الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
أرسل الله هودا عليه السلام لقوم عاد لدعوتهم إلى التوحيد بعد ظهور الشرك فيهم، إلا أنهم أبوا الإيمان واستهزؤوا به. كان قوم عاد مشهورين بالبناء والعمارة الضخمة في الأحقاف باليمن.
استعجل قوم عاد العذاب فأرسل الله عليهم ريحا صرصر عاتية استمرت سبع ليال وثمانية أيام، أدت إلى تدميرهم وتقتلعهم من الأرض. أصبحت قريتهم جثثا بلا رؤوس كالنخل الخاوية.
تروي قصة وافد عاد الذي أرسله قومه لاستسقاء الله في مكة، ولكنه تأخر وتلهى، ثم استسقى واختار سحابة سوداء تحمل العذاب لقومه. القصة رواها الحارث بن حسان البكري لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
يناقش المقطع قصة إرم ذات العماد ويفند الروايات حول وجود مدينة ذهبية ضخمة بناها قوم عاد، كما ينتقد ادعاءات وجود قبر هود عليه السلام في حضرموت لعدم وجود دلائل تاريخية أو شرعية.
تُستخلص من القصة أهمية أن تكون الدعوة إلى الله قائمة على التوحيد والصبر، حيث يجب على الداعية أن ينافح عن التوحيد ويصبر على ذلك، وتعد هذه الدعوة أساس رسالة الأنبياء.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والا. أما بعد، كانت الإشارة لما يتعلق بنبي الله نوح عليه السلام وما كان من أمر الطوفان، ثم الإشارة إلى الغوة الزمنية من بعد نوح عليه السلام إلى أن نصل إلى إبراهيم. فبعد ذلكم التواريخ عندي تتضح، ومن خلال التأمل في كتاب الله جل وعلى تظهر لنا بعض الأمم التي جاءت تنصيص على أنها كانت بعد نوح، وهم قوم عاد ومن بعدهم قوم ثمود. لهذا سنشير إشارة إلى قصة هذين النبيين الكريمين لأننا في مقام تتبع ملخص الأنبياء والرسل. فمما يذكر إخواني في الله في أمر قصة هود نبي الله هود عليه السلام ما يتعلق أولا بنسبه، وهو هود من ذرية سام ابن نوح. وهذا بالاتفاق قد أشرنا إلى أن نوح له أربع من الولد، ثلاثة على قيد الحياة، والأخير وهو يام فقد هلك مع الكافرين. وأن من الثلاثة الذين هم من ذرية نوح والذين انبثقت منهم الأمم سام، وهذا سام تفرع منه العرب والفرس والروم. فكان هود عليه السلام تفرع من ذرية سام، لكن الله أعلم كم عدد الآباء والأجداد الذين بينهم. الله أعلم فالحاصل أن هود عليه السلام كان من ذرية سام ابن نوح. وقد جاء ذكر هود عليه السلام في القرآن سبع مرات، وأما قبيلته وهم عاد فقد ذكروا في القرآن سبعة وعشرين مرة. وهذه القبيلة وهم قوم عاد سكنوا الأحقاف، والأحقاف جمع حقف، والحقف في اللغة العربية وهو الجبال من الرمال. هذا من حيث اللغة، الجبال الرملية في اللغة تسمى الأحقاف. وكان قوم عاد سكنوا في منطقة يقال عنها الأحقاف. يا ترى أين هذه المنطقة؟ نعم، اختلفت أنظار العلماء في تحديد الموقع الجغرافي لهذه البلدة، وهي بلدة الأحقاف. ومما يذكر من بعض العلماء ما ذكره قتادة رحمه الله تعالى، حيث قال: ذكر لنا أن عادا كانوا حيا من اليمن، أهل رمل، لأن كما قلنا الأصل اللغوي الأحقاف هي الجبال الرملية. إنهم سكنوا في مكان رملي، قال: كانوا حيا من اليمن أهل رمل مشرفين على البحر، بأرض يقال لها الشحر. انتهى كلامه رحمه الله. فيذهب جماعة من أهل العلم إلى أن محل عاد هم من أهل حضر موت، حي من اليمن، وأنهم في بلاد رملية ساحلية، ويقال لها الشحر. وجاء من أقوال جماعة من أهل العلم أنهم تحديدا في الربع الخالي. وقبل أن أنسى الشحر إخواني في الله، كانت قديما تطلق على هذا الساحل الطويل، يعني من أطراف حضر موت إلى بلاد المهرة وصولا إلى عمان، هذا الخط الساحل الطويل كان قديما يطلق عنه الشحر. فالشاهد أن العلماء حرصوا على أنهم يضبطوا هذا الموقع، فكان من أقوالهم من قال بهذا ومن قال بهذا. ومما يذكر كذلكم وهو الذي منه ننطلق أن قوم عاد هم جاءوا بعد قوم نوح، لأن من تتبع ونظر في كتاب الله جل وعلا يجد أن هذا التسلسل التاريخي دائما يذكر في القرآن في أكثر من سورة، يذكر قوم نوح ومن بعدهم قوم عاد. وأصرح آية في هذا الباب كما قال ربنا جل وعلا في حق هود عليه السلام: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾. وهكذا في سورة الشعراء، وهكذا في سورة المؤمنون، وفي سورة الأعراف تجد أن قصة قوم هود عليه السلام مع قومه عاد إنما تذكر بعد نوح. ولهذا كان العلماء كانوا ولا يزالوا يذكرون من حيث التسلسل بعد أن ينتهوا من قصة نوح يدخلون في قصة هود عليه السلام وما جرى من قومه. أرسل الله جل وعلا هود عليه السلام لدعوة الناس إلى التوحيد، إذ أن الشرك قد حصل في قوم عاد. وكانت عاد أول قوم عبد الأصنام بعد قوم نوح. مضى معنى كيف أن الله أهلك وأباد نوح قوم نوح الكفرة، أبادهم عن بكرة أبيهم، ونجى الله من نجى. ثم أخذ نوح عليه السلام يعمر الأرض من جديد على ما ذكرنا، فمرت قرون ومدة طويلة حتى انتشرت المعمورة في الأرض مرة أخرى. وحينها ظهر الشرك مرة ثانية في قوم عاد، وكانت أول منطقة وهي الأحقاف وهم قوم عاد أظهروا الشرك بعد قوم نوح. ولهذا ذكرهم هود عليه السلام بهذا: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾، تذكروا ما الذي صار في نوح، عبرة وآية وعظة أن الله قد أهلكهم فلا تقعوا في نفس الخطأ. فقام هود عليه السلام بدعوة قومه، إلا أن قومه أبوا إلا المضيء على ما هم عليه حتى يأسوه من الدعوة، بما كان من استهزائهم ومن سخريتهم حتى وصل بهم الحال أن قالوا له: «سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين». ما معنى هذا؟ معنى هذا الأمر عندنا كله سواء، تذكر وإلا ما تذكر، ما سنؤمن. سواء علينا أوعظت أو لم تكن من الواعظين، تريد أن تعظ عظ، تريد أن تترك الوعظة أترك، ما سيغير هذا في مجريات الأحداث، لن نؤمن بك يا هود، لن نؤمن بك يا هود. فحينها أوصل هود عليه السلام إلى باب مسدود، على أنهم سيركبوا الهوى وأنه مهما بذل ودعا لن يؤمنوا به، سيظلون على شركهم وكفرهم بالله جل في علا. وكان من طبيعة عاد أنهم كانوا ومن طبيعتهم الدنيوية أنهم اشتهروا بالبناء، فكانوا يبنون ويبنون. قوم هود نظرا لأنهم قريب عهد بنوح كانوا على خلق عظيمة، كما قال: «بسطة في الجسم»، بل أهم بسطة عظيمة. تنوعة أقوال المفسرين والمؤرخين في مقدار طولهم، الله أعلم. أقوال وألفاظ لو ربما لا يتقبلها العقل في أحجام هؤلاء، لكن أحكى ربنا عنهم أنهم أهل بسطة في الجسم، عمالقة كبار جسام. فاستغلوا هذه الضخامة في أن يستغلوها بالبناء، فكانوا يبنون ماذا؟ القصور والحصون والعمائر والمباني الكبيرة الضخمة المشيدة، كما قال ربنا سبحانه وتعالى على لسان داود عليه السلام: ﴿أتبنون بكل ريع آية تعبثون﴾. والريع هو المكان المرتفع. قال: «آية»، ما معنى آية؟ أي هذا البناء الذي تبنونه كان آية في البناء، آية في ماذا؟ آية في الضخامة، آية في المتانة، آية في الجمال، آية في البهاء. فكانوا يتقنون جدا قضية البناء، لكن ماذا؟ «تعبثون»، ما معنى تعبثون؟ كان من شأنهم أنهم إذا انتهوا من بناء هذه القصور وهذه الدور وهذه القلاع والحصون تركوها وما سكنوها. تركوها وما سكنوها، ما كانوا يسكنون فيها. طب لماذا تبنون؟ عبث، عبث بكل آية، تعبثون، تعبث، ضيع للأوقات، ضيع للأوقات، فقط هدر للطاقات الذي أعطاهم الله جل وعلا إياها. فالحاصل أن كان هذا من أمرهم، وكان هذا من طبيعتهم أنهم كانوا يبنون ولا يسكنون. ومع استمرار هود لدعوته لقومه عاد، وصل بهم الأمر في نهاية المطاف كما صار مع نوح، أنهم استعجلوا العذاب، تهكما، سخرية، استهزاء بهود عليه السلام، فطلبوا منه أن يعجل لهم بالعذاب، فقالوا: «فأتنا بما تعيدنا إن كنت من الصادقين». فأتنا بما تعيدنا، إن كنت صادق يا هود بدعواك وأنك مرسل وأنك تهددون بعذاب، اتنا بما تعيدنا به، نحن في انتظارك. حينها ما كان من هود عليه السلام إلا أن التجأ إلى ربه جل وعلا، فقال: «رب انصرون». قال: «رب انصرني على تكذيبهم هذا، انصرني يا رب عليهم». فرد ربنا على هود عليه السلام قال: «عما قليل ليصبحن نادمين». قليل صبرك يا هود، عما قليل، إذا كان القوم أرادوا العذاب فليأتيهم العذاب. وأول ما بدأ من عذاب الله في حق عاد أن الله عز وجل أمسك عليهم الأمطار، أمسك عليهم المياه، فأصيبوا بالقحط والجدب والجفاف، فلم تنبت الأرض شيئا. أكثر الروايات تحث أن هذه الظاهرة استمرت ثلاثة سنوات. وقد حبس الله عنهم الأمطار والقطر حتى تعبوا، وأنفكوا بهذا الأمر، إلى أن أتى هذا اليوم وهو اليوم الموعود. فبينما هم كانوا بغاية الشغف بقطر من السماء، إذ وجدوا سحابا يتجمع، فاستبشروا بهذا السحاب. وهذا في قول ربنا جل وعلا قالوا: «هذا عارض ممطرنا». عارض أي السحاب، هذا السحاب المتجمع الذي استعرض هذا الوادي، هذا منه الأمطار، فاشرأبت الأمطار إلى هذه السحاب السحاب القادم إليهم، واستبشروا فيه خيرا. لكن الأمر كان على خلاف ما تصوروا، بل هذا السحاب قال الله عز وجل: «بل هو ما استعجلتم به». هذا السحاب لا تظنه السحاب الذي تخيلتموه، بل هذا السحاب، هذا الذي طلبتموه من هود أن يأتيكم بعذاب، هذا العذاب قد أتاكم. ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾. فكان عذاب قوم هود عليه السلام أن صلت الله عز وجل عليهم الريح. هذا الأمر الأول، ومن وصف هذه الريح أنها ريح ذات صرصر، ذات صرصر، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وأما عاد فأهلكناهم بريح صرصر عاتية﴾. ما معنى الريح الصرصر العاتية؟ الصرصر هي الريح التي يكون فيها من أمرها أنها تكون شديدة، ريح شديدة لها صوت. وأنتم تعلمون إخواني في الأحيان إن إذا اشتدت الريح يكون لها صوت، صوت مزعج. لكن هذا إزعاج لا يتقبله العقل البشري، حتى وصفوها بأنها كالبرق وكالرعد في صوتها وإزعاج الآذان منها. فكان ذات صرصر أي ذات صوت، وأيضا شديدة البرودة، باردة جدا. ولا زال الناس يحدثوننا في بعض الدول المناخية يعرفون بشيء من هذه المظاهر، تأتي عليهم ريح شديدة مع برودة قاسية، لكن هذا فوق ما يتخيله أحد. فكانت عاتية كما وصفها الله سبحانه وتعالى. وأيضا كان من شأن هذه الريح العاتية ذات صرصر أن الله عز وجل سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما. ذكر ربنا جل وعلا مقدار هذه الريح بأنها سبعة ليال وثمانية أيام حسوما، بمعنى متتابعة، متتابعة من غير انقطاع، ريح متواصلة، يوم بعد يوم، الليل بالنهار، وتمضي ريح شديدة تقلع الآذان، وقبل ذلك القلوب، مع برودة عظيمة. وهذه ريح كما ذكر ربنا جل وعلا أن الله سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام، ثمانية أيام، ودل على أن الأيام أكثر من الليالي، لأن هذا يجر إلى مسألة وهي أن من حكمة الله جل في علاه أنه إذا عذب قوما يكون العذاب ينزل في النهار، إذا أراد الله جل في علاه أن يعذب قوما أنزل العذاب في وقت النهار، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾. الصبح. وقال سبحانه: ﴿فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذريين﴾. صباح. وهذه الآية التي بين أيدينا تدل على أن عذاب قوم عاد كان في الفترة ماذا؟ اليومية، أي النهارية. ولهذا كانت الأيام أطول من الليالي. ويقدرها بعضهم أنها بدأت مثلا بعض المفسر يقول: بدأت من يوم الأربعاء، من نهار الأربعاء إلى الأربعاء القادم، من أربعاء، من نهار الأربعاء إلى نهار الأربعاء. هذه لو حسبتها الآن تجد أن ثمانية أيام، والليالي سبعة ليالي، استمرت الريح على هذه الحال حسوما، لا انقطاع، ما هناك هدوء، وإنما تستمر على القوم الظالمين. وكذلك مما جاء في وصف هذه الريح أنها تدمر كل شيء، كل شيء بما أمرت أن تدمره، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، كالبالي. تتصلت على الشيء فلا زالت تنازع تنازع حتى تذهب. هذه من أوصافها. كذلك من أوصاف هذه الريح أنها عقيم، أنها عقيم، كما قال ربنا: ﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾. ما معنى الريح العقيم؟ الريح العقيم هي الريح التي لا خير فيها، ريح لا خير فيها. فهذه الريح لا من ورائها أمطار، ولا من ورائها هواء، ولا نسيم، ولا من ورائها الريح تلقيح للأسجار، ولا منفعة. حالها كحال من؟ كحال المرأة العقيم، المرأة العقيم التي لا تأتي بخلفة، لا تأتي بولد، لا تأتي بشيء. وهذه الريح كذلك لا تأتي بشيء من الخير، لكن تأتي بالموت، تأتي بالهلاك والدمار. وأيضا من أوصاف هذه الريح التي صلتها الله وسخرها الله على قوم عاد أن من أمرهم أنها تنزع الناس، تنزع الناس. والنزع هو السحب بقوة، السحب بقوة. الواحد إذا تشبث بأمر يتعلق بأمر، ويأتي واحد من يسحب، سحبا. فكان هكذا الذي صار لقوم عاد، سحبوا إلى أين؟ إلى الأعلى، بواسطة ماذا؟ هذه الريح العاتية. الواحد منهم يحاول أن يتمسك بشيء، يتمسك بكل قوة، فتنزعه وترفعه إلى السماء. وأنا أتحدث عن من لا أتحدث عن شيء يسير، أتحدث عن عمالقة، لو ربما الواحد أضعاف أضعاف هذه السارية، أضعاف هذه السارية. حينما اغتروا على الله بشدتهم وقوتهم، آراهم الله قوته سبحانه، جعل هذه الريح هو يفعل بهم الأفاعيل. فما استطاعوا لها صمودا. فكانت الريح ترفعهم إلى الأعلى، بعد أن تتجاذبهم من الريح، تصعد بهم إلى الأعلى، ثم تهوي بهم إلى الأسفل. وتخيل يا عبد الله الهوي مع هذه الريح العاتية، إذا سقط أحدهم كان إذا سقط في الأرض، أول ما يقع ماذا؟ أن الرأس ينقلع، بسأل الله السلامة والعافية. الرأس ما يتحمل، الرقب هذه خفيفة خفيفة. وانظر للحوادث تجد أن الحوادث أكثر ما تكون الإصابات في الرقبة، التواء، كسر، لأن ما تتحمل الصدمات. فتخيل رجل بقوته، عملاق، يصعد إلى السماء، ثم يهوى به من الأعلى إلى الأرض على أم رأسه. فأول ما يفتلق منه الرأس. فأصبحت ماذا؟ فأصبحت تلكم القرية عبارة عن جثث مترامية من غير رؤوس، من غير رؤوس. وقد وصف الله جل وعلا هذه الحادثة، وهذه الأمر بقوله: ﴿فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾. مثل النخلة، تخيل أحيانا نذهب إلى بعض البوادي، نجد نخل طويل مرمي في الأرض، نخلة طويلة من غير الرأس، لأن الرأس ماذا؟ هي الأوراق والأجار، نزعت من جفافها تسقط. فهؤلاء كانوا هكذا، جثث طويلة، لكن بلا رؤوس، بلا رؤوس، أزيلت. فشبهم الله جل وعلا بالنخل المرمي، وذلك عند مصرعهم، نسأل الله السلامة والعافية. فلم يبقى خلال مرور الريح على قوم من قوم عاد أحد منهم، لم يبقى أحد منهم، أهلكهم الله جميعا عن بكرة أبيهم. ما ظلمهم الله، هم أرادوا العذاب، فقال: «خذوا عذابكم». من الآن، عطاهم الله العذاب الذي يستحقونه، فأهلكهم الله عن بكرة أبيهم. لكن بقي، قد يقول قائل: وما حال أهل الإيمان؟ وما حال هود عليه السلام؟ قال ربنا جل وعلا: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا برحمة منا﴾. نجأه الله عز وجل. ذكروا أهل التفاسير على أنهم كانوا قد استوطنوا حضيرة، حضيرة، جلسوا فيها، ولم يأتهم من الريح إلا ما يحرك الجلود. سبحان الله، يحفظهم الله جل وعلا بحفظه. وأما أولئك، فقد كانت الريح تتلاعب بهم يمنة ويسرى، حتى أهلكهم الله عن بكرة أبيهم. هذا إخواني في الله ما يتعلق بخلاصة قصة هود عليه السلام مع قومه، وهم قوم عاد. في ختام هذه مسألة إخواني في الله، القصة أحب أن أشير إلى بعض المسائل المتعلقة بقصة هود عليه السلام، وما يتفرع منها من أحكام. من هذه المسائل أولا ما يتعلق بحديث وافد عاد، حديث وافد عاد، وما علاقته بقصة هود ومهلك قومه. هذه القصة بدايتها رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده، أن الحارثة بن حسان البكري من بني بكر، خرج من بلدته لأمر إلى أين؟ أراد أن يجلس مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو مسلم من أهل الإسلام. وكان من في جهة البحرين، في جهة البحرين، خرج أراد أن يأتي رسول الله لكي يخبره بأمر. وأنا أحاول أن أختص لأن القصة طويلة، في مرور هذا الصحابي الجليل، مر على امرأة جالسة، وذلك تحديدا في منطقة الربذة، الربذة. فإذ بها تستوقف هذا الصحابي، فقالتها: إلى أين يا أمت الله؟ قد أريد أن أذهب إلى رسول الله. لا أنا بالمثل، إصعدي. وقال: أنه كانوا قافلة، فأخذها وحمل هذه المرأة العجوز إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. فكان من مكان، وكان هذا الصحابي الجليل وهو الحارث معه أمر مع رسول الله في موضوع حروب مع بعض الكفار، وما صار من بعض المشاكل. فإذ بالمرأة قد حضرت المجلس، فلما كانت تستمع للحوار الذي صار بين رسول الله وبين الحارث، لأن الحارث كان يتكلم عن قومه ويمدح قومه في أشياء. وكانت هذه المرأة العجوز من قوم بينها وبين الحارث حروب، فاستغلت المرأة حضور مجلسها عند رسول الله أن قامت واعترضت على هذا الحديث الذي دار. وقالت: «كيف يا رسول الله يقول هذا كذا وهذا كذا؟». هنا الحارث انبهر، يعني إيش هذا؟ انبهر، واخذ يلتفت إليها، يعني الآن كما يقول القائل: هذا نهاية المعروف. أنا جئت بك الآن من تلكم البقاع إلى هذا المحل، ودخلت بيني وبين رسول الله. يعني هذا نهاية المعروف. فالحاصل قصة طويلة، فالتفت إليها، ثم قال: «أعوذ بالله أن أكون كوافد عاد». فقاله نبينا صلى الله عليه وسلم: «وما وافد عاد؟». مع أن النبي كما قال الراوي: أعلم من الحارث بهذه القصة، لكن أحب أن يسمعها منه. ما هي؟ فقام الحارث رضي الله تعالى عنه ويحكي قصة وافد عاد، وذكر باختصار قصة وافد عاد، ما مرت به قوم عاد من الجفاف الذي أشرنا إليه سلفا، من الجفاف والقحط. حينها أرادوا الاستسقاء، أرادوا الاستسقاء. وكان من طبيعة الناس في تلك الأزمان أنهم يذهبون إلى مكة، إذ أن لها حرمة في تلك الأزمان، يذهبون إلى مكة ويستسقون هنالك. فأرسلوا رجلا منهم، يقال عنه: قيل، قيل، فأمروه أن يذهب إلى مكة ويستسقي لهم، وأن يستسقي لهم. فذهب هذا الوافد، ورواية الخبر القصة أنه ماذا؟ أنه ذهب مع بعض الناس، وقيل: أنه ذهب لوحده. قيل: أنه ذهب وأول ما ذهب إلى مكة، نزل عند رجل، عند رجل ممن بينهم، يعني قوم عاد، وبين هذا الرجل الذي هو ساكن في مكة، صل وقرابة، صل وقرابة، معاوية بن بكر. قيل: أن قوم عاد أخواله، ومن هذا معاوية، هل كان ملكا هنالك أو له سلطة؟ الله أعلم. فكان هذا معاوية بن بكر في مكة، فجاء، قيل: ونزل إليه مباشرة، جلس عنده. فجلس هذا الرجل فترة من الزمن، طبعا خارج القصة، من باب الفاتر، خارج القصة، جلس شهر كامل، شهر كامل، عند صاحبه وقريبه. وماذا يقع خلال الشهر؟ كان يشرب الخمر ويستمع للغناء، والرجل ما يفكر بالمهمة التي أنيطت إليه، قومه في جفاف وقحط وجدب، وأرسلوه أن يستسقي لهم. فإذ به يلعب ويعبث مع الجواري، مع النساء، ومع الخمر، حتى أن صاحب البيت استحى، استحى أن يذكره بمهمة، وأن الآوان، وأن الآوان تخرج، تهب إلى مكة، وتستسقي لقومك. ثم نبه عن طريق جعل الغواني يغنين أغنية، نشيدة، ونحو ذلك، يذكرنه بمهمته، وأن الآوان أن تقوم، قم. فشعر، فذهب، وذهب إلى مكة، واستسقى. وقيل: ذهب إلى الجبال، جبال مكة، واستسقى. وكان من دعائه أنه دعا، فقال: «اللهم إني لم آتيك لأسير فأعاديه، ولا لمريض فأداويه، وإنما اسقي عبدك ما أنت مسقيه». هذا الذي أريده، سقيا. هذا كان وافد عاد، بينما هو كذلك، إذ تجمعت السحاب في السماء، فنودي من خلالها أن اختر، أن اختر لقومك. في خارج القصة، هذه جاءت سحاب بيضاء، وحمراء، وسوداء، خارج الحديث، لأن عندي حديث الآن، أسير عليه، وعندي زوائد خارج الحديث. على أنه تجمعت ثلاثة أنواع من السحاب، بيضاء، حمراء، سوداء، فنودي: اختر، اختر لقومك، أنت طلبت السقيا، سقياك في أحد هذه الثلاث، اختر. فاختار السوداء، ظنن منه ماذا؟ أن هذه السوداء فيها الماء الكثير، الغزير، الوفير. قال: فاختار السوداء، فنودي من خلال هذه السحاب، قال: «خذها رمادا رمددا، رمددا»، أي في منتهى الحرارة، خذها رمادا، أي هذا فيها العذاب. اخترت الذي فيها العذاب لقومه، قال: «خذها رمددا، لا تبقي من عاد أحد، لا والد ولا ولدا». فتحركت السحاب حتى وصلت إلى قومه، فكان لما رأوا قومه السحب قد تجمعت إليهم، يأتي الآن النص القرآني، قالوا: «هذا عارض ممطرنا»، «بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم». طب هذه القصة التي سمعتموها، قصة الحارث لما جاء، وقص على نبينا قصة وافد عاد. هذه القصة يحسنها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، يحسنها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وذلكم