كتاب الزكاة 9

كتاب الزكاة 9

الدرس في كتاب الزكاة 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تعريف الحج وحكمه وأدلته وشروط وجوبه

يستهل الشيخ بشرح كتاب الحج معرفاً إياه لغةً وشرعاً، ومبيناً أنه الركن الخامس من أركان الإسلام. يستدل على وجوبه بالكتاب والسنة والإجماع، ويؤكد أنه فرض مرة واحدة في العمر على المستطيع.

تفصيل شروط وجوب الحج الخمسة

يذكر خمسة شروط لوجوب الحج هي الإسلام، العقل، البلوغ، الحرية، والاستطاعة مع تفصيل كل شرط وأدلة من السنة. يوضح أن حج الصبي والمملوك صحيح لكن لا يجزئ عن حجة الإسلام، ويشترط للمرأة محرم بالغ عاقل.

وقت فرضية الحج وحجة الوداع

يناقش خلاف العلماء في وقت فرضية الحج بين السنة السادسة والتاسعة، ويرجح فرضه في السنة التاسعة مع وجوبه على الفور. يعلل تأخر حجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى السنة العاشرة بوجود المشركين وطوافهم عراة وحكمة إلهية.

فضل الحج وبدء باب المواقيت

يوضح وجوب الحج في السنة التاسعة هجرية على الفور، ويستعرض فضائله من تكفير الذنوب والفوز بالجنة ونفي الفقر وكون الحاج وفد الله. ثم يشير إلى بدء شرح باب المواقيت مستدلاً بحديثي ابن عباس وابن عمر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فتهينا في الدرس الماضي من أحاديث كتاب الزكاة، وختم رحمه الله تعالى كتاب الزكاة ببابي زكاة أو صدقة الفطر، وذكر فيها حديثين: ذكر فيها حديث عبد الله بن عمر، وهكذا ذكر فيها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم. وسبق معنا مذاكرة جملة من المسائل المتعلقة بهذا الباب. حديثنا في هذا المجلس -كما سبق الإشارة إليه- حول كتاب الحج. قال رحمه الله تعالى: «قال كتاب الحج، قال كتاب الحج». وكما سبق أن الكتاب هنا بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب في بيان أبواب وأحاديث ومسائل وآداب تتعلق بالحج. والحج بفتح الحاء وكسرها، يقال: حَجّ ويقال: حِجّ، وهما لغتان. ومعناه في اللغة: القصد. ومعناه في اللغة القصد، وقيل: القصد إلى معظم، وقيل: القصد الذي يكون فيه تكرار، أي مرة بعد مرة. وأما في الشرع فالحج هو: القصد إلى بيت الله الحرام بأعمال مخصوصة من إحرام وطواف وسعي، وهكذا أيضًا وقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، وهكذا أيضًا المبيت بمنى، رمي الجمار، وذبح الهدايا، وهكذا الحلق أو التقصير، إلى غيرها من الأعمال، في زمن مخصوص. وهذا يكون في أشهر الحج، يكون في أشهر الحج. والمصنف رحمه الله تعالى بدأ بالطهارة، والصلاة، والصلاة تعتبر أهم أركان الدين بعد الشهادتين، وتتكرر في اليوم والليلة خمس مرات. ثم ذكر بعد ذلكم الزكاة؛ لأن الزكاة هي قرينة الصلاة في كتاب الله عز وجل. وذكر ثالثًا الصيام؛ وذلك أن الصيام يجب كل سنة على من يطيقه ويقوم به الجمهور من المسلمين. ثم ذكر أخيرًا الحج. ذكر أخيرًا الحج. قالوا: لأنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، ولا يجب إلا على القادرين، على المستطيعين. أيهما أكثر: المستطيع للحج أم العاجز عنه؟ أيهما أكثر في الحج: المستطيع أم العاجز؟ في باب الحج، من هم أكثر: الذين يستطيعون الحج أم العاجزون عنه؟ العاجزون. أحسنت. بخلاف الصيام، فإن الأكثرين هم القادرون عليه، والعاجزون عنه هم يعتبرون القليل، هم يعتبرون القليل. والحج يعتبر ركنًا من أركان الإسلام، والمباني العظام التي يقوم عليها هذا الدين. ودل على وجوب الحج الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ومن السنة: قوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عمر: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». ونقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوب الحج، ومنهم الإمام النووي رحمه الله تعالى، إذ يقول كما في كتابه المجموع: «الحج فرض عين على كل مستطيع بإجماع المسلمين». قال: «على كل مستطيع بإجماع المسلمين». قال: «وتظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة». وتظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهكذا أيضًا ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى كما في كتابه المغني، والمغني لابن قدامة والمجموع للنووي هذان كتابان عظيمان لا ينبغي أن تخلو منهما مكتبة طالبي العلم، فهما يعتبران من المراجع العظيمة التي يستفاد منها. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى كما في المغني: «وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة». قال: «وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. إذن الحج لا يجب إلا مرة واحدة في العمر، وهذه المرة أيضًا إنما هي على المستطيع. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: «أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج، فحجوا». فرض عليكم الحج، فحجوا. فقال رجل: «أكل عام يا رسول الله؟» لاحظوا بعض الأسئلة قد يحصل بسببها إشكالات ومشقة على المسلمين. الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج، فحجوا». قال: «أكل عام يا رسول الله؟» فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد، عليه الصلاة والسلام فأعاد الرجل، وبعد الثالثة قال عليه الصلاة والسلام: «لو قلت نعم لوجبت، أي لوجب عليكم أن تحجوا كل عام، ولم تستطيعوا، أي فعل ذلك». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. إذن الحج لا يجب إلا مرة واحدة في العمر، ولا يجب إلا مع الاستطاعة، كما دل على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهكذا أيضًا إجماع أهل العلم على ذلك. إجماع أهل العلم على ذلك. وذكر العلماء فيما يتعلق بـ -فيما يتعلق بـ- الاستطاعة أنها تشمل: أمن الطريق، أمن الطريق، وهكذا صحة البدن، وهكذا وجود الراحلة، المركوب، السيارة التي سيذهب عليها، وهكذا أيضًا وجود النفقة، نفقة له، وهكذا لأهله إلى أن يرجع إليهم، إلى أن يرجع إليهم. وفي حق النساء هناك شرط زائد فيما يتعلق بالاستطاعة، فما هو؟ في حق النساء هناك شرط زائد، يا أبا الفاروق؟ أحسنت: وجود المحرم الذي يذهب بها إلى الحج وترجع معه، يذهب بها وترجع معه. لا بد من وجود المحرم، لا بد من وجود المحرم الذي يذهب بها إلى الحج، يذهب بها إلى الحج. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم، إلا مع ذي محرم». أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قد كُتب في غزوة، وأن زوجته ذهبت إلى الحج وليس معها محرم، فأمره أن يترك الجهاد ويذهب مع زوجته لكي يحج بها، لكي يحج بها. فإذا ماذا يجب وجود المحرم للمرأة، وإذا لم يوجد المحرم فمعنى ذلك أن المرأة ليست من أهل الاستطاعة للحج، ليست من أهل الاستطاعة على الحج. وذكر العلماء لوجوب الحج خمسة شروط، كما ذكر الإمام ابن قدامة وغيره من أهل العلم. قال ابن قدامة: «وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع، وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع. قال: وجملة القول أن الحج إنما يجب بخمس شرائط، بخمس شرائط». ما معنى شرائط؟ شروط، أي بخمسة شروط. قال: «الإسلام، هذا هو الشرط الأول. قال: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. قال: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة». قال رحمه الله، رحمه الله تعالى: «لا نعلم في هذا كله اختلافًا»، أي بين أهل العلم. إذن هي خمسة شروط. نعم، عندك يا أبا هريرة؟ ما هي؟ الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. أحسن. هي خمسة شروط، ليس بين أهل العلم اختلاف في ذلك، كما نقل الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى. أولها: الإسلام. إذن الكافر، ولو حج، ولو حج، لا يقبل منه، لا يقبل منه. ولهذا في السنة التاسعة من الهجرة بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق على الحج أميرًا، وأمره أن ينادي في المناسك وبين المشاعر: «ألا يحج بعد العام مشرك». هذا آخر سنة للمشركين. «ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالكعبة عريان، ولا يطوف بالكعبة عريان». الشرط الثاني: هو العقل. فالمجنون رفع القلم عنه، المجنون رفع القلم عنه، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة». منهم يا محمد؟ رفع القلم عن ثلاثة: «المجنون حتى يعقل». أحسنت. «والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ». أحسنت. «والصبي حتى يبلغ». إذن المجنون لا يجب عليه الحج، فليس مكلفًا، وليس أهلًا للعبادة، وليس أهلًا للعبادة. الشرط الثالث: البلوغ. الشرط الثالث: البلوغ. ويصح حج الصبي قبل أن يبلغ. حج الصبي الذي لم يبلغ بعد حجه صحيح، وعلى هذا عامة أهل العلم، وعلى هذا عامة أهل العلم. ففي حديث ابن عباس في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بركب، أي من الناس، فقال: «من أنتم؟» قالوا: «نحن المسلمون». قال: فرفعت امرأة صبيًا في يدها، قالت: «يا رسول الله، ألهذا حج؟» صبي في يدها، قالت: «ألهذا حج؟» قال: «نعم، ولك أجر». قال: «نعم، ولك أجر». وإذا كان هذا الصبي صغيرًا غير مميز، يعني دون السابعة ونحوها، فوليه، فوليه... آه، ماذا ينوي عنه؟ ينوي عنه. وجاء في حديث السائب بن يزيد في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى قال السائب: «حج بي، حج بي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن سبع سنين، ابن سبع سنين». يا أبا طاهر، مميز أو غير مميز؟ سبع سنوات، ها؟ يعني يميز بين ما يضر وما ينفع. أحسنت، مميز. وكثير من أهل العلم يجعل السابعة هي سن التمييز، لكن قد يميز الصبي قبل السابعة، قبل السابعة. محمود بن لبيد رضي الله عنه قال: «عقلت مِجَه، مِجَه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي وأنا ابن خمس سنين، وأنا ابن خمس سنين». فإذا ماذا؟ الصبي الذي لم يبلغ حجه صحيح، حجه صحيح. لكن هل تجزئه عن حجة الإسلام؟ هل تجزئه عن حجة الإسلام؟ يا أبا محمد؟ لا تجزئه، يعني إذا بلغ. أحسنت. إذا بلغ الصبي فيلزمه أن يحج حجة هي حجة الإسلام. وهذا يا إخوان بلا خلاف بين أهل العلم، بلا خلاف بين أهل العلم. نقل عدم الخلاف ابن المنذر، ونقله عنه ابن قدامة، رحم الله الجميع. جاء في حديث ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما صبي حج ثم بلغ، فعليه حجة أخرى». قال: «وأيما عبد حج، وأيما عبد حج ثم أعتق، فعليه حجة أخرى، فعليه حجة أخرى». أخرجه الشافعي في مسنده، وهكذا الطيالسي في مسنده، والبيهقي وغيرهم، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في الإرواء. الشرط الرابع: الحرية. فالعبد المملوك لا يجب عليه الحج. لماذا لا يجب عليه الحج؟ لأن العبد المملوك لا يملك التصرف في نفسه، فهو في خدمة سيده، يحتاجه سيده، فلذلك لا يجب عليه أن يحج، لا يجب عليه الحج. طيب، إذا حج صح حجه؟ إذا حج صح حجه. لكن لا تجزئ عن حجة الإسلام. إذا أصبح حرًا، إذا أصبح حرًا فإنه يلزمه أن يحج حجة أخرى، كما سبق في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. الشرط الخامس: وهو ما هو الشرط الخامس؟ الشرط الخامس؟ نعم يا أبا معاوية؟ الشرط الخامس: الاستطاعة. وقلنا الاستطاعة تتضمن أمورًا: منها يا أبا الحسن؟ نعم، وجود النفقة. ثانيًا يا أبا حنيفة؟ صحة الجسد، البدن. ثالثًا نعم، ثالثًا محمد؟ نعم، أمن الطريق. لو هناك حرب في الطريق وناس يتقاتلون، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، تمر وإذا بك ماذا تكون؟ ضحية هذا القتال. أمن الطريق. كذلك أيضًا المركوب، وجود الراحلة، واليوم يحتاج إلى أجرة الباص أو أجرة الطائرة التي سيذهب عليها. قلنا في جانب النساء هناك شرط زائد، يا خان عبد الرحيم؟ وهو وجود المحرم، وجود المحرم. والمحرم الذي يصلح أن يذهب مع المرأة في السفر، قال العلماء: أن يكون، أن يكون مكلفًا. أن يكون مكلفًا. فماذا يعنون بالمكلف يا أبا حذيفة؟ البالغ. بقي أمر آخر: البالغ. نعم يا حمزة؟ نعم، هو محرم: أبوها، أخوها، زوجها، عمها، قال: ابن أخيها، ابن أختها، إلى آخره. لكن هذا الذي سيذهب معها من محارمها لا بد أن يكون مكلفًا. وإذا قالوا مكلف فمعنى ذلك أنه لا بد أن يتوفر فيه أمران: الأول البلوغ، والثاني عندك؟ نعم، عندك؟ طيب لا بأس، وهو العقل. بالغ عاقل، بالغ عاقل. هذا معنى قولهم مكلف: أي البالغ العاقل. وهكذا بالنسبة للمحرم لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا. ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى قال: «ويشترط في المحرم أن يكون بالغًا عاقلًا، أن يكون بالغًا عاقلًا. قيل لأحمد، أي ابن حنبل، قيل لأحمد: فيكون الصبي محرمًا؟ يعني هل يصح أن المرأة تأخذ معها صبيًا صغيرًا ويكون محرمًا لها؟ فقال رحمه الله تعالى: قال: لا، حتى يحتلم». كيف حتى يحتلم يا محمد؟ كيف حتى يحتلم؟ أحسنت: أي حتى يبلغ سن الاحتلام، سن الاحتلام. قال: «لا حتى يحتلم». قال: «لأنه لا يقوم بنفسه». طفل الصغير هذا، هل ممكن يذهب لوحده؟ الجواب: لا، يحتاج من ينتبه له ويرعاه. قال: «لأنه لا يقوم بنفسه، فكيف يخرج مع امرأة؟» قال: «وذلك لأن المقصود بالمحرم حفظ المرأة، ولا يحصل إلا من البالغ العاقل، فاعتبر ذلك». انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى. ونفقة المحرم على المرأة، نفقة المحرم على المرأة إذا كانت تستطيع على ذلك، ويجوز أن ينفق على نفسه، يجوز أن ينفق على نفسه. وذكر الإمام ابن قدامة، أو ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالحج في كتابه زاد المعاد قال: «ولا خلاف أنه، أي النبي صلى الله عليه وسلم، لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة. بعد أن هاجر من مكة إلى المدينة لم يحج إلا حجة واحدة». قال: «وهي حجة الوداع، وهي حجة الوداع». قال: «ولا خلاف أنها كانت سنة عشر، في السنة العاشرة من الهجرة، في السنة العاشرة من الهجرة». ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «ولما نزل فرض الحج بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج من غير إبطاء، من غير إبطاء». وهذا يا إخوان يجرنا إلى مسألتين: المسألة الأولى: متى فرض الحج؟ خلاف بين العلماء. فمنهم من ذهب إلى أنه فرض في السنة السادسة من الهجرة، أي عند نزول قول الله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وهذه الآية نزلت في عام الحديبية، كما في قصة الصحابي الجليل كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه. وقال بهذا من ذهب إلى أن الحج واجب على التراخي، وليس على الفور، وليس على الفور. وبهذا قال الإمام الشافعي، وهكذا الثوري، ومحمد بن الحسن الشيباني، وغيرهم، وغيرهم. قالوا: فرض في السنة السادسة، ولم يحج عليه الصلاة والسلام إلا في السنة العاشرة. إذن قالوا: الحج ليس على الفور، لا يجب على الإنسان حين أن يستطيع مباشرة، بل يجوز له أن يؤخر. هكذا قالوا. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن فرضية الحج كانت في السنة التاسعة من الهجرة، في السنة التاسعة، وذلك عند نزول قوله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. من أي سورة هذه الآية؟ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. عندك يا أخانا سالم؟ من أي سورة؟ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. لا بأس، ألـ... لا، ميم... الله لا إله إلا هو. إذن ماذا؟ سورة آل عمران. وصدر سورة آل عمران نزل في عام الوفود، نزل في عام الوفود، وعام الوفود هو السنة التاسعة من الهجرة، السنة التاسعة من الهجرة. لاحظوا يا إخوان كيف أن العرب كانوا ينظرون إلى الصراع بين التوحيد وبين الوثنية، الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، إلى ماذا سينتهي؟ العرب تنظر: فإن تغلبت قريش فمعنى ذلك أن الوثنية ستتعمق في أوساط الجزيرة العربية، لأن مكة هي قبلة العرب ووجهتهم الدينية. وإذا ظهر الإسلام وعلت راية التوحيد، معنى ذلك أن الوثنية ستنهار في أنحاء وربوع الجزيرة العربية. وهذا الذي حصل يا إخوان. في رمضان السنة الثامنة من الهجرة دخل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون مكة فاتحين، دخلوا فاتحين. دخل النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ دخل مكة وجعل ينكث الأصنام برمح في يده وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾. سقطت الوثنية. عندها ماذا؟ عندها دخل الناس في دين الله أفواجًا، وأتى إلى المدينة القبائل والوفود، أتوا لكي يبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، على الإسلام، ويتعلم منه أحكام الدين. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. هذا أجلك يا محمد، دنى. بعد فتح مكة وبعد دخول الناس في دين الله أفواجًا. إذن هذا هو الصحيح: أن فرضية الحج كانت في السنة التاسعة من الهجرة، وأن الحج يجب على الفور. ما معنى على الفور؟ يعني من استطاع أن يحج لا يجوز له أن يتخلف أو أن يتأخر. كما جاء في حديث ابن عباس عن أخيه الفضل، أو أحدهما عن الآخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد منكم الحج فليتعجل، من أراد منكم الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة، وتعرض الحاجة». أكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. طيب، إذا كان الصحيح هو أن الحج فرض في السنة التاسعة، وأن الحج يجب على الفور، فالسؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان: لماذا لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة وإنما حج في السنة العاشرة، في السنة العاشرة؟ ذكر العلماء أجوبة على ذلك، منها: قالوا: أولاً: أن في السنة التاسعة لا زال المشركون يحجون البيت الحرام، يحجون في مكة. لا زال المشركون يحجون، ولا زال كذلك أيضًا المشركون يطوفون حول الكعبة عُراة، حول الكعبة عُراة. يعني إذا جاء أحدهم إلى مكة فإما أن يشتري له ثيابًا، أو يعطيه أحد أهل مكة من الثياب التي يحج فيها ويطوف بها، أو ماذا؟ أو الحل الثالث: هذه الثياب التي عليك هذه نجسة، هذه متلطخة بجرائم والمعاصي وغيرها. إذن ماذا؟ ما عنده ما يشتري، وليس في مكة من يعطيه ثياب. هنا الحل الثالث: أنه يطوف حول الكعبة عاريًا، يطوف حول الكعبة عاريًا. والأعجب من هذا أنه ليس هذا الأمر خاصًا بالرجال، بل يشاركه فيه النساء، حتى النساء كذلك... ماذا؟ كن يطفن حول الكعبة عُراة، تضع يديها على فرجها وتقول: «اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بدا منه فلا أحله، وما بدا منه فلا أحله». أكذا كان أهل الجاهلية. وفي السنة التاسعة كان الأمر لا يزال على ذلك، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميرًا على الحج، وأمره كما سبق أن ينادي في المناسك وبين المشاعر: من عرفة، مكة، مزدلفة، إلى غيرها: «أن لا يحج بعد العام مشرك». هذا آخر سنة للمشركين، ممنوع. ثاني سنة يأتي مشرك. وهكذا: «أن لا يطوف حول الكعبة عريانًا، حول الكعبة عريانًا». فلأجل هذا قالوا: أخر النبي صلى الله عليه وسلم الحج من السنة التاسعة إلى العاشرة. أمر آخر أيضًا سبق الإشارة إليه، ما هو؟ ما هو؟ من مركز معي يا با محمد؟ أمر سبق الإشارة إليه يتعلق بالسنة التاسعة. نعم، أحسنت: أن في السنة التاسعة، سنة وعام الوفود، قدم إلى المدينة خلق كثير يريد أن يبايع على الإسلام، وأن يتعلم أحكام الإسلام، فكانت المصلحة في بقائه عليه الصلاة والسلام لكي يبايع من أسلم ويعلم الجاهل، كانت المصلحة في بقائه بالمدينة وعدم ذهابه إلى... إلى مكة، وعدم ذهابه إلى مكة. أكذا ذكر من ذكر من أهل العلم. أكذا ذكر من ذكر من أهل العلم. وأيضًا مما يذكر في هذا الباب ما ذكره، مما يذكر في هذا الباب ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، وهو يصلح أن يكون سببًا ثالثًا. قال ابن قدامة: «ويحتمل أنه أخره بأمر الله تعالى»، أي أن الله عز وجل هو الذي أمره أن يؤخر. لماذا؟ قال: «لتكون حجة الوداع في السنة التي استوى فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض». قال: «ويصادف عرفته الجمعة، ويكمل الله دينه، ويكمل الله دينه». ولهذا في حجة الوداع لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض». الحديث. ومعنى ذلك أن العرب كانوا يقدمون ويؤخرون في الأشهر، يقدمون ويؤخرون في الأشهر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾. ما هو النسيء؟ أي التأخير، التأخير. يؤخرون شهرًا ويقدمون آخر. ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ الآية. فإذا أرادوا أن يتقاتلوا وأجاء عليهم شهر حرام كشهر رجب مثلًا، قالوا: كيف سنتقاتل في رجب؟ طيب والحل؟ قالوا: قدموا شعبان على رجب. قالوا: خلاص، بكرة أول يوم في شعبان، وتستمر المعارك، تستمر المعارك. انتهى شعبان، أتوا برجب، ويلخبطوا بين الأشهر. ففي السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم كان الزمان على الوقت الصحيح الذي... الذي كان عليه الأمر قبل أن يتلاعب العرب بهذه الأشهر، بهذه الأشهر. فإذا ماذا؟ فرض الحج على الصحيح في السنة التاسعة، وأنه يجب على الفور. والحج يا إخوان يعتبر عبادة عظيمة، ويترتب عليها أجور كثيرة. ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة، كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». والحج، والحج المبرور ليس... ليس له جزاء إلا الجنة. وهكذا أيضًا جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». كيف ولدته أمه؟ هل عليه خطيئة؟ أبدًا، كل مولود يولد على الفطرة. هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من أدلة من قال من أهل العلم أن الحج يكفر الكبائر والصغائر. قال: «رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». وفي حديث ابن مسعود عند النسائي والترمذي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «تابِعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة». قال: «وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة، إلا الجنة». وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر... قال الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر، وِفد الله، وِفد الله، قال: دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم، وسألوه فأعطاهم». إذن الحج يا إخوان يعتبر من الأعمال العظيمة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، وأن يبادر إلى القيام بها. وبدأ رحمه الله تعالى أول أبواب هذا الكتاب، كتاب الحج، بباب المواقيت، وذكر فيه حديثين: حديث ابن عباس، وثنى بحديث ابن عمر. وسيأتي معنا إن شاء الله عز وجل الكلام حول باب المواقيت، وهكذا أيضًا ما بعده من أبواب في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. فهذه مقدمة حول ما يتعلق بالحج، وبيان فضله وعظمته. أسأل المولى عز وجل أن يوفقنا جميعًا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، وأن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يقربنا إليه، وأن يوفقنا جميعًا لحج بيته الحرام، وأن يعيننا على العمل الصالح، وأن يتقبل منا أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم، أعلم، أعلم، أعلم. شكرًا.