الدرس في موانع قبول الأعمال 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد على أهمية التخلص من الشحناء والبغضاء قبل رمضان لضمان قبول الأعمال الصالحة. يشير إلى أن سلفنا الصالح كانوا يستقبلون رمضان بالتسامح.
يشرح خطورة الشحناء والبغضاء على قبول الأعمال الصالحة ويحذر من عواقبها مستشهدا بحديث النبي حول عرض الأعمال يوم الاثنين والخميس.
يُنبه إلى خطورة القطيعة وعقوق الوالدين ويشدد على أهمية الصلح والعفو قبل رمضان لضمان قبول الأعمال.
يشير إلى أن الحديث لم ينته بعد حول أسباب منع قبول الأعمال وسيتم التطرق إلى سبب آخر في المقام التالي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، في هذه المجالس المباركة، بعد فراغنا من الحديث عن مسائل وأحكام شهر شعبان، فإنه من المناسب جدًا أن نطرق إلى طرح هذا الموضوع، ألا وهو تتبع الموانع التي تمنع قبول الأعمال. ومناسبة هذا الباب أن يطرح في مثل هذه الأيام، لأجل ما نحن قادمون عليه من شهر رمضان، فلا شك ولا ريب أن كل واحد منا يمني نفسه، إذا أطال الله جل وعلا في عمره وأحضره لهذا الشهر المفضال، أنه سيفعل وسيفعل من الطاعات والعبادات. لكن يبقى من الحرمان أنك يا عبد الله تقدم على هذه الأعمال، ثم إذا بها ترد على وجهك، هذا من عظيم الحرمان. قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. وكما قال ربنا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. فإن من عظيم الحرمان أن يأتي شهر رمضان، والواحد منا يقبل على الله بالصلاة والصيام وبالقيام وقراءة القرآن، ثم يحرم من أجرها لأنه تلبس بمثل هذه الموانع. بل إن هذا الموضوع حقه أن يلحق بما يستقبل به رمضان، تحت عنوان التخلص من الموانع. فهذا الذي ينبغي أن نشد العزم جميعًا في مثل هذه الأيام، أن نخلص أنفسنا مما يكون سببًا في رد أعمالنا. فهذا المقام وما سيأتي من هذه الدروس في تتبع هذه الأعمال، وإن مما أذكره في هذا المقام من هذه الموانع، ما يكون بأن أمر القطيعة والشحناء والعداوة والبغضاء، هذه الآفة الخبيثة والدسيسة المميتة التي فشت وانتشرت وطمت وعمت، حتى اكتسحت البيوت، وما يكاد بيت من البيوت إلا وعاش أهله ردحًا من الزمن على قطيعة وشحناء وعداوة وبغضاء. فإن من أعظم ما ينبغي أن نتخلص منه من الآن، التخلص من هذه الظاهرة، وذلك بالتسامح والعفو والمغفرة، وما يكون من صفاء القلوب وسلامة الصدور. ولهذا كان هذا من أعظم ما يستقبل به رمضان عند سلفنا الصالح، فقد سئل بعض السلف: كيف كان استقبالكم لرمضان؟ قال: «ما كان أحدنا يهل يستقبل رمضان ويهل عليه الهلال وفي قلبه مثقال حبة خردل من حقد على أخيه المسلم». ما كان أحد منهم يستقبل هلال رمضان وفي قلبه مثقال حبة خردل من حقد على أخيه. لماذا؟ لعلمهم أن هذا ما يتوافق مع أهداف رمضان. رمضان يحتاج إلى نفوس مطمئنة وإلى قلوب سليمة. أما أنك تدخل إلى رمضان وقلبك قد ملئ بالشحناء والبغضاء والعداوة، أن هذا الاستقبال يا عبد الله. ومما يدلل به شرعًا على أن الشريعة حضت ورغبت على أن رمضان يستقبل بسلامة الصدور، بما رواه الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى في سننه، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليطلع ليلة نصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاح». هذا الحديث حسن، وجماعة من أهل العلم كابن حبان، وهكذا العلامة الألباني. وهذا الحديث لعله يعد الفضل الوحيد الذي تعطاه هذه الليلة، ليلة النصف من شعبان، فما هناك فضيلة أخرى، لا من تخصيص صلاة ولا صيام ولا قيام، من فضائل ليلة النصف من شعبان، هذه الفضيلة أن الله يغفر لجميع خلقه إلا لمن لم يكن مشركًا أو مشاحًا، صاحب شحناء، صاحب بغضاء. لو أننا انتبهنا لهذه المسألة، ما المراد من هذا الحديث؟ هذا الحديث يهدف إلى أنك، وخاصة الذي يتعقل هذه النصوص، يعلم فضيلة الأجر، أن الله جل وعلا يحببك بسعة المغفرة إذا لم يكن في قلبك ولا في فعلك مشاحن مع أحد، فيسارع المسلم في هذه الليلة أن لا تدخل عليه إلا وصف حساباته مع الناس، لا شحناء، لا بغضاء، لا عداوة، العفو منك يا فلان، المسامحة منك، السموحة منك يا فلان، حتى تأتي ليلة النصف وهو يقول: ها أنا يا رب، ما في قلبي شحناء على أحد، فمغفرتك يا الله. فإذا كان كذلكم، ستأتي الأيام بعد ذلك، وهو يحاول أنه ينقي قلبه، فما يأتي رمضان إلا بقلب سليم. هذه من الحكم العظيمة في حق من تأملها. ويكأن الشريعة بهذه الفضيلة تهدف إلى أن المسلم والمسلم لا يدخل عليهما رمضان إلا وهما في غاية من صفاء القلوب وسلامة الصدور. لكن أين الناس؟ أين الناس؟ لربما يدخل شعبان بكماله وتمامه مع ليلة نصفه، بل يدخل رمضان، ولا زالت الإحن والفتن والبغضاء والقطيعة تدب بين المسلمين. ورمضان تل ورمضان، والناس لا زالوا على شحناء وبغضاء. يا عبد الله، هذا الفعل من الذنوب العظيمة الخطيرة التي جعلها العلماء من كبائر الذنوب. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا». لا تباغضوا، ولا تدابروا. المدابرة هي القطيعة، كل واحد يولي دبره لأخيه، يتدابران ما يلتقيان. أما البغضاء فهي مقدمات المدابرة، البغضاء كما قال علماء، هو أنك تتخذ الأسباب التي تؤدي إلى البغض، تؤدي إلى أسباب. فالشرع قال: «لا تباغضوا»، أي لا تتخذ الأسباب التي تؤدي إلى البغض. بعض الناس ما يفقه هذا الكلام، يعلم أن الفعل الفلاني أو القول الفلاني أو الطرح الفلاني، هذا مآله معاداة في الأخير، فيتعمد، يتعمد، كما نجدهم من بعض الناس، بعض الناس يعلم أنه في هذا المجلس لو أثار الموضوع الفلاني أو أثار الأمر المعين، سيعلم أن أناسًا سينفرون ويغضبون، بل وسيتدابرون، فيطرحه. ما يجوز هذا. «لا تبغضوا»، لا تأتي بالأسباب التي تجلب على الناس البغض، ومن ثم تأتي المدابرة. ولهذا فإن الإنسان أحيانًا عليه أن يسكت، ومن صمت نجأ. يسكت، يتغافل. ولا زالت تغافل من شيئم الكرام، كما قال سفيان وغيره: «لا زالت تغافل من شيئم الكرام». وإن القطيعة إخواني في الله، من أعظم ما يريده الشيطان أن يقع بين أهل الإسلام، كما قال ربنا جل في العلام: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. هذه إرادته، هذه إرادته. فكم من أناس أصبحوا ألعوبة للشيطان يتلاعب بهم؟ كم مزقت البيوت؟ كم قطعت العلاقات؟ سواء كان على مستوى الأقارب والزملاء والأحباب، ومن كان في البيت الواحد، ومن كان في الأسرة الواحدة، قطعت بسبب دسيس يدسه الشيطان على بعض الناس، فلا زال أعوانه شعروا بهذا أو لم يشعروا. والذي يهمني في هذا الباب، ما أنا بصدده ببيان أن القطيعة والشحناء من أعظم الأسباب في رد الأعمال وبطلان الأعمال. فقد ثبت في صحيح مسلم، حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله جل وعلا، فيغفر الله عز وجل إلا لمشرك أو رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا». يوم الاثنين والخميس تعرض الأعمال على الله، فيغفر الله لخلقه رحمة وفضل، لكن المحروم ومن كان من عداد الكفار والمشركين لن تنالهم مغفرة الرب، وهكذا من كان في قلبه شحناء. وهلا لهم صور، ومن صور الشحناء ما يكون من العداوة والبغضاء بين الناس، أفعالهم يقال فيها: «أنظروا هذين»، من الانتظار، أي لا تقبل لهم الأعمال، بل تبقى أعمالهم معلقة بين السماء والأرض، إلى متى تبقى معلقة؟ «أنظروا هذين حتى يصطلحا»، حتى يتم الصلح، إذا تم الصلح أعادت المياه إلى ما جرت، ورفعت الأعمال إلى باريها. لكن ما يدريك يا عبد الله؟ لعله تأتيك منيتك وأنت على هذا الغل وعلى هذا الحقد، لن يقبل منك عمل حتى تستسمح من الطرف الثاني وهو في قبره. فالشاهد إخواني في الله، عدم التساهل والتهاون، ولهذا ينبغي على المرء المسلم من الآن أن يسعى إلى التخلص من هذه الظاهرة، أن لا تكون من سجيته، وأن لا تكون من عادته، أن لا تكون من فعله، كحال كثير من الناس. لربما أعرف من الناس أنهم ما أبقى أحدًا من خلق الله إلا وتغاضب معه، وإلا وتزاعل معه، وإلا وهاجره، هجر فلانًا وفلانًا وفلانًا. يا عبد الله، إلى أين تسير؟ إلى أين تنضي؟ هذه راية لأن يرفعها الشيطان، لا يرفعها أهل الإسلام والإيمان. أنك تحاقق الناس في كل صغيرة، في كل كبيرة، على كل شيء. تغافل، تغافل يا عبد الله. هذا إذا كانت القطيعة فيما بينك وبين عامة المسلمين، من جيران، من زملاء، من أصدقاء. لكن إذا كانت القطيعة فيما بينك وبين الأقارب والأرحام، فإن الأمر يعظم والإثم يشتد، لأن قطيعة الأرحام ليس كقطيعة أي أحد من الناس، كمن يقاطع أعمامه وأخواله وبن العمومة، ومن كان من الإخوة والأخوات، وقس على ذلك. كن في حق من تربطه بينهم وبينه صلة ونسب، فالإثم يشتد. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة قاطع». لا يدخل الجنة، لربما هذا القاطع يصوم، يصلي، يذكر الله في علاه، يفعل أعمالًا صالحة، ومع ذلك لشدة إثمه وما دخل فيه من القطيعة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة قاطع». وقال عليه الصلاة والسلام: «الرحم شجنة من الرحمن»، قال الله: «من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته». يقطعك الله، بغض النظر عن من كنت، سواء كنت مصليًا أو كنت تاليًا أو كنت ذاكرًا، يقطعك الله إن قطعت الرحم. فاحذر يا عبد الله من هذه القطيعة، وأعظم قطيعة يبتل بها من كان من المهاجرين لأرحامه، من ابتلي بقطيعة والديه، وهما يعرفان بالعقوق، هذه أعظم قطيعة. لا شك أن قطيعة المسلمين أمر فضيع، وأفظع منه قطيعة ذوي الرحم، وأفظع من الجميع أن تقاطع يا عبد الله أحدًا لأحد الوالدين. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «والله يكره العقوق». صفة ذميمة خبيثة نتنة، أنك يا عبد الله تعامل والديك، الذان كانا سببًا بعد الله في وجودك في وجودك، وها أنت شبت وكبرت وعقلت، وما نشأت إلا على أكنافهما وبتربيتهم والإحسان منهما إليك، ثم تقابل هذا الإحسان بالعقوق، بالسب والشتم والتمرد عليهما. لما كان الأمر كذلك، عاملك الله من صميم فعلك، عندما أنكرت إحسانهما، أنكر الله عملك. ولهذا جاء من حديث ثوبان في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا». على رأي جمهور العلماء، الصرف والعدل بمعنى النافلة والفريضة، لا يقبل الله منهم فريضة ولا نافلة. من هؤلاء الثلاثة؟ أول من بدأ بهم نبينا، قال: «العاق لوالديه، والمنان، والمكذب بالقدر». أول من بدأ بهم في هذه القائمة السوداء العاق، من أرهق والديه خبثًا، ما عمله يرد على وجهه. فالعاق مهما صلى أو صام أو قام أو قرأ القرآن، فأعماله ترد على وجهه، حتى يصطلح مع والديه ولا بد. فالشاهد إخواني في الله، أن من أعظم ما يستقبل به رمضان، المسارعة إلى رفع موانع الأعمال، ومن أعظم هذه الموانع التي سمعتموها في هذا المقام، ما يكون من مسألة القطيعة والشحناء والعداء والبغضاء، سواء كانت بين الجيران أو كانت بين الزملاء أو كانت بين الأقارب والأرحام، أو كان بين الإخوة والأخوات، أو كان بين الأزواج والزوجات، أو كان بين الوالدين من الآباء والأمهات. احرص وشعارك يا عبد الله أن تجعل يدك ممدودة إلى الصلح، ادفع ادفع بالتي هي أحسن، ادفع بسكوتك، بالغض الطرف، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. فهذا الذي أذكره في هذا المقام، وسأتي معنا في مقام غد بإذن الله، أن نتعرف إلى سبب آخر من الأسباب التي تكون مانعة من قبول واستيفاء الأعمال. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.