الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 39، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح المقطع أن الفقه هو استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية وهبة من الله، مبيناً الفرق الجوهري بين حفظ النصوص وفهم مقاصدها مستشهداً بحديث ابن مسعود في قلة الفقهاء وكثرة الرواة.
يعرف المقطع الفقيه بأنه العالم بأسرار الشريعة القادر على رد الفروع للأصول، مؤكداً وجوب التفقه في معاني القرآن والحديث لكون القرآن كلام الله لفظاً ومعنى، مستعرضاً فضل ابن تيمية وابن القيم.
يستعرض المقطع كلام ابن تيمية عن ضرورة حضور القلب والقالب في مجالس العلم، مبيناً أن التفقه ثمرة للتفكر العميق في آيات الله، وعلى طالب العلم الارتقاء من الحفظ إلى فقه النفس المدرك لمدارك الأحكام.
يختتم المتحدث المقطع بالدعاء للحضور بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ويصلي على النبي محمد وآله، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولا نزال مع هذا الفصل الذي يتعلق بآداب طالبي العلم في حياته العملية، في حياته العملية. قال رحمه الله تعالى: «أَتَفَقَّهُوا بِتَخْرِيجِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ، بِتَخْرِيجِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ». قال رحمه الله تعالى: «مَنْ وَرَائِهِ أَوْ مِنْ وَرَائِيَ الْفِقْهُ، أَتَفَقَّهُوا». ومعتمله ومعتمله هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أي الذي يعمل بأتفقه. هو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية. والفقه يا إخوان هذه منحة من الله عز وجل، وهبة يهبها ربنا عز وجل لمن يشاء من خلقه وعبيده. ولهذا موسى عليه الصلاة والسلام دعا فقال: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي». والنبي صلى الله عليه وسلم بل ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وفي حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». فمن علامة إرادة الله عز وجل الخير بعباده أن يفتح لهم في أبواب الفقه والعلم الشرعي. قال رحمه الله تعالى: والفقه هو ماذا؟ أنه عبارة عن استخراج أو استنباط ماذا؟ الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. قال رحمه الله تعالى: قال وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وهكذا أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم. وفيه يا إخوان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم بالنضارة. ما هي النضارة؟ ما هي النضارة؟ نعم، ما هي النضارة يا أبا ناظم؟ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ناضرة. ما هي النضارة؟ تعرف في وجوههم نظرة النعيم. أحسن، أحسن. الحسن والبهاء، ونعم. الحسن هو بمعنى النضارة. قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا». قال: «فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا»، أي أداها إلى غيره كما سمعها، لم يزِد ولم ينقص ولم يغير. قال: «كَمَا سَمِعَهَا». قال: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ». قد يحفظ الحديث أو يحفظ العبارة ولا يفهم ما معناها. يقول اليوم: سمعنا في الدرس المدرس يقول كذا وكذا وكذا، «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ». إيش معناه؟ ذهب عند واحد صاحبه أو ذهب الرجل عند زوجته ويقول: سمعنا عبارة ما ندري ما معناها. انظر: حامل فقه ليس، ليس بفقيه. وهكذا: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»، إلى من هو أفقه منه. ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام: «فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، أوعى من سامع، أوعى من سامع. فلهذا الفقه في دين الله عز وجل هذا من الأمور التي من وفق لها فقد وفق إلى خير كثير. وليس كل من يحفظ يفقه، ليس كل من يحفظ ويسمع فإنه يفقه هذا المسموع أو هذا المحفوظ. بل ليس كل العلماء فقهاء. ولهذا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، آه، ماذا كان يقول؟ كيف أنتم إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم، وقل فقهاؤكم؟ أخرجه الإمام الدارمي رحمه الله تعالى، وبوب عليه بباب تغير الزمان وما يحدث فيه، وما يحدث فيه. والفقيه يا إخوان هو الذي يعطيه الله عز وجل علما بأسرار الشريعة وغاياتها وحكمها، حتى أنه يستطيع أن يرد الفروع الشاردة إلى الأصول الجامعة الموجودة، الموجودة.كذا ذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. الشيخ العثيمين في تعليقه يقول: يقول الفقيه هو العالم بأسرار الشريعة وغاياتها وحكمها، حتى يستطيع أن يرد الفروع الشاردة إلى الأصول الموجودة. قال: ويتمكن من تطبيق الأشياء على أصولها. قال: فيحصل له بذلك خير كثير، خير كثير. قال رحمه الله تعالى: قال، قال ابن خير. قال ابن خير رحمه الله تعالى. سبق معنا هذا الإمام الأندلسي الإشبيلي، الإمام أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة الإشبيلي الأندلسي، وهو من أعيان القرن السادس الهجري. ولد في عام خمسمائة واثنين، وكانت وفاته في عام خمسمائة وخمس وسبعين من الهجرة. وهو إمام حافظ، وهكذا مقرئ ومجود ولغوي ونحوي، إلى غير ذلك من الأوصاف التي وصف بها. وله ترجمة ماتعة في سير أعلام النبلاء للإمام أبي عبد الله الذهبي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: قال ابن خير، وله كتاب في الفهرسة هو مشهور به، ومنه ينقل العلماء عنه. قال: قال ابن خير رحمه الله في فقه هذا الحديث. أي حديث يا إخوان يا رافع؟ أي حديث؟ أي حديث؟ المرة معنا طيب. أحسنت عكاشة، معنا أم سرحت؟ موجود. أحسنت تفضل. أي حديث؟ أحسنت: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً» الحديث. قال: وفيه بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام من طريقي التفهم، من طريقي التفهم. قال: وفي ضمنه بيان وجوب التفقه والبحث عن معاني الحديث واستخراج المكنون من سره. انتهى كلامه رحمه الله. يقول: هذا الحديث فيه بيان أن الفقه الذي رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لصاحبه هو الاستنباط والاستدراك في معاني الكلام، وذلك عن طريق التفهم. ويتضمن هذا بيان فضلا أو بيان وجوب التفقه والبحث على معاني الحديث واستخراج المكنون من سره. والشيخ بكر رحمه الله قال: والبحث عن معاني الحديث. نبه العلامة العثيمين على ذلك فقال: لو قال عن معاني القرآن والحديث لكان أولى، لأن البحث وكذلك الغوص في معاني القرآن الكريم أكثر وأعظم، لأن القرآن الكريم كلام الله عز وجل لفظا ومعنى. أما الحديث فقد يكون ماذا؟ قد يكون الراوي يرويه بالمعنى. ولهذا نبه الشيخ العثيمين على أمر، ألا وهو سبب اختلاف ألفاظ الحديث الواحد. قال: السبب قد يعود إلى ماذا؟ إلى أن بعض الرواة لربما روى بالمعنى، روى بالمعنى، فيحصل هنا الاختلاف في ماذا؟ ألفاظ الحديث النبوي الواحد. قال رحمه الله تعالى: وذكر فائدة أيضا الشيخ العثيمين في ماذا؟ في أنه رأى شيخه، من شيخه الذي يكثر بي النقل عنه يا أبا عبد الرحمن. احترت بين رجلين. صح. شيخه الأول، من شيخه الأول، وقول شيخه الأول: أخرج ابن باز، فبقي السعدي. نعم. فذكر أن شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى كان من أكثر الناس استنباطا، استنباطا من أو استنباطا للمعاني من ألفاظ القرآن الكريم، ألفاظ القرآن الكريم. قال رحمه الله تعالى: أي الشيخ بكر. قال: وللشيخين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية رحمهم الله تعالى في ذلك القدح المعل. والمقصود بالقدح المعل يعني النصيب الأكثر والحظ الأوفر في ذلك في الاستنباط واستخراج أسرار من معاني القرآن، وهكذا أيضا السنة، وكتب، وكتابات، الكتابات التي خلفها هذان الإمامان، ماذا؟ شاهدة على ذلك، شاهدة على ذلك. قال: ومن نظر في كتب هذين الإمامين سلك به النظر فيهما إلى التفقه طريقا مستقيما، طريقا مستقيما. قال رحمه الله تعالى: قال ومن مليح كلام ابن تيمية. مليح، ما هو المقصود بالمليح هنا؟ المليح يا أبا القاسم؟ المليح. قال: ومن مليح كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله في مجلس للتفقه. نعم، حسن. أحسن. يعني من حسن كلامه. ولهذا مر معنا كتاب المنثورات والملح، أي الأشياء التي يستملح بها. قال: قوله في مجلس للتفقه: «أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ كُنَّا فِي مَجْلِسِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالنَّظَرِ فِي مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَصْوِيرًا وَتَقْرِيرًا وَتَأْصِيلًا وَتَفْصِيلًا، فَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي... وَذَكَرَ كَلَامًا، ثُمَّ قَالَ: فَأَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَفَصْلَيْنِ، عَلَى أَصْلٍ وَفَصْلَيْنِ، إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى». وأراد أن يستشهد على ما كان عليه شيخ الإسلام ابن تيمية من غزارة في التفقه وغوص في أسرار هذه الشريعة ومعاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وهكذا ينبغي أن يكون الطالب يا إخوان. فإذا عظيما نستفيدها من إيراد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: «أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ كُنَّا فِي مَجْلِسِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالنَّظَرِ فِي مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَصْوِيرًا وَتَقْرِيرًا وَتَأْصِيلًا وَتَفْصِيلًا، فَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي كَذَا وَكَذَا وَكَذَا». أن الطالب يا إخوان إذا جلس في مجلس العلم ينبغي أن يكون حاضرا بقلبه وقالبه، بقلبه وقالبه. لا يكون الجسد موجود والقلب مفقود. هذا يا إخوان آفة طلب العلم، وآفة توجد عند البعض من طلاب العلم. إذا جلس في الدرس غلب عليه وهجم عليه النوم، بدأ ينعس ويغمض عينيه، وبعد فترة يفتحها، وبعد فترة يفتحها. والبعض لربما يتشاغل بغير الدرس، يأخذ له ناحية ويفتح الجوال ويضعه بين رجليه، وماذا؟ ذهنه وقلبه ليس مع الدرس. والبعض قد يتشاغل بأمر وأمر آخر. لا يا إخوان، ينبغي أن نستغل هذه المجالس. أحيانا الطالب من خلال كلام المعلم ترتسم في ذهنه معاني عظيمة، لربما لا يتنبه لها المدرس. بعد الدرس يقول: يا أستاذ، أليس في هذا الحديث كذا؟ وقال: نعم. كيف عرفت؟ قال: من خلال الدرس، من خلال الدرس. وهكذا يا إخوان يخرج الطالب بفوائد عظيمة بسبب ماذا؟ حضور قلبه وذهنه، ويحفظ ويكتب ويلخص ما يسمع في هذه الدروس. قال رحمه الله تعالى: قال واعلم أرشدك الله أن بين يدي التفقه التفكر. أي أنه قبل أن يصل الشخص إلى مرتبة التفقه، أولا يمر على مراتب، ومن هذه المراتب العلم، وهكذا يعني ما يتعلق به التفكر والنظر، ثم بعد ذلك يصل إلى الفقه والفهم، والفهم. قال: فإن الله سبحانه وتعالى دعا عباده في غير ما آية من كتابه إلى التحرك، عندكم بإحالة أو بإيجالة، بإحالة، بالحال، نعم، إلى التحرك بإيجالة النظر العميق في التفكر في ملكوت السماوات والأرض، وإلى أن يمعن المرء النظر في نفسه وما حوله، وما حوله، فتحا للقوى العقلية على مصراعيها، وحتى يصل إلى تقوية الإيمان وتعميق الأحكام والانتصار العلمي. كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون. وهكذا قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾. قال: وعليه، وهذا كله مأخوذ كما أشار رحمه الله تعالى في الحاشية من كلام شيخ الإسلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مفتاح دار السعادة، وهكذا أيضا في مدارج السالكين، وهكذا أيضا في مدارج السالكين. قال: وعليه فإن التفقه أبعد، أبعد مدى من التفكر، إذ هو حصيلته وإنتاجه، وإلا فما لهؤلاء القوم لا، لا يكادون يفقهون حديثا. قال: لكن هذا التفقه محجوز بالبرهان، محجوز عن التشهي والهوى، ولئن، وإن اتبعت أهواءهم بعد، بعد الذي جاءك من العلم، ما لك من الله من ولي ولا نصير. قال رحمه الله تعالى: قال فهيا أيها الطالب تحلى بالنظر والتفكر والفقه والتفقه، لعلك أنت تجاوز من مرحلة الفقيه إلى فقيه النفس كما يقول الفقهاء، وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أو فقيها البذن كما في الصلاح المحدثين، كما في الصلاح المحدثين. طيب، الحديث له تتمة وبقية، نؤخرها إن شاء الله عز وجل إلى الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.