الدرس في تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أسباب غفلة الناس عن شهر شعبان ودور الشيطان في الوسوسة والمعاصي. يشرح كيف يستغل الشيطان هذا الشهر لتحصل الغفلة العظيمة قبل رمضان.
يشرح هذا الفصل كيف يستغل الشيطان شهر شعبان ليكثر من الفتنة والشر قبل رمضان، مما يؤدي إلى غفلة الناس وإضاعة الأوقات في ما لا ينفع وزيادة المعاصي.
يتناول هذا الفصل التحذير من انتشار الشرك والغفلة في شهر شعبان، ويشير إلى أهمية كثرة الطاعات والعبادات للنجاة من كيد الشيطان قبل تصفيد الشياطين في رمضان.
يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مؤكدًا أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في ذكر مسائل وأحكام شهر شعبان، والمسألة الأخيرة التي مضت معنا في درس أمس حول العلّة في بيان أن شعبان هو شهر الغفلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل عنه الناس». وذكرنا أن من أسباب غفلة الناس عن شهر شعبان لأنه وافق أن يكون بين شهرين معظمين، بين رجب ورمضان. وأشرنا إلى مسألة التعظيم في الدرس الذي مضى معنا بالأمس. وفي هذا اليوم، إخواني في الله، سأذكر سببًا آخر الذي من خلاله حصلت وتحصل الغفلة العظيمة في شهر شعبان، ألا وهي ما كان من كثرة وسواس الشيطان. وهذه مسألة لربما قد يقف عندها الكثير من الناس، وقد يقول قائل: وهل الشيطان ما يوسوس إلا في شعبان؟ هي وسوسته دائمًا على مدى الزمان والأيام. يقال: نعم، هو هكذا الشيطان يوسوس على الدوام، لكنه في شعبان أكثر، أكثر ضلالًا وتضليلًا لعباد الرحمن. وهذا، إخواني في الله، يرجعنا إلى مسألة أخرى، وهي في الحقيقة إشكال ينقدح في الأذهان عند بعض الناس، أنهم في أيام رمضان يجدون أن الشر لا زال حاصلًا في المجتمع، وأن دواعي الشر موجودة. فيقول بعض الناس: كيف هذا الشر موجود، وربنا قد أخبر سبحانه وتعالى أنه إذا دخل رمضان سُفدت الشياطين؟ سُفدت بمعنى سُلسلت، بمعنى رُبطت الشياطين في رمضان. قد قل قائل: طيب، إذا الشياطين ربطت في رمضان، فعلى ماذا نجد الزنا والربا والخنا في أيام رمضان؟ أراد العلماء هنا أن يزيلوا هذا الإشكال الذي وقع في أذهان بعض الناس بعدة أمور. الأمر الأول، قالوا: إن المعاصي التي تحدث في رمضان لا تعود دائمًا إلى الشيطان، وإنما تعود لعوامل أخرى. فهناك النفس الأمارة بالسوء، والذي ما من أحد إلا وهو يعاصر ويعايش هذه النفس إلى أن يلقى الله، وهي على اسمها تأمر بالسوء. عامل آخر: الدنيا وما كان من فتنها، وما كان من جذبها لأصحابها وأهلها، فينجذب كثير من الناس في رمضان خلف الدنيا، أو كذلك ما يكون من أمر الشهوات، وخاصة الذي ترتاح لها النفس البشرية، إذ أن النفس البشرية من طبيعتها الخور والخمول والتقاعس. فتجد أن قال العلماء: فلو ربطت الشياطين في أيام رمضان، تبقى عوامل أخرى، هذه العوامل تزال تدفع الناس إلى الشر. هذا وجه. وجه ثاني، قال العلماء: إن مع تربيط الشياطين، فقد جاء التنصيص على أن الذي يربط من الشياطين هم المردة الكبار، كما جاء في رواية الصحيح: «وصفدت مردة الشياطين». المردة، وأما دونها من الصغار، فهذه