الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 56، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
العلم النافع ثمرة العمل والخشية، ويتجلى أثره في تغير حال العالم وسلوكه كما فعل الإمام أحمد بتطبيقه الحديث. وكان السلف يستعينون على الحفظ بالعمل مما يدل على تلازم العلم والعمل.
يكره طالب العلم الحق المدح والتزكية ويزداد تواضعاً مع ازدياد علمه هارباً من حب الرئاسة والشهرة. اقتدى في ذلك بسلف الأمة وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بترك دعوى العلم وإفساح المجال لغيره.
من علامات الانتفاع بالعلم ترك دعوى الرياسة وإظهار نعمة الله بالاعتراف بالفضل دون تكبر. كما يتضمن إساءة الظن بالنفس لحمايتها من الغرور وإحسان الظن بالآخرين مع اليقظة عند وجود قرائن السوء اقتداءً بأدب السلف.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فآخر ما تكلمنا عنه ضمن هذه الحلية المباركة، حلية طالبي العلم للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر له، الفصل السادس. ترجم له وعنونه بالتحلي بالعمل، التحلي بالعمل. وهذا كما سبق معنا يعتبر من أهم المهمات؛ لأن العلم وسيلة والعمل غاية. العلم وسيلة إلى كل فضيلة، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. من بركة العلم يا إخوان أن يعمل به صاحبه، والعلم حجة لنا أو علينا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «والقرآن حجة لك أو عليك». كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. والعلم النافع هو الذي ينتفع به صاحبه فيعمل به، وكذلك يجعل في قلب صاحبه الخشية من الله تبارك وتعالى. أما عالم لا يخاف الله، وطالب علم لا يخاف من الله عز وجل، تقرأ عليه الآيات وتذكره بالأحاديث وتذكره بالوعد والوعيد، أبداً ما يحرك منه ساكن ولا يهز له شعره، فهذا لم ينتفع بهذا العلم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». وفي صحيح مسلم كان عليه الصلاة والسلام يقول: «سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا به من علم لا ينفع». قال رحمه الله تعالى: الفصل السادس، التحلي بالعمل. قال: «من علامات العلم النافع تساءل مع نفسك عن حظك من علامات العلم النافع». قال: «وهي» يعني كل واحد يسأل نفسه ويحاسب نفسه: كم لك تطلب العلم؟ قال: لي سنتين. طيب، ما شاء الله، خير كثير. كيف أنت مع العلم؟ تغير حالك أو لم يتغير؟ تحسن أمرك أو لم يتحسن؟ إلى غير ذلك، لكي يرى هل انتفع بهذا العلم أو لم ينتفع. وينظر كل منا ما هو حظه ونصيبه من العلم النافع من خلال هذه العلامات. قال: «وهي: أولاً العمل به». الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، أولئك الذين هداهم الله. إذن العمل به. وكان السلف يا إخوان يستعينون على حفظ الحديث بالعمل به. وذكرنا ما كان من حال الإمام أحمد، إمام أهل السنة والجماعة في عصره، كان إذا أراد أن يحدث بحديث عمل به. عمل به. وذكروا أنه يعني استصعب عليه حديث، ما هو هذا الحديث؟ ما هو هذا الحديث يا أبا أسامة، يا أبا... يا أبا الحسن؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام ماذا؟ ذهب كم؟ ربع دينار. ربع دينار، والدينار أربعة جرامات وربع، الجرام وربع الجرام يعني... لأن سيحدث بهذا الحديث يحتاج أن ينظر ربع دينار، ثم ينظر شخصاً يحجمه فيعطيه هذا المبلغ. كان السلف يعتنون بالعمل بما يعلمون. قال: «أولاً: العمل به. ثانياً: كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق». هذا يا إخوان صفات عظيمة جداً ينبغي أن يتربى صاحب العلم عليها. يكره التزكية، يكره أن الناس يذكرونه بتزكية: آدى الشيخ، الزاهد، العالم، إلى غير ذلك. لا يكرهون ذلك. ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه. لا يهمك أن الناس لا يعرف قدرك، أهم شيء أن الله تبارك وتعالى يكون راضياً عنك. كراهة التزكية والمدح، إذا لم يمدح يغضب، وهذه آفات يا إخوان، آفات في طالبي العلم. ولهذا مر معنا في شذرات البلاتين في تراجم علمائنا المعاصرين كيف كان هؤلاء العظماء الأئمة الراحلون، كيف كانوا تواضعاً وعدم محبة الثناء وعدم محبة المدح. وهذا ينبغي، وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم. كذلك بالمقابل فإنه يكره التكبر على الخلق. يا إخوان، كلما ازداد علماً كلما ازداد تواضعاً وأدبا وخلقاً حسناً. مش حفظ القرآن خلاص لا أحسن واحد الآن، وينبغي أن أكون كذا وكذا. لا، ينبغي أن يزيدك القرآن تواضعاً وأدبا وخلقاً. قال: «ثالثاً: تكاثر تواضعك كلما ازددت علماً». وهذا بمعنى الجزء الأخير الذي سبق ذكره. ولهذا حين أن تقرأ في تراجم الصحابة، تراجم التابعين، تراجم سلفنا الصالح، علمائنا الراحلين، تراجم العلماء المعاصرين، ترى تواضعاً جماً عندهم، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين». خفض الجناح يدل على تواضع جم. قال: «رابعاً: الهرب من حب الرئاسة والشهرة والدنيا». حب الرئاسة هذا يا إخوان إذا دخل إلى القلوب أفسدها، جعل صاحبها يبغي، وجعل صاحبها يحسد، وجعل صاحبها يحقد على الآخرين ويتنقصهم. كل ذلك مما يترتب على حب الرئاسة، وغيره كثير. وهكذا أيضاً حب الشهرة. حب الشهرة يا إخوان هذا مما يدل على ضعف في الإخلاص لدى طالبي العلم. يحب أن يشتهر بين زملائه أنه كذا وكذا، ويتظاهر بذلك. هذه ليست أخلاق المؤمنين، فضلاً عن طلاب العلم. قال: «والدنيا. خامساً: هجروا دعوى العلم». هجروا دعوى العلم. ذكر العلامة العثيمين رحمه الله قال: معناها لا تدعي العلم، لا تقول: أنا عالم، وأنا أحسن واحد في المركز، ألا تروني أجيب عن الأسئلة، وأي سؤال عندي جوابه؟ لا، هذا عجب، هذا غرور، هذا يعتبر مفسداً أيما إفساد في جانب طالبي العلم. فإذا تكلم أحد في المجلس قال: سكت، سكت، عندي أنا، أنا سأبين هذه المسألة، وبسم الله. فطالب العلم من علامات انتفاعه بالعلم أنه لا يدعي العلم، ولا يدعي أنه عالم. لكن ليس معنى هذا أن يجحد نعمة الله عليه. يقال له: ما شاء الله أنت طالب علم، يقول: لا، أنا عامي، أنا ما أنا طالب علم. إذن طالب ماذا؟ أنت طالب علم، فتحدث بنعمة الله عليك، لكن لا تدعي ما ليس لك. وكذلك أيضاً لا تحب المدحة والثناء وغير ذلك. «وأما بنعمة ربك فحدث». هل يا فلان أنت تحفظ القرآن؟ الحمد لله الذي وفقني لحفظ كتابه. أدب عند الإجابة، وهكذا غيرها من الأمور. إذن: هجروا دعوى العلم، أي: أنه لا يدعي العلم، ولا يقول: أنا عالم، أو أنا العالم وغيري كذا وكذا، أو أنا أحسن من فلان وفلان أقل علماً مني، إلى غير ذلك. هذا من الأمور التي على طالبي العلم تركها. قال: «سادساً: إساءة الظن بالنفس وإحسانه بالناس، تنزهاً عن الوقوع بهم». ومعنى إساءة الظن بالنفس كما ذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: أن يسيء الظن بنفسه لأنها ربما تغره وتأمره بالسوء، فلا يحسن الظن بالنفس. يعني النفس قد تريد منه أشياء وأموراً لا يتبعها ولا ينقاد لها، وإنما يسيء بها الظن لألا تورده الموارد. قال: «وكلما أملت عليه أخذ بها، أخذ بها». قال: «أما قوله وإحسانه بالناس، قال: فهذا يحتاج إلى تفصيل. قال: الأصل إحسان الظن بالناس، وإنك متى وجدت محملاً حسناً لكلام غيرك فاحمله عليه، ولا تسيء الظن. لكن إذا علم عن شخص من الناس أنه محل لإساءة الظن، قال: فهنا لا حرج أن تسيء الظن من أجل أن تحترس منه، لأنك لو أحسنت الظن به لأفضت إليه... أو نعم، لأفضت إليه كل ما في صدرك، ولكن ليس الأمر كذلك». وينبغي أن يكون المسلم حسن الظن بالآخرين مع يقظة وعدم غفلة. ثم ختم هذا الأدب بقوله: «وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف، أي من العلماء قبله، قال ينشد: لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد». لا تذكر تذكرنا مع هؤلاء الأئمة الكبار، فلسنا مثلهم. «ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد»، أي: كالإنسان المقعد الذي لا يستطيع أن يمشي. وهذا الأدب يا إخوان يعتبر من الآداب العظيمة التي يحتاجها طالب العلم، فينبغي أن يربي نفسه عليها: التحلي بالعمل. ومن ذلك علامات العلم النافع ينبغي أن تتوفر لدى طالب العلم لكي يكون ممن انتفع بهذا العلم. طيب، نكتفي بهذا، وأسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر