التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 91

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 91

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 91، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قاعدة الأجر على قدر المشقة وتيسير الطاعة

يقرر الدرس أن الأجر في العبادة يتناسب مع المشقة التي يتحملها العبد، وأن هذه المشقة ليست حرجاً بل لطفاً من الله لزيادة الثواب. ويبين أن الله يسهل الطاعة ويعين العباد عليها لتيسير طريقهم إلى رضوانه.

فضل الجهاد وعظيم أجره رغم مشقته

يوضح المقطع أن الجهاد في سبيل الله، رغم ما فيه من آلام وإزهاق للأرواح، يمنح المجاهد أجراً عظيماً كالمغفرة عند أول قطرة دم والشفاعة في سبعين من أهله. ويقارن بين ألم المؤمن الذي يرجو ثواب الله فيتحول إلى لذة، وألم الكافر الذي لا يرجو شيئاً في الدنيا والآخرة.

فضل الصبر واحتساب الأجر عند المصائب والمشاق

يؤكد الدرس أن الصبر على المصائب والطاعات يجلب أجراً غير محدود، وكلما زادت المشقة تضاعف الثواب. ويشير إلى أن استشعار عظمة الأجر يهون المشاق في المال والنفس والعبادات كالحج وطلب العلم.

التفريغ النصي الكامل

نعم، وقرأ ما هو أثر عظيم من آثار تعريفاته، ونفحة عظيمة من نفحاته، وأنه أرحم الوحدين. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فبيّن تعالى أن هذه العبادة العظيمة، لعظم مصلحتها وكثرة فوائدها العامة والخاصة، أنه فرضها على العباد، وإن شقت عليهم وكرهتها نفوسهم، لما فيها من التعرض للأخطار، وبذل النفوس والأموال. ولكن هذه المشقات بالنسبة إلى ما تفدي إليه من الكرامات ليست بشيء، بل هي خير محض وإحسان صرف من الله، وإحسان... بل هي خير محض وإحسان صح، إحسان صرف لا... وإحسان صرف من الله، صرف، صرف معناه خالص، صرف خالص. بل هي خير محض وإحسان صرف من الله على عباده، حيث قيض لهم هذه العبادات التي توصلهم إلى منازل، لولاها لم يسروا إليها. فقال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فقلما عظمت مشقة الصبر في فعل القرب، وفي ترك المحرمات لقوة الداعي إليها، وفي الصبر على المصيبات، كان الأجر أعظم والثواب أكثر. حسبك، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فهذه القاعدة مكونة من جزئين: الجزء الأول في قوله: «من قواعد القرآن أنه يبين أن الأجر والثواب على قدر المشقة في طريق العبادة». هذا الشق الأول من هذه القاعدة. ومعنى هذا الكلام: أن الأجر في العبادة على قدر المشقة. فقوله هنا: «أن الأجر والثواب» يعني عظم الأجر والثواب على قدر المشقة في العبادة، أو في طريق العبادة. ومعنى «طريق العبادة»: يعني في الدخول في العبادة والوصول إليها، طرق الوصول إلى هذه العبادة. وذكر في أول هذه القاعدة أن هذه القاعدة تبين من لطف الله، يعني أن الله عز وجل ما يريد على عباده من حرج، وأنه يكلفهم ما يطيقون، وإنما أراد بحصول هذه المشقة ازدياد الأجر وعظيم الأجر في هذه العبادة. فهذا من لطف الله بعباده وإحسانه بهم، إذ يجزيهم بالعمل القليل، وإن كان فيه شيء من المشقة، بالأجر الكثير الكبير. فهذا من إحسانه وحكمته. وأثر عظيم من آثار تعريفاته. ما معنى «تعريفاته»؟ يعني التعرف عليه، خصوصا في الشق الثاني من هذه القاعدة. في الشق الثاني من هذه القاعدة، إذ أن الله عز وجل يسهل على عباده العبادات ويؤيدهم، وكذلك يهيئ لهم عمل هذه العبادة. وهذا يدل على رحمة الله بعباده، إذ أنه ييسر ويسهل لهم الطريق إلى الوصول إلى هذه العبادة. ثم ذكر أمثلة على ذلك لهذا الشق. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. القتال، الجهاد، لا شك أنه شديد على النفوس، لما فيه من إزهاق الأرواح، أو من كذلك قطع الأطراف، أو إصابة الأبدان، أو الوقوع في الأسر، أو نحو ذلك. فيه من المشاق، لكن مع مشقة هذه العبادة، عبادة الجهاد، إلا أن فيها أجراً عظيماً. فيها أجر عظيم، فلا يخفى عليكم أجر الجهاد في سبيل الله. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. هذا في حق المجاهد. أما في حق المصالح العامة للأمة، فالجهاد حياة للأمة، وكذلك علو على أعداء الإسلام. ففيه، كما ذكر هنا، من المصالح العظيمة. فبيّن تعالى أن هذه العبادة العظيمة، لعظم مصلحتها وكثرة فوائدها العامة والخاصة، العامة على الأمة جميعاً من الهيبة والنصر والتمكين في الأرض، والخاصة على المقاتل نفسه: يغفر له عند أول قطرة من دمه. هذا يعني فضيلة عظيمة، يشفع في سبعين من أهله، يؤمن من الفزع الأكبر. كم من فضائل وأجور عظيمة ينالها المقاتل في سبيل الله! ولذلك يتمنى المجاهد في سبيل الله أن يستشهد، وأن يموت في سبيل الله، لما يرى أو لما يعلم من فضائل عظيمة للجهاد في سبيل الله. ثم ذكر دليلاً آخر، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. يعني في القتال يتألم المقاتل، قد يصاب، قد يؤسر، قد يعني يتألم. لكن الكفار كذلك يتألمون. إذن ما الفرق بين ألم المسلم وألم الكافر؟ ألم المسلم أنه يرجو ما عند الله، فيكون هذا الألم منحة من الله ولذة، يعني لذة هذه العبادة تنسيه ألم المصيبة. لكن الكافر يتألم في الدنيا، وما سيلاقيه في الآخرة أعظم وأشد، فهو لا يرجو شيئاً. ولذلك الكافر يهرب، والكافر يخاف ويرتعب، لماذا؟ لأنه ما يحتسب الأجر. بخلاف المؤمن، المؤمن يحتسب الأجر ويرجو ما عند الله. وإذا ضرب ضربة قال: الحمد لله، كم لي من الأجر في ذلك! فهذا يخفف عنه. طيب، فإذن هذا فيه مشقة، لكن فيه ماذا؟ أجر عظيم، وفيه مضاعف للأجور. نعم. ثم مثل بمثال ثالث فيما يصيب المسلم من ابتلاءات في دنياه من فقر أو جوع أو نحوه. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. إذن الصبر عبادة عظيمة، الصبر عبادة عظيمة. هذه العبادة العظيمة فيها أجر عظيم، هذه العبادة العظيمة فيها أجر عظيم. ولذلك قال ماذا الله عز وجل؟ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. هذه البشارة، كما مرت معنا في قاعدة لو تذكرون، جاءت مطلقة، ما قيدت بشيء، فتشمل أي شيء يستبشر به الصابر: الصابر من كثرة الأجر، من كذلك المضاعفة في الأجور، من كذلك تكفير السيئات، من فضائل عظيمة وبشائر كثيرة. فلا شك أن المؤمن إذا أصيب بمصيبة، تعبد لله عز وجل بالصبر واحتسب الأجر، فتهون عليه هذه المصيبة، تهون عليه هذه المصيبة. في مشقة قتل ولده الأول ثم الثاني مثلاً، أو أخذ ماله، أو عاش فقيراً ما يجد ما يعني يقتات أو ما يأكل في يومه أو ليلته، ومع هذا هو صابر يحتسب الأجر، يعلم أن الله عز وجل اختار له هذا، وأن الله يجزيه على صبره. فلا شك أن هذا الشيء، يعني الصبر والاحتساب، ينسيه ألم الابتلاء، ألم ماذا؟ الابتلاء الذي نزل به. ولذلك أعقب هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. لما تصبر على المصائب وتتذكر هذه الآية، تهون عليك تلك المصيبة. في مشقة في هذه المصيبة، لكن تهونها باستحضار ما لك من ثواب، من ثواب ومن أجر. هذا معنى قوله: «أن يبين أن الأجر والثواب على قدر المشقة»، على قدر المشقة. نعم، ونذكر أحياناً في حج أو عمرة، تجد طبعاً الحجاج أو المعتمرين تعرض لهم، أو تعرض لهم بعض المشاق من تأخر باص، أو من وقوف في شمس، أو من مشي في مسافات طويلة. فتجد البعض يعني يتأفف ويتضايق. لكن لو واسى نفسه بعظيم الأجر الذي يناله، يعني كلما زادت المشقة في أي عبادة من العبادات زاد الأجر، زاد الأجر. فهذا الاستشعار يهون عليك ألم المشقة، يهون عليك ألم المشقة. في طلب العلم، ربما يعني كنت بين أهلك، ها، تأكل اللحم ما شاء الله والأكل الطيب، ثم جئت مركزاً من مراكز العلم فيه خبز يابس كل يوم، فول، فاصوليا، ها كل يوم، يعني روتي أو كذا، ها. فأنت تصبر. إذا شعرت بألم، إمساك أو مرض أو شي، تصبر وتحتسب الأجر، وتتذكر أنك في جهاد في سبيل الله. فهذه المشقة بإذن الله ستتحول إلى فرحة، وإلى أنس، وإلى راحة، لأنك تحتسب الأجر لله سبحانه وتعالى. فهذا من رحمة الله عز وجل بعباده، أنه عند المشقة وعلى قدر المشقة يكون الأجر، يكون الأجر من الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال: «فكلما عظمت مشقة الصبر في فعل الطاعات، وفي ترك المحرمات لقوة الداعي إليها، وفي الصبر على المصيبات، كان الأجر أعظم، كان الأجر أعظم، والثواب أكثر». إنا نكتب بهذا.