الدرس في موانع قبول الأعمال 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل مسألة التلبس بشيء من مظاهر الشرك والكفر كمانع لقبول الأعمال، ويبين أن الشرك يحبط العمل ويحذر من الخلل في ربوبية الله. يستدل على ذلك بآيات قرآنية ويشير إلى أن أعمال المشركين مردودة.
يؤكد هذا الفصل على أهمية توحيد الله وعبادته وحده دون شريك، ويحذر من الشرك والاعتقادات الفاسدة مثل السحر والكهانة. يشدد على أهمية الإيمان بالقدر والبعث والنشور والابتعاد عن الشبهات التي تهدف إلى تشكيك المسلم بعقائده.
يناقش هذا الفصل نواقض الإسلام مثل الاستهزاء بالدين وترك الصلاة، ويبين أن هذه الأفعال تعد كفرًا عند بعض العلماء. يشدد على أهمية تعلم نواقض الإسلام ليحذر منها المسلم ويبقى في دائرة الإيمان.
يختم هذا الفصل بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويشير إلى علم الله تعالى. يُظهر الختام أهمية هذه العبادة في الإسلام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله فيما نحن فيه، في مثل هذه المقامات، في تتبع أهم الموانع التي توجب رد الأعمال، مر معنا ما يتعلق بظاهرة الشحناء والبغضاء، وما كان من أثرها في رد الأعمال. وهكذا كانت الإشارة إلى مسألة الاعتداء على حقوق العباد من دماء وأموال وأعراض، وكيف أن ذلك أيضًا يؤثر سلبًا في رد الأعمال. ومما أذكره أيضًا في هذا المقام من موانع قبول الأعمال التلبس بشيء من مظاهر الشرك والكفر، التلبس بشيء من مظاهر الكفر والشرك. فإن هذه المسألة ترجعنا إلى المقصود الأعظم من مسائل التعبد لله، فالله جل وعلا إنما أمر العباد بالتعبد، وأهل الإيمان دلت على ذلكم الأدلة العامة، بل والأدلة الخاصة كآيات وأحاديث الصيام، قال ربنا جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام﴾، فالخطاب لأهل الإيمان، وخرج عن هذا الخطاب كل من خرج عن مسمى الإيمان من الكفار ومن المشركين، ومن تلبس بشيء من المعتقدات التي تخرج وتمرق عن الإسلام والملة. فخرج بذلكم من وقع في شيء من مظاهر الشرك والردة، وقد دلت الآيات الكثيرة على أن أعمال المشركين ومن تلبس بالشرك والكفر فهي مردودة على وجهه، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾، وقدمنا إلى ما عمل من عمل، أي عمل قام به الرجل وهو في حال كفره وشركه، فهو لن يجده شيئًا. بل قال ربنا جل وعلا: ﴿ولئن أشركت﴾، والخطاب لمن؟ يا من يستعظم هذه المسألة، يستعظم طرقها ويستعظم سماعها، اسمع ما قاله ربنا لنبيه، لخيرة البشر من خلقه: ﴿ولئن أشركت ليحبطن عملك﴾، إذا كان هذا الخطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وحاشاه صلوات ربي وسلامه عليه أن يشرك بالله شيئًا، لكنه إشارة إلى باقي الأمة، أي ولئن أشركتم أنتم، لا يحبطن الله أعمالكم، فلابد من التذكير والتنويه على هذه المسألة التي لربما يتضايق منها الكثير عندما يسمع من موانع قبول الأعمال أو الوقوع في شيء من مظاهر الشرك والكفر. يقول: «وإيش نحن؟»، لا، يا عبد الله، كن كما كان في هذا الخطاب من رب الأرباب إلى نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿ولئن أشركت﴾، لماذا خاطبه الله بهذا؟ لبيان الحكم، وحتى يعتبر غيره بهذه المسألة العظيمة. ومن هنا، إخواني في الله، كان التنبيه على أهم صور ومعالم الشرك التي لربما تظهر بين الفينة والأخرى في مجتمعاتنا، شعر بها الناس أو لم يشعروا بها. فمن صور الكفر والشرك والردة، مثلًا، ما يكون من الخلل في ربوبية الله جل وعلا، كأن يظن الظان ويعتقد المعتقد بأن هناك ما سوى الله من يخلق، من يرزق، من يحيي، من يميت. إذا وصل بالمرء المسلم أن يعتقد هذا الاعتقاد، أن غير الله بهذه الصورة يضر وينفع ويخلق ويرزق، هل يقول: قال؟ وهل يوجد هذا؟ نعم، يوجد، يوجد من بعض الناس من يعتقد أن للولي قدرة على أن يخلق الأجنة في الأرحام، هذا موجود، على أن الولي عنده القدرة أن يخلق الأجنة في الأرحام، وعلى أنه إذا التجئ به يضر وينفع، وأن الذي لا يذهب إلى قبره في زيارته المعتادة فإنه تأتيه اللعنة. فالولي يضر في حق من لم يعظمه ولم يزره في قبره، وهكذا قس من هذه المعتقدات التي تخل في معتقد الربوبية، كمن يظن بأن الله بغير الله يخلق ويرزق ويضر وينفع ويحيي ويميت، وهكذا. أو الخلل في توحيد الألوهية، وهو الباب الذي مآله إلى أن العبادات لا تكون إلا لله وحده، بل الله فاعبد، فقط لا سواه. فإذا وجدنا أن أحدًا من الناس جعل مع الله شريكًا، فحينها قد أشرك، قل: «إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا»، أحدًا نكرة في سياق النفي، فلا يجعل مع الله شريك، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. فإذا وصل بالمرء المسلم أن يجعل مع الله شريكًا في شيء من طاعاته وعباداته، مثل أن تدعو غير الله، وأن تستغيث بغير الله، وأن تهتف بالمدد والضراعة والالتجاء والاستمداد بغير اسم الله، أو أنك تريق الدماء وتذبح الذبائح وتقرب القرابين بغير اسمه، كل ذلك من أنواع الشرك العظيم، وهو حاصل للأسف. فمن ابتلي بمثل هذه المظاهر وجب عليه أن يتحلل منها الآن، وأن يعود إلى التوحيد الصافي، بأن يكون الدين كله لله، بأن يكون الدين كله لله جل في علاه، لا ينازعه أحد لا في ربوبيته ولا في ألوهيته. وهكذا قس باقي المعتقدات، أنك لا تعتقد أن غير الله بيده علم الغيب، كمن يعتقد في السحر والكهان والمشعوذين. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى ساحرًا أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد»، فمن يطرق أبواب السحر والمشعوذين لكي يفعل له الحروز والتلاصيم والتمائم ضُرًا ونفعًا، أو كي يكشف له علم الغيب، فقد كفر. وهكذا قس غير ذلك من معتقدات الإيمان، من الإيمان بالله وكتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر والبعث والنشور. هذه معتقدات راسخة في قلوب المسلمين صغارًا وكبارًا، ذكورًا وإناثًا، احذر أن يأتيك الشك فيها، وخاصة ونحن في هذه الأزمان التي انهالت علينا معاول الإلحاد في كافة صورها، من خلال القنوات المسموعة أو المقروءة أو المعلومة أو المرئية، كلها تهدف إلى تشكيك المسلم بعقائده. حتى سمعنا من لربما يعيد النظر في عدالة الصحابة، وهل الصحابة كلهم عدول؟ من نعم، كلهم عدول على رغم أنفك، فمن طعن في جيل الصحابة فقد كفر إجماعًا، أو من أخذ ينظر في القرآن، وهل القرآن كله قد ثبت عن الله أم فيه ما زيد فيه ونقص؟ قام الإجماع من أنكر حرفًا من القرآن فقد كفر. أو يأتيك من يأتي ويعيد النظر في مسألة البعث والنشور، هذه، عبد الله، معتقدات ما فيها مساومة، ما تحتاج إلى مساومة. وهكذا من الاعتقادات البدعية إنكار القدر، حتى قال ابن عمر -عندما ناقش أولئك النفر كما في صحيح مسلم- قال: «والذي يحلف به ابن عمر، لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبًا ما تقبل منه»، هذا الشاهد رد الأعمال، لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما تقبل منه حتى يؤمن بالقدر. المعتقدات الفاسدة تؤثر سلبًا على الأعمال، تؤثر سلبًا على الأعمال. فهكذا ينبغي على المسلم أن يعرف ويتعرف على دينه وعلى عقيدته، فلا يذهب يمنة ويسرة، وتتخطفه الشبهات ومثل هذه الطرهات، وخاصة ونحن في هذه الأزمنة، أزمة العولمة، الذي حارص أهل النفاق ظاهرا