجر الصادق، فإنه متصل، فإنه متصل. أيضاً هناك فرق من ناحية الحكم، ألا وهو: أن الفجر الكاذب يجوز للصائم أن يأكل وأن يشرب، وأن يشرب، ويحرم فيه صلاة الفجر لأن وقتها لم يدخل بعد. أما الفجر الصادق، فماذا يحرم على الصائم؟ الأكل والشرب وسائر المفطرات. وماذا أيضاً يجوز عنده؟ أن يصلى صلاة الفجر. قال الله عز وجل: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. جاء عن عبادة بن الصامت، لما عَرَأ، لما يعني: ذكر الفجر الصادق، أو لما نزلت هذه الآية: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، أتى بعقالين: عقال أسود وعقال أبيض، ووضعها عند وسادته، فيستيقظ فينظر إليهما، فمتى ما تبين الأبيض من الأسود، قال: فجر. فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال له: «إِنَّ وَسَادَكَ لَعَرِيضٌ». وساد حقك، هذا الوسادة عريضة، حيث أنها شملت الخيط الأسود والخيط الأبيض. والمقصود بالخيط الأبيض: أي نور الفجر، والخيط الأسود: أي ما تبقى من الليل. فجاء مفسراً لذلك: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. المقصود بالخيط الأبيض: نور الفجر، والأسود: ما تبقى من ظلام الليل. ما تبقى من ظلام الليل. والصيام عبادة عظيمة وقربة جليلة، يتقرب بها العبد إلى ربه عز وجل. في حديث أبي أمامة، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أن سئل عن عمل، فقال للسائل: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا عَدْلَ لَهُ»، أي: لا يعدله شيء من الأعمال في كثرة الأجر. في كثرة الأجر. وهكذا أيضاً، وهكذا أيضاً، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ، إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ». قال العلماء: هذا الأسلوب يدل على كثرة الأجر وعظيم الثواب. قال: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي». لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. قال رحمه الله تعالى: قال، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ». وَفِي بَعْضِهَا: «إِلَّا رَجُلًا». وَالْأَقْرَبُ وَالْأَصْوَبُ: رَجُلٌ. «كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ، كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ». وهذا الحديث يتعلق بحكم سبق رمضان بصيام، يعني: أن يصوم الشخص قبل رمضان صياماً، قبل رمضان صياماً. وصيام رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة، في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة نزل فرضية صيام رمضان. وعلى هذا، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم صام كم شهراً؟ إذا كان أول سنة صامها النبي صلى الله عليه وسلم هي السنة الثانية، فكم شهراً صامه النبي صلى الله عليه وسلم؟ تسعة. نعم، أحسنت. لأنه مات عليه الصلاة والسلام في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة. آخر رمضان صامه في السنة العاشرة من الهجرة، في السنة العاشرة من الهجرة. واختلف العلماء: هل كان على المسلمين صيام قبل أن يفرض عليهم صيام رمضان؟ فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لم يجب عليهم صيام قبل أن يفرض عليهم رمضان. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه كان صيام عاشوراء، أي: اليوم العاشر من شهر محرم، كان فرضاً، وكان واجباً صيامه على الناس، صيامه على الناس. فلما فرض رمضان، نسخ وجوب صيام عاشوراء، فأصبح صيامه مستحباً: من شاء صام، ومن شاء لم يصم. ويدل على هذا ما في البخاري وغيره عن ابن عمر، قال: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء، وصام وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك. فلما فرض رمضان ترك، أي: ترك وجوب الصيام في عاشوراء. قال نافع مولى ابن عمر: قال، وكان ابن عمر لا يصومه إلا أن يوافق صومه، أي: أما ذا؟ عاشوراء، أي: عاشوراء. وهكذا أيضاً، وهكذا أيضاً، جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِيَامِهِ»، أي: صيام عاشوراء، «حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ». وهذا هو الأقرب يا إخوان، أنه كان يوم عاشوراء واجب صومه قبل رمضان، فلما فرض رمضان أصبح صيام عاشوراء مستحباً: من شاء صام، ومن شاء أفطر، ومن شاء أفطر. وأول ما فرض رمضان، أول ما فرض رمضان، كان، كان بقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾، أي: كما فرض، ﴿عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184]. رمضان أيام معدودة يا إخوان، وليست السنة كلها. ثم هذه الأيام المعدودة تبدأ وسرعان ما تمضي. ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]. فكان صيام رمضان في أول الأمر: كان المسلم على التخيير، إن شاء صام، وإن شاء أفطر. وإذا أفطر، أطعم عن كل يوم مسكيناً، أطعم عن كل يوم مسكيناً. حتى نسختها الآية التي بعدها، وهي قوله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]. إذن، من حضر رمضان، فوجب عليه أن يصوم، إلا إذا كان معذوراً. ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. وهذا كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين، في الصحيحين. وهكذا، من باب الفائدة: كان في أول ما فرض رمضان، كان يحرم على الصائم أن يأكل أو أن يشرب أو أن يجامع، من حين ينام أو يصلي صلاة العشاء الآخرة، صلاة العشاء الآخرة. فأيهما وجد أولاً، حصل به التحريم. يعني مثلاً: صلى المغرب وأكل، أفطر. فإذا نام ثم استيقظ، لا يجوز له أن يأكل شيئاً بعدها إلى اليوم الثاني. أو إذا صلى العشاء، فلا يأكل شيئاً بعد ذلك، فلا يأكل شيئاً بعد ذلك. ثم بعد ذلك، ماذا نسخ هذا الحكم؟ وأبيح للناس، آ، ماذا؟ الأكل والشرب والجماع إلى آخره من المباحات، إلى طلوع الفجر، إلى طلوع الفجر، سواء نام أو صلى العشاء، فحده إلى طلوع الفجر الصادق. ودليل هذا ما جاء في قصة قيس بن صِرْمَة الأنصاري، كما في حديث البراء بن عازب في صحيح البخاري وغيره، في صحيح البخاري وغيره. قال: «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ». وهذا فيه دليل يا إخوان على جواز قول "رمضان" مطلقاً. ولا يصح يا إخوان أنه نُهي عن قول "رمضان" منفرداً. فماذا؟ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول إذا جاء رمضان، إذا جاء رمضان، وغيرها من الأحاديث. فيجوز يا إخوان أن يقال "رمضان" هكذا مفرداً من غير "شهر رمضان". ويجوز أن يقول "شهر رمضان". لأن بعض العلماء استدل بحديث ضعيف على أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا تَقُولُوا رَمَضَانُ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وهذا لا يصح، وهذا لا يصح. فالحديث إسناده لا يثبت، وأيضاً يخالفه ماذا؟ الأحاديث التي أطلق فيها النبي صلى الله عليه وسلم اسم "رمضان" مفرداً. وما حكم صيام رمضان؟ صيام رمضان يعتبر ركناً من أركان الإسلام، والمباني العظام التي يقوم عليها هذا الدين، هذا الدين. وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على وجوب صيام رمضان. وهكذا أيضاً نقل إجماع العلماء على ذلك، على ذلك. وممن نقل الإجماع غير واحد، كالإمام النووي، وهكذا أيضاً الإمام ابن قدامة المقدسي، وهكذا أيضاً غيرهم من أهل العلم، غيرهم من أهل العلم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ»، وفي بعضها: «وَلَا يَوْمَيْنِ». قال: «إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ». الشهر الذي قبل رمضان، ما هو عندك يا محمد؟ شعبان. وشعبان يا إخوان، يستحب الإكثار من الصيام فيه، يستحب من الصيام فيه. فأم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، تقول: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ». وهكذا جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، وَكَانَ يَصُومُ، يَصُومُهُ كُلَّهُ، وَكَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ». وهكذا أيضاً جاء في غيرها من الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثر شعبان. وقد ذكر الإمام، أو نقل الإمام الترمذي رحمه الله تعالى عن ابن المبارك رحمه الله، أنه قال: «جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يَقُولَ: صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ». وماذا قال الترمذي رحمه الله تعالى؟ قال: «وَكَأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ»، بين أنه عليه الصلاة والسلام صام رمضان كله، وما جاء في بعضها أنه كان يصوم شعبان إلا قليلاً، إلا قليلاً. فإذا كان عليه الصلاة والسلام يجتهد في صيام شعبان. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ». ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يكره أن يصوم الشخص قبل رمضان بيوم أو بيومين، منهي عن ذلك. وبعضهم ذهب إلى أن النهي للتحريم، وذهب الجمهور أن النهي للكراهة، للكراهة. إلا من كان له صوم اعتاد عليه، مثل ماذا؟ شخص يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، فوافق يوم الاثنين أو يوم الخميس قبل رمضان بيوم أو يومين، ماذا يفعل؟ يصوم أو لا يصوم يا أبا ناظم؟ يصوم أو لا يصوم؟ يصوم. شخص يصوم صوم داود، يصوم يوماً ويفطر يوماً، فوافق اليوم الذي يصوم قبل رمضان بيوم أو يومين، ماذا يفعل أيضاً؟ يصوم. لكن، صيام قبل رمضان بيوم أو يومين، قال: لماذا؟ قال: احتياطاً، فقد يكون ماذا؟ رمضان دخل بالأمس ونحن صمنا اليوم. إذن ماذا؟ أنا احتاط فأصوم قبل رمضان يوم أو يومين. هل هذا جائز؟ الجواب: لا، ليس بجائز. لأن النهي الوارد في هذا الحديث، أيضاً لما جاء عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو أن عمار قال: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ». ويوم الشك يا إخوان، هو اليوم الذي يشك فيه: هل هو آخر يوم من شعبان، أو أول يوم من رمضان، أو أول يوم من رمضان؟ هذا يسمى بيوم الشك. ويوم الشك يا إخوان، لا يجوز صومه، لا يجوز صومه. بل ذهب كثير من أهل العلم إلى تحريم صومه، إلى تحريم صومه. قال رحمه الله تعالى: قال، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَقَدِّرُوا لَهُ». فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ. هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يا إخوان، الحديث فيه بيان لكيفية ومتى ينتهي شهر شعبان، ويدخل شهر رمضان. وهكذا متى ينتهي رمضان، ويدخل شهر شوال. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا». إذا رأيتموه، الضمير يعود إلى ماذا يا أبا سعد؟ إلى الهلال، إلى الهلال. إذا رأيتموه، يعني: هلال رمضان، فصوموا. ومتى يظهر الهلال؟ متى يظهر الهلال؟ بعد العشاء. طيب، أحسنت، لكن ما أصبت. نعم، متى يظهر الهلال يا أبا إسماعيل؟ الهلال متى يظهر؟ الآن رمضان اقترب، فمتى يتراء الناس الهلال؟ بعد المغرب، أول ما تغيب الشمس، متى؟ شمس أي يوم؟ التاسع والعشرين من شعبان. يوم التاسع والعشرين من شعبان. إذا غربت الشمس، فهنا يتراء الناس الهلال. إذا رؤي الهلال، فدل ذلك على انتهاء شعبان، ودخول شهر رمضان، ودخول شهر رمضان. طيب، ويكتفى برؤية هلال رمضان بشاهد واحد، على الصحيح من أقوال أهل العلم. قال ابن عمر: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ»، أي: خرجوا لرؤيته. قال: «فَرَأَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ، قَالَ: فَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ». يعني: لو رآه شخص واحد، وشهد بذلك، وكان هذا شخصاً عدلاً، فماذا؟ يكفي ذلك في إثبات شهر الصيام؟ يكفي في شهر الصيام. وذهب بعض العلماء إلى أنه لابد من أن يشهد عدلان اثنان. والصواب هو الأول: يكتفى بواحد، يكتفى بواحد. فإن غم على الناس، خرجوا ينظرون إلى الهلال، وكان السحاب يغطي عليهم رؤية الهلال، أو كان هناك غبار، غبار لا تتيح لهم رؤية الهلال. قال: «فَقَدِّرُوا لَهُ». قال: «فَاقْدُرُوا لَهُ». ومعنى "فقدروا له": أي: أكملوا شعبان ثلاثين يوماً، ثم بعد ذلك ابدأوا بماذا؟ بصيام رمضان، ابدأوا بصيام رمضان. فإذا الاعتماد يا إخوان، ليس على التقاويم الفلكية. يقول لك: أن شعبان سيخرج هذه السنة تسعة وعشرين، لا، قالوا: ثلاثين، لا. العبر برؤية الهلال: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه، أي: رأيتم المرة الثانية، هلال الفطر، قال: «فَأَفْطِرُوا». فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَقَدِّرُوا لَهُ. في رواية: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثَلَاثِينَ يَوْمًا». ولا يلزم يا إخوان الاعتماد على ماذا؟ على المناظير التي تقرب الرؤية. يجوز استخدامها، لكنه لا يجب، وإنما الأصل هو رؤية الهلال بالعين المجردة. فإن استخدم هذه المكبرات، جاز ذلك، جاز ذلك. وكذلكم أيضاً مما يذكر في رؤية الهلال: إذا رؤي الهلال في الصباح، في النهار. أصبح نظر الناس إلى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فما رأوا شيئاً، لربما بسبب سحاب أو غبرة. فلما أصبحوا، صلوا الفجر، وبعد ذلك في النهار رأوا الهلال. فهل يعتبر ذلك لرمضان أم لا؟ ففصل العلماء في هذه المسألة. قالوا: إذا رؤي الهلال قبل الزوال، أي: قبل الظهر، فهذا لي الليلة السابقة. معنى ذلك: أن هذا اليوم أول أيام رمضان. وأما إذا رؤي بعد الزوال، أي: بعد الظهر، فمعنى ذلك: أن هذا اليوم هو تتم شهر شعبان، واليوم الذي يليه هو أول أيام شهر رمضان، هو أول أيام شهر رمضان. وبالنسبة لقوله: «وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، أي: إذا رأيتم هلال شوال. ومتى يرى هلال شوال؟ بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من رمضان، يتراء الناس الهلال. فإذا رأوا الهلال، أفطروا في اليوم الثاني، لأنه يوم العيد. وإذا لم يروا هلالاً، فيكمل رمضان ثلاثين يوماً. وبكم يكتفى في رؤية هلال الفطر، هلال شوال؟ على الصحيح، أنه لابد من أن يراه عدلان، أن يراه عدلان. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا رَآهُ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا». فَصُومُوا، أي: لرمضان، وَأَفْطِرُوا، أي: لشوال. وإنما استثنينا هلال رمضان بعدل واحد، لأن الدليل أتى يخصص ذلك، وهو ما سبق من حديث ابن عمر: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَرَأَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ». وأما هلال شوال، فيبقى على ما هو عليه، يبقى على ما هو عليه. فهذه بعض المسائل المتعلقة برؤية الهلال واستقبال رمضان. نكتفي بذلك، ونكمل ما تبقى في الدرس القادم، إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم. الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله...