التعليق على حلية طالب العلم 57

التعليق على حلية طالب العلم 57

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 57، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أهمية العمل بالعلم وزكاة العلم في حلية طالب العلم

يوضح الشرح أن العلم بلا عمل محذور شرعاً، ويبين الأدب الخامس والأربعين المتعلق بزكاة العلم التي تشمل الصدوع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والموازنة بين المصالح والمفاسد. كما يستعرض صور زكاة العلم من نشر العلم والنفع وبذل الجاه والشفاعة الحسنة في نوائب الحق والمعروف.

فضائل نشر العلم وبذل النفع والجاه والشفاعة الحسنة

يؤكد المقطع أن نشر العلم وتعليم القرآن من أعظم القربات، مستدلاً بصلاة الملائكة على معلمي الخير وأن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس. ويدعو طالب العلم إلى حب نفع الآخرين وبذل الجاه والشفاعة الحسنة، مختتماً بحديث الصدقة الجارية والعلم النافع والولد الصالح كأعمال مستمرة بعد الموت.

ثمرات نشر العلم في دعاء الأمم وخاتمة الدرس

يبين أن أعظم ثمرات العلم ترك أمة تدعو للعالم كما فعل الإمام الوادعي والشيخ الفوزان، محذراً من كتمان العلم الذي يورث اللجام من نار. ويختتم الشيخ بتحفيز المستمعين على عدم اليأس من صلاح الناس مستشهداً بمن فتح الله عليهم بعد يأس، مختتماً بالصلاة على النبي والحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم للعلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، ونحن في الفصل السادس، أي على وشك الانتهاء من فصول هذه الحلية، ويتعلق بالتحلي بالعمل. ودائمًا نكرر أن العلم وسيلة إلى كل فضيلة، فالعلم وسيلة والعمل هو الغاية، والعمل هو الغاية. وعالم بعلمه لم يعمل يُعذب من قبل عباد الوثن، أول من تسعر به منار يوم القيامة، كما في حديث أبي هريرة، نعم في صحيح مسلم: ثلاثة، الأول عالم، وفي رواية قارئ، قرأ القرآن وتعلم العلم لكي يقال عالم، ولكي يقال قارئ، وهكذا. الثاني مجاهد، جاهد وقاتل لكي يرى مكانه ويشهر خبره. والثالث منفق جواد، لكن ليس لله عز وجل، ذلكم العمل. وفي حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بالرجل من أهل النار فتندلق أقتاب بطنه»، ما هي الأقتاب؟ فتندلق أقتاب بطنه، ما هي الأقتاب؟ الأمعاء ونحوها. قال: «فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى». قال: فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: بلى، كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه. انظر لم يعمل بعلمه. قال: «وأنهاكم عن المنكر وآتيه». وكما قال ربنا عز وجل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وهكذا يقول سبحانه في اليهود: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾، أي لم يعملوا بها، ما مثلهم؟ قال: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، أي يحمل كتبًا، يحمل كتبًا، يحمل أسفارًا. ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. إذن العمل بالعلم من الأمور المهمة التي يجب أن يحرص عليها طالب العلم. قال رحمه الله تعالى في الأدب الثاني، وهو الخامس والأربعين من آداب هذه الحلية المباركة: «زكاة العلم، قال: أَدِّ زكاة العلم صادعًا بالحق، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، موازنًا بين المصالح والمضار، ناشرًا للعلم، وحب النفع، وبذل الجاه، والشفاعة الحسنة للمسلمين في نوائب الحق والمعروف». نوائب الحق والمعروف، نوائب جمع ماذا؟ نوائب يا أبا الفاروق؟ نائبة. وما هي النائبة؟ خديجة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق». ما هي النائبة؟ نعم عندك يا أبا سالم؟ المصيبة. أحسنت، بل والمصيبة الشديدة، والحادثة الشديدة يقال لها نائبة. وهذا يا إخوان من زكاة العلم أن يصدع بالحق، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وأن يوازن بين المصالح والمفاسد. فديننا يدعونا إلى ماذا؟ جلب المصالح ودرء المفاسد، وتدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى، المفسدة الكبرى تدفع بالمفسدة الصغرى. قال: «ناشرًا للعلم». وهذا يا إخوان من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها طالب العلم، متى ما وجد السبيل إلى نشر العلم لا يبخل. «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». لاحظ: من تعلم القرآن وعلمه. والملائكة أو ماذا؟ نعم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء والنمل في جحرها ليصلون على معلمي الناس الخير». أرأيت حلقة قرآن تعلم فيها أبناء صغارًا أو رجالًا كبارًا تعلمهم القرآن، كم سيستفيد منك؟ وكم سيقرأ هذا الذي علمتهم إياه؟ بل وسيعلم أجيالًا ممن يأتي بعدهم، ويكون لك ماذا؟ لك من الأجر الشيء الكثير، الشيء الكثير. إذن ناشرًا للعلم. قال: «وحب النفع»، أن يكون عند صاحب العلم محبة لنفع الآخرين. في حديث ابن عمر عند الطبراني: سئل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالين، السؤال الأول: من أحب الناس إلى الله عز وجل؟ السؤال الثاني: ما أحب العمل إلى الله تعالى؟ فقال عليها الصلاة والسلام: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، أنفعهم للناس، وأحب العمل إلى الله تعالى سرور تدخله على قلب مسلم». الحديث. قال تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾، قيل: مباركًا أي نفاعًا للناس أين ما كنت. ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ الآيات. إذن طالبوا العلم يا إخوان يحتاج أن يتصف بهذه الصفة، أنه يحب أن ينفع الآخرين، سواء في جوانب العلم والدين، أو كان في جوانب الدنيا. واعلموا رحمكم الله وإياكم أن الناس لا ينظرون إلى أقوالنا كما ينظرون إلى أفعالنا. شوف الناس تدقق النظر في فعلك أكثر من تدقيقها في قولك. لربما تخطب الخطب الرنانة وتلقي المحاضرات أمدًا طويلة، فماذا؟ لا يتأثر الناس بها كتأثرهم بأفعالك وأعمالك وآدابك وأخلاقك ومواقفك معهم. فماذا؟ فينبغي أن نهتم بجانب العمل، وأن كذلك أيضًا يكون عندنا محبة لنفع الآخرين. قال: «وبذل الجاه»، تبذل جاهك، يأتي واحد ويقول لك: يا أخي عندي طلب، تقول له: تفضل، يقول: أريدك تكلم فلان، إيش معك؟ قال: مثلًا أريد أخطب ابنته، تقول له: أبشر، فتبذل جاهك لنفع هذا المسلم. أو مثلًا يريد أمرًا أو آخر، فبذل الجاه، آه، ماذا يعتبر من الأعمال العظيمة. قال: «والشفاعة الحسنة للمسلمين»، من يشفع شفاعة حسنة يكون له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكون له كفل منها. قال: «في نوائب الحق والمعروف». قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». قال: رواه مسلم وغيره. قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم الباذل لعلمه. أي صدق يا إخوان، أعظم من صدقة العلم وبثه في أوساط الناس، أجيال وأمم تنتفع بعلمك. وهكذا أيضًا لربما يرزقك الله عز وجل أمة تدعو لك، مش ولد صالح يدعو لك، لا، أمة تدعو لك بسبب العلم والتعليم. شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى لم يرزق إلا بنتين، ولم يرزق ذكورًا، لكن ترك أمة من الناس تدعو له، طلابه في مشارق الأرض ومغاربها. تذهب أمريكا تجد من طلابه، كندا، تذهب أوروبا، إفريقيا، جنوب شرق آسيا، تذهب أين ما ذهبت، بل ربما تصعد جبلًا أو تنزل سهلًا فتجد من يقول: حدثنا وأخبرنا من طلاب شيخنا الإمام الوادعي. ترك أمة تدعو له. الشيخ الفوزان يا إخوان كم عنده أولاد؟ يا أبا الفاروق؟ ليس عنده ولد، لكن ما رأيكم؟ أليست الأمة تدعو له ويذكر بالخير؟ ترك أمة تدعو له، فما أعظم ثمرات العلم. قال بعض أهل العلم: هذه الثلاث لا تجتمع إلا للعالم، ومن هو العالم؟ قال: الباذل لعلمه. قال: فبذله صدقة ينتفع بها، والمتلقي لها المستفيد من علم العالم. قال: والمتلقي لها ابن أو ابن للعالم في تعلمه عليه. قال: فاحرص على هذه الحلية فهي رأس ثمرة