في السلسلة الضعيفة، في السلسلة الضعيفة، حسن هذا تحت رقم برقم ألف ومائتين وثمانية وعشرين. هذا مما يتعلق بهذا، فهي تربط، وإن كان بعض المفسرين يحاول أن يبعد هذه القصة عن مجال الآية، لكن بعض أكثر علماء يربطون هذا بهذا، وأن هذا من التسلسل لتفاصيل القصة، وافد عاد. ولهذا قال الراوي بعد ذلكم: قال: «فكان الرجل والمرأة إذا بعثوا وافدا، قالوا له: لا تكن كوافد عاد». انتبه، خزوة هذا، وافد أرسلناه، فجاء لنا عذاب، هو العياذ بالله، بدل ما يأتي لنا بخير، بدل ما يأتي لنا بمطر، أتلنا بهلاك، أهلك القرية عن بكرة أبيها، وعن قوم عاد من أولهم إلى آخرهم. فأصبح هذا مثلا إذا أرسلوا رجلا، قال: «انتبه، لا تكن كوافد عاد»، أي شؤم علينا، بل تكن عاقلا حصيفا، تختار وتنتخب ما يعود لأهلك بالنفع والخير. المسألة الثانية يذكرها كذلك مما تلحق بهذه القصة، ما جاء في قوله ربنا عز وجل: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد إيرم ذات العماد﴾. هذه الآية أولا عن ماذا تتحدث؟ واضح في الدلالة، ألم تر كيف فعل ربك بعاد، بقوم عاد، وهم قوم ثمود، وقوم هود عليه السلام. طب إيرم ذات العماد، إيرم ايش؟ إيرم هي قبيلة قوم عاد، هي كما يقال على أحسن التعابير، هم مملكة قوم عاد، مملكتهم تسمى إيرم. إيرم عاد، أي قبيلة عاد، أي معشرة معشرة قوم عاد، مملكتهم تعود إلى إيرم. فإيرم هم عاد، هم هم عاد، لكن نسبوا إلى أصل المملكة، مملكتهم هذا أصلها إيرم. وذات العماد هذا وصف، أنهم كانوا ينشئون الأعمدة الطويلة، كما ذكرنا سلفا أن هذا من طبيعتهم، البناء الشاهق. ويذكر هنا في هذا المقام أنهم كانوا يعيشون في الخيام، كانت عندهم خيام ضخمة، وهذه الخيام تقوم على أعمدة، الله أعلى، بطولها. فوصفهم ربنا جل وعلا بهذا الوصف، ذات العماد، هنا في خلاف أصل بين العلماء من المفسرين، ذات العماد يعود إلى ماذا؟ إلى أوصاف طولهم؟ أو إلى أوصاف أعمدتهم وبنيانهم؟ قيل: هذا، وقيل: هذا. وإن كان الطبري رحمه الله تعالى رجح أن هذا يعود إلى البناء والأعمدة، كانت طويلة، إرم ذات العماد. فالحاصل أن هؤلاء هم من قوم عاد، إرم ذات العماد. مما أنبع عليه في هذا المقام، درجة، درجة، كثير من المفسرين والمؤرخين على ذكر قصة غريبة، عجيبة، وهي مفادها أن إرم ذات العماد هي بلدة، بلدة عظيمة كمدينة. وهذه المدينة فوق الخيال، مبنية من ذهب وفضة، من ذهب وفضة. وأن حصباءها أي الحصى، حصباءها من اللآلئ والجوهر. وأن ترابها من المسك. وهذه المدينة ما سكنت، كما قلنا عاد من طبيعتهم يبنون عبث. وكانوا آية كما وصفهم الله، آية في هذا البناء الذي يبنونه، قمة في الجمال، قمة في البهاء. فيذكر أن مما كان من عمل أيديهم أن بنوا مدينة تسمى بإرم ذات العماد، مدينة، قالوا: هكذا. وأن هذه المدينة على ما سمعنا من الضخام والفخام، وما سكنها أحد، بل لا زالت الأهواء يعصف بها. وأن هذه البلدة اختفت، وأن هذه البلدة اختفت، وأنها باقية موجودة. ولهذا إخواني في الله من الناس من الناس من يحب يتتبع الغرائب، مثل هذه القصص، قد تعشعشت في ذهنه، فماذا يفعل؟ يبحث، يبحث عن هذه البلدة، علّ وعسى أن يظفر بها، بما يسمى بالبحوث العلمية التجريبية. فما كان من مواطني قوم عاد في الربع الخالي، وفي هذه الأماكن، لو ربما جرت بعض التحقيقات على أرض الواقع، أو من السماء، هل توجد هذه المدينة؟ طبعا هذه المدينة فيها حيال، بل علق ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، عندما أورد هذه القصة، أوردها لكي ينبه على بطلانها، وقال: «وأنها من الإسرائيليات الباطلة». بل قال: «هذا من وضع زنادقة بني إسرائيل»، ليست حقيقية، وليست موجودة، خيال، إرم ذات العماد، إرم هي قبيلة عاد، ليست مدينة كما يدعي، بني يدعي. ثم جاء بعض الناس وأورد، كما وأوردت، فعلبي رحمه الله، أورد حديثا وأثرا، أن رجلا في زمن معاوية بن أبي سفيان، خرج في فلاة لكي يبحث ماذا؟ عن غنم له، أو حيوانات ضالة، يبحث عنها، وضع في مسافة بعيدة. فإذ به إذ به وجد هذه المدينة كما ذكرت، بناء ضخم، لبن من ذهب، لبن من فضة، حصباؤها الجواهر واللآل، ترابها المسك، شيء يفوق الخيال. ولما ظفر بها، رجع، رجع وأخبر الناس بخبر المدينة، فلما ذهبوا إلى ذلك المكان، فلم يعثروا عليها. طبعا علق العلماء كالشوكاني في فتح القدير، وابن كثير في تفسيره، إلى أن هذه القصة لا تثبت، سندا، ليست ثابتة، كذب من قال: أن هذا صار في زمن معاوية، بذكر ابن كثير رحمه الله تعالى، أو قال: بل ما يستبعد، ما يستبعد أن يكون هذا هوس أصيبه الرجل. يذهب بعيد، ثم يتيه، هوس من شدة الحرارة والجو، فيتخيل مدينة، ثم يذهب، والدليل، وراجع ما وجد شيء. فإذن هوس، ليست حقيقة. فالشاهد أن هذه القصة، قصة المدينة، لم تثبت، على القول الصحيح، كذلك إخواني في الله، مما يذكر من مسائل قصة قصة هود عليه السلام، ما يتعلق بقبره. ابتلينا نحن في هذه البلاد اليمنية بما يسمى بقبر هود عليه السلام، وهو الذي موجود في حضر موت الداخل، ويزعمون أن هود قد دفن في هذا المكان، حيث رأوا أن هناك قبرا طويلا، قال: «ما حط طويل إلا هود عليه السلام»، قال: «هذا قبر هود». طبعا إخواني في الله، هذا القول يعد من أبطل الباطل، من أبطل الباطل. لأنه قد أشرنا إخواني في الله في دروس خلت عن الهوة الزمنية التي تفصل بين هود عليه السلام وبين إبراهيم، فضلا عن زماننا، آلاف، آلاف، آلاف السنين، قد أشرته إلى هذا في درس أمس، أتحدث عن سنوات لا يعلم بها إلا الله، سنوات سحيقة جدا جدا. لربما تغير التضاريص الأرض، فضلا أن يبقى قبر على ما هو عليه. ولهذا ما هناك أحد من أهل العلم من أهل الشأن من أهل التاريخ من المحققين من المدققين من يعترف بأن هذا هو قبر هود. ما أحد، ما أحد يستطيع أن يتكهن بهذا، لأن هذا كهانة، والأمر لا يحتاج إلى تحقيق، إلى بحث علمي. لكنها إنما هذا ينطلع على من؟ على الجهلة، ينطلع على الجهلة. أضف إلى ذلكم إذا كان هذا قبر هود على حد زعم، على حد زعم صاحبه، من يدعي هذا، يقال: «أين نبينا صلى الله عليه وسلم من قبر هود نبي صالح بجواره؟». أين المدينة؟ أين مكة؟ وأين الربع الخالي؟ إن كان في الربع الخالي أو كان في حضرموت الداخل على حد لكان مثل هذا يتجشم نبي عناء السفر لزيارة هود عليه السلام، يسلم عليه. طيب ما آرات أقل شيء يدلل عليه، يشير إليه، يخبر عنه، لا دلالة، ولا إشارة، ولا أمارة، ولا إخبار، ولا شيء من هذا عن نبينا في حق هود عليه السلام. أضف إلى ذلك ما وأوقعه الناس في قبر هود عليه السلام من الشركيات، سبحان الله، هود عليه السلام أرسله الله جل وعلا بالتوحيد. قصته عبرة لكل داعية يدعو إلى الله أن يكون دعوته قائمة على التوحيد، صبرا، ونافح