الدرس في كتاب المنثورات والملح 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض هذا المحور أحاديث من كتاب المنثورات والملح في رياض الصالحين تتناول علامات الساعة كذهاب الصالحين وبقاء الحثالة، وفضل أهل بدر من البشر والملائكة. كما يبين حكم العقوبة الجماعية إذا نزلت بقوم و قصة اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر بديلاً عن الجذع.
يسرد المحور معجزة حنين جذع النخلة وبكائه لفراق النبي صلى الله عليه وسلم وسكونه بوضع يده عليه، مع ذكر معجزة الحجر المسلم في مكة. ثم ينتقل لشرح حديث أبي ثعلبة الخشني عن الفرائض والحدود والمحرمات وما سكت الله عنه، مبيناً ضعف إسناده لانقطاع مكحول واختلاف الرواة في رفعه ووقفه.
يستعرض المحور شواهد من أحاديث الصحابة حول تحليل الميتتين (السمك والجراد) وتواضع النبي صلى الله عليه وسلم في الأكل مع أصحابه. كما يذكر قاعدة «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين» في الحذر من تكرار الخطأ، ويشير إلى حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة.
يوضح المحور معنى قول "رجل على فضل ماء بالفلاة" مبيناً أن الفضل هو الماء الزائد عن حاجة صاحبه، وأن الفلاة هي الأرض البعيدة الخالية من الماء والناس. ويبين السياق الفقهي لهذا الوصف في أحاديث المنع من بيع فضل الماء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في كتابه «رياض الصالحين»، في كتاب المنثورات والملح، في سياق ذكره لأحاديث متعلقة بالدجال وأشراط الساعة وغيرها: قال رحمه الله تعالى: وعن مرداس الأسلمي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة»، والحثالة هي الشيء الرديء، الشيء الرديء، ويطلق على يعني السقط من الناس، من ليس لهم قيمة في المجتمع. قال: «وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله به». قال: رواه البخاري. وهذا يا إخوان فيه أن موت أهل العلم وأهل الصلاح يعتبر علامة من علامات قرب قيام الساعة، قرب قيام الساعة، والساعة إنما تقوم على أشرار الناس، حيث لا يقال: الله، الله، كما مر معنا في أحاديث الدجال وغيرها. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما تعدون أهل بدر فيكم؟» أهل بدر، أي الذين شاركوا في غزوة بدر الكبرى التي كانت في رمضان في السنة الثانية من الهجرة. جبريل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون أهل بدر فيكم؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أفضل المسلمين». قال: أو كلمة نحوها. قال: أي جبريل: «وكذلك من شهد بدراً من الملائكة»، أي أنهم من أفضل الملائكة. قال: رواه البخاري. وهذا فيه بيان لمنزلة أهل بدر، سواء كانوا من المسلمين أو كانوا من الملائكة، وأنهم يعتبرون خياراً وأفاضل. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنزل الله تعالى بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم». قال: متفق عليه. وفي هذا: ربنا عز وجل يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾، وإنما قد تعم الجميع، ولا سيما إذا قل الناصحون، وقل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، إذا قل المصلحون، فهنا إذا نزلت العقوبة فالعقوبة قد تعم الجميع، ويبعث الناس يوم القيامة على حسب نياتهم، على حسب نياتهم وأعمالهم. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن جابر رضي الله عنه قال: كان جذع يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في الخطبة، أي خطبة الجمعة وغيرها. قال: فلما وضع المنبر، ووضع المنبر يا إخوان، جاءت امرأة من الأنصار، وقالت: يا رسول الله، إن لي غلاماً نجاراً، أفيصنع لك شيئاً تتكلم عليه الناس؟ قال: «إن شئتِ فصنع المنبر». وكان المنبر من الخشب، وهو على ثلاث درجات، يقوم على الثانية، ويجلس على الثالثة. قال: فلما وضع المنبر، قال: سمعنا للجذع مثل صوت العشار، والعشار هي الناقة التي انتهت من حملها، فبلغت عشرة أشهر إلى أن تلد، يقال لها عشار أو عشراء، فسمعوا لهذا الجذع صوت كصوت هذه الناقة. قال: حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع يده عليه، فسكن، فسكن، أي توقف عن ذلك الصوت الذي هو حنين أو بكاء، كما سيأتي في الروايات الأخرى. قال: وفي رواية: فلما كان يوم الجمعة، قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها، حتى كادت أن تنشق، أي من شدة الصياح، والصحابة في المسجد يسمعون وينظرون إلى هذه المعجزة التي أيد بها ربنا عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وفي رواية: فصاحت صياحة الصبي، صياحة الصبي، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه، قال: فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن حتى استقرت، أي حتى هدأت. قال: أي النبي صلى الله عليه وسلم: «بكت على ما كانت تسمع من الذكر»، بكت على ما كانت تسمع من الذكر. قال: رواه البخاري. وهذا الحديث يا إخوان فيه معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، ومنها هذه الإرادات التي يجعلها الله في هذه الجمادات. في حديث سمرة: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي، إني لأعرفه الآن». حجر بمكة، إذا مر النبي صلى الله عليه وسلم عنده جعل يسلم عليه. من الذي يسلم على الآخر؟ الحجر أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ يا أبا محمد، من الذي يسلم على الآخر؟ يسلم على من؟ على النبي صلى الله عليه وسلم. أحسنت. قال: «إني لا أعرفه الآن، إني لا أعرفه الآن». وهكذا غيرها من معجزاته صلى الله عليه وسلم، والأحاديث تتضمن أشياء كثيرة، لكن كما سبق نحب أن نقرأ ونمر. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها». قال: حديث حسن، رواه الترمذي وغيره، رواه الدارقطني وغيره. وهذا الحديث كما ذكر أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيره، وهو من طريق داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث. وهذا الإسناد إسناد ضعيف، ذكر العلماء فيه علتين: الأولى: أن مكحولاً لم يصح له سماع من أبي ثعلبة الخشني. العلة الثانية: اختلف العلماء في رفعه، أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووقفه على أبي ثعلبة. وجاءت بعض الشواهد وبعض المتابعات، كشاهد من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، غير أن هذا الشاهد ذكر بعض العلماء أنه واهن، أي شديد الضعف، لا يحصل، أو لا يصلح للمتابعة، ويغني عن حديث أبي ثعلبة. هذا ما جاء في حديث أبي الدرداء بلفظ: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن نسياً». ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾. وهذا أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، رحم الله الجميع. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، نأكل الجراد، نأكل الجراد. قال: وفي رواية: نأكل معه الجراد. متفق عليه. ما فائدة الرواية الثانية؟ نعم يا أبي عبد الرحمن... قد قيلوا لشوية لا بأس، طيب تفضل. الرواية الأولى: قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، نأكل الجراد. في الرواية الثانية قال: نأكل معه الجراد. أحسن. والجراد معروف أو غير معروف؟ معروف يا أبا محمد. صحيح يا أبا حذيفة، معروف. الجراد الجراد معروف، وحل لنا ميتتان ودمان: الميتتان السمك والجراد. والجراد يا إخوان إذا جاء موسمه يأتي بكميات كبيرة، يعني يجمع الواحد عدة أواني وأكياس مثل حق الدقيق هذا من الجراد، ويقلي بعضهم يأكله نيئاً، يخلع الرأس فقط ويأكل ما تبقى، والبعض يأكله مقلياً، ومن أكله يذكرون أن فيه طعماً لذيذاً كما ذكروا، والصحابة يأكلون الجراد. وفي الرواية الثانية: مع النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه جواز أكل الجراد، كيفما مات فميتته حلال، وأيضاً فيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان يشارك المسلمين في طعامهم وشرابهم إلى غير ذلك. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». قال: متفق عليه. وهذا فيه أدب نبوي شريف، أدب به عليه الصلاة والسلام أمته كي تحذر مما يخاف سوء عاقبته، يعني إذا كان الشر يأتيك من هذا الباب فلا تلجه مرة أخرى. جحر وضعت يدك فيه فلدغك، أو لدغك ثعبان، هل مرة ثانية تضعه؟ لا. «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». وهذا يا إخوان فيه أنه ينبغي على المسلم أن يحذر من أسباب الغفلة، من أسباب الغفلة، أن يكون حازماً وحذراً، لا يؤتى من الغفلة فينخدع مرة بعد مرة. وعنه... الضمير يعود إلى من؟ يا أبا سعيد. وعنه أبو هريرة، أحسن. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة، أي أصناف من الناس، لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، أي نظرة رحمة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». رجل على فضل ماء بالفلاة، يعني على فضل ماء، يعني عنده ما فاضل، أي زائد على حاجته، وبالفلاة، أي بالأرض البعيدة التي لا ماء فيها.