وباطنًا أن يزرعوا الشبهات في قلوب أهل الإيمان. حتى وجدنا من يتريث في شيء من معتقداته في اعتناقها واعتقادها، كل ذلك من الكفر، أعد نظرًا يا عبد الله، وأنت في هذا الشهر على وشك دخول رمضان. كذلك من مسائل صور الشرك والكفر، إخواني في الله، ما يكون من مسألة الاستهزاء بالدين، بشرائعه، بمسائله، بأحكامه. قل: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم»، لربما لا زال بعض الناس من السفلة يتضاحك على دين الله سخرية وتطاولًا، لربما استهزأ على معالم الدين، استهزأ على أركان الإسلام، استهزأ على شيء من سنن الأنبياء، استهزأ باللحى، استهزأ بالجلباب، استهزأ بالحجاب، استهزأ بحلقات القرآن، كل ذلك من الكفر، ما يجوز يا عبد الله. أحكام الدين حقها الإجلال والإعظام، ومن ثم القبول والانقياد، فإن لم يكن لا هذا ولا ذاك، فلا يصدر منك الاستهزاء أو الازدراء. ومما أدخله العلماء في مسألة الاستهزاء السب للدين والرب، فإنه من أعظم صور الاستهزاء، وقد قام الإجماع، كما قال الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى: «أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله فقد كفر»، هذا بالاتفاق. ويأتي من يأتي في مثل هذه الأزمان، حتى سمعنا أنه من يأتي في رمضان، ومن لربما يصوم في أيام رمضان، وهو في عز النهار لربما يلعن ويسب الدين ويسب الرب، إذا وقع في مشاجرة أو مشاحنة أو في مخاصمة، كيف تجمع صائم؟ قال: نعم صائم، وتسب ربك الذي فرض عليك الصيام؟ كيف نجمع بين هذا أي تعظيم جعلته لله وأنت تسب ربك؟ فهذا خرج عن الدين والملة، وهذا بالإجماع، والإجماع قد تواترت عليه الكلمة، كلمة العلماء من أهل السنة. فينبغي، إخواني في الله، لأن إنسان يتحرز ويعرف هذه الشركيات وهذه الكفريات التي لربما يبتل بها بعض الناس، ولا يدري أنه توصله إلى هذا الحد من المروق من الدين. ومن ذلك أيضًا ما كان من ترك الصلاة، فعلى قول جماعة من العلماء والفقهاء لأن ترك الصلاة كفر، استدلالًا بقوله عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، فقد كفر. حتى ذهب بعض العلماء إلى أن ترك فريضة واحدة، كما أشار ذلك الظاهرية، وابن حزم أشار إلى أن هذا قول جماعة من الصحابة، من ترك فرضًا واحدًا متعمدًا حتى يخرج وقته فقد كفر. لكن تعال في رمضان، من الناس الذي اعتاد على ترك الصلاة، لا زال يعتاد على تركها حتى في أيام رمضان، تمر عليه فروض لا يصليها، لربما يسهر إلى قبيل الفجر ثم ينام، وما يصحى إلا مع العصر. كم الساعة الآن؟ بعدما تمطط، كم الساعة؟ قالوا: الساعة الرابعة، كم باقي من الإفطار يا جماعة؟ قالوا: باقي ساعة، قال: تمام، يسأل الله يتقبل، يتقبل منك الصيام وأنت تارك للصلاة؟ قام الرابعة، ثم لربما نقر العصر أربع نقرات، وما صلى الفجر، وما صلى الظهر. قالوا: ماذا يفيدك الصيام وأنت تارك للصلاة؟ قالوا: الجماعة من أهل العلم يحكمون عليه بالكفر، بالكفر، من تعمد في ترك صلاة، تعمد ما يحسبها في برنامجه، يسقطها في هذه، إخواني في الله، هذه المسألة ينبغي المسلم أن يراجعها ويتعرف ويتعلم على نواقض الإسلام. الإسلام قد ألفت الكتب قديمًا وحديثًا في تتبع الأقوال والأحوال والأعمال التي إن ابتلي بها أهل الإسلام خرجهم ذلكم عن دائرة الإيمان. هذا ينبغي على كل واحد منا أن يتعلمها حتى لا يبتلى بها، شعر بهذا أو لم يشعر. فحاصل، إخواني في الله، أن مما يذكر من المسائل التي تمنعنا من استيفاء أعمالنا ما يكون من تلبسنا ببعض أعمال الشرك والكفر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلكم والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.