التي تعبث بنا، تعبث بنا. فهذا الوجه الثاني من أوجه أن الشر لا يزال في رمضان. الصورة الثالثة، المحمل الثالث، قال العلماء: وهذا الذي نريده، أن الشيطان يزيد، يزيد في دفع الناس في الشر في شعبان، قبل أن يأتي وقت رمضان. فهذه المحامل الثلاث، إخواني، فلا أعيدها حتى يزيل الإشكال. الإشكال هو يقول قائل: نحن في رمضان نجد من الذنوب، نجد من يفعل السيئات، كيف نجمع بين هذه السيئات والخطايا موجودة، والشيطان قد ربط؟ المحمل الأول يقال: مع تربيط الشيطان، هناك عوامل أخرى تدفع الناس للشر، كالدنيا والنفس الأمارة بالسوء والشهوات إلى غير ذلك. المحمل الثاني: أن الذي يربطهم المردة، وأما الصغار لا زالوا يعيثون فسادًا في أيام رمضان، ما ربطوا. الثالث: هذا الذي نريده، الشيطان يعلم بأنه إذا دخلت أول ليلة من ليالي رمضان، فإن الله جل وعلا يحبس الشياطين بالسلاسل والأصفاد، فلا يتحركون ولا يستطيعون أن يحدثوا شرًا. الشيطان يعلم بهذا، فماذا يفعل؟ الذي يفعله هو أنه في مثل هذه الأوقات من شهر شعبان يكثر، يكثر من فتنته، يكثر من شره، يكثر من بثه بالأذى والضر والوسوسة، ويحب بالناس إلى الشر بكثرة، بحيث إذا جاء رمضان وحبس الشيطان في أصفاده، يبقى ما زرعه في قلوب الناس، يمشي معهم، يمشي معهم آثاره، المخلفات التي أبقاها وجعلها فينا في شعبان، تبقى تسير معنا في رمضان. وهذا والشاهد، إخواني في الله، الذي نذكره من أن شعبان تكثر فيه الغفلة، لأن الشياطين والأبالسة الآن يعملون بجد واجتهاد، ويظهر ذلك جليًا في هذه الحالة من حالة الغفلة التي نعيشها ونلمسها في مثل هذه الأوقات بالذات. إن جئت مثلًا من صور الغفلة، ما يكون من إضاعة الأوقات، الآن أكثر الأوقات تذهب على الناس السدى، القيل والقال، أو ما يسمى مسألة التبضع والتسوق بحجة استقبال رمضان، فذلك يذهب في الصباح ويرجع، ثم يذهب إلى المساء ويرجع، ثم يستذكر ويذهب ويرجع، وهكذا تمضي عليه الأيام وهو في غفلة. ومنهم من لربما يكثر من التنزهات، من الرحلات بحجة ماذا؟ الوداع لأيام الفطر، سيأتي رمضان، ما سنجد الوجبات الثلاث، فلابد أن نجعل ما يسمى بتوديع لأيام الفطر، فتجد النزهات نزه هنا ونزه هنا، ورحلة هنا ورحلة هنا، غفلة، غفلة، غفلة تكثر. هذا إذا قلنا الغفلة في باب ما لا يضر ولا ينفع. كذلك من الغفلة ما يكون من كثرة المعاصي والذنوب والسيئات، تجد هذا يرتحل في مثل هذه الأزمان، المشاكل الأسرية في البيوت تقع، تقع حالات الغضب، حالات الطلاق، حالات التهديد، حالات الفجور والمجون في مثل هذه الأوقات تكثر. هذه من آثار الجد والاجتهاد من الشيطان، بل وصل الأمر إلى الشرك، الشرك يقع. لا نذهب، لا نذهب بعيدًا، دعونا نتكلم في واقعنا، نتحدث عن تلكم الزيارة الشركية ألا وهي زيارة قبر نبي الله هود المزعوم، متى وقعت؟ في شعبان. استطاع الشيطان، استطاع الشيطان أن ينفخ في قلوب بعض الأنام من جهلة الناس، ويستدرجهم إلى أن أوقعهم في هذه الزيارة الشركية التي فيها إحياء لما كانت عليهم في أيام الجاهلية، شعر أصحابها أو لم يشعروا، علموا بذلك أو لم يعلموا، لكنها زيارة شركية، بدءًا باختيار تلكم البقعة على أنها قبر هود. ومن أخبركم أن قبر هود هذا مدفنه؟ من الذي أعلمكم؟ من الذي أشعركم؟ هود عليه السلام له عدة قبور هنا وهنا وهنا، حال كحال كثير من القبور المزعومة التي كل منطقة وإقليم تدعي أن قبر نبي من أنبياء الله عندها، حتى أصبح لبعض الأنبياء خمسة قبور، الكل يدعي دعوى. ثم تذهب إلى ذاك القبر المعكوس المنكوس، يعترفون بهذا، وقد ذكر العلماء أنه لا يعرف قبر نبي من أنبياء الله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وما عداه من قبور الأنبياء الله أعلم أين كان مدفنها، حكمة من الله، حكمة من الله. ثم قس على بعد ذلك تلكم الهالة من التقديس التي جعلت لهذه الزيارة، حتى بلغ من أقوال أصحابها على أن هود عليه السلام هو -حاشاه- أن هود عليه السلام يتحمل ذنوب زواره، ما من زائر يزور عليه ذنب، فإن هود يتحملها ويرفعها إلى الله. وهذا يذكرون بماذا؟ بعقيدة من بعقيدة النصارى، عندما صلب عيسى عليه السلام، فهم يرون أن عيسى -أو أن الله جل وعلا- فدا بابنه، وضحى بابنه لتكفير السيئات عن أمته، هكذا زعمها هؤلاء، هم هم بطريقة أخرى، أن هود عليه السلام يتحمل ذنوب من زاره، وأن تلكم البقاع في أرض زيارة، ما من شجر، ما من حجر، ما من سهل، ما من جبل، إلا وقد ملئ بالملائكة. ما هذا الكلام؟ ما هذا الكلام؟ ثم يا عبد الله، إذا دنوت من تلكم الزيارات الشركية، ستسمع ما يندي الجبين من الصراخ والهتاف والتنديد بغير اسم الله، باسم هود عليه السلام. وليس هذا فحسب، بل استطاع المتأكلون أن يحشروا أسماء بعض ساداتهم وأقطابهم وأندادهم، وكل يحاول أن يأتي بزعيمه وحبيبه فيدخله من شعائر الزيارة، الزيارة باسم هود، ثم التنديد باسم الولي الفلاني والولي الفلاني والولي الفلاني، وكل ذلك من الشرك الصراح. ثم بعد ذلك تقام مناسك الحج، مناسك الحج، الناس في مكة، وهؤلاء في تلكم البقاع، مناسك الحج يسيرون خطوة خطوة بأيامها، وهكذا بأفعالها. ولست في مقام الصدد التفصيل، لكن الذي أريد أن أبين أن الشيطان في هذا الشهر بالذات استطاع أنه يستقطب الكثير من الناس تحت دائرة الغفلة، إذا ما أوقعهم في الشرك، أوقعهم في المعاصي والذنوب، ما استطاع. على الذنوب والمعاصي، أو قعهم في إضاعة الأوقات فيما لا ينفع. ولهذا كان هذا الشهر تقع فيه الغفلة. وحتى تندفع الغفلة، ما الذي فعله نبينا صلى الله عليه وسلم؟ كان يكثر من صيام شعبان. بالعبادة أعظم ما يدفع به كيد الشيطان، يا عبد الله، هو أن تستعين بالله، تستعين بذكره، بطاعاته وعباداته، فإن الشيطان يخنس، فهو خناس، يضعف، يضعف، يا عبد الله، إذا رآك على عبادة، إذا رآك على صيام، إذا رآك على قيام، إذا رآك على قرآن، إذا رآك على نافلة. ولهذا، إخواني في الله، فمن الصور أو الأسباب التي من أجلها يذكر أن الغفلة تكثر في شعبان، هذه المسألة أن الشيطان يكثر، يكثر من شره ومن خبثه وإضلاله وتضليله بين الناس، قبل أن يحين موعد التصفيد. ولهذا يغلب الشر، فلا نجاة لنا، عباد الله، إلا بأن نقبل على الله سبحانه وتعالى بكثرة الطاعات والعبادات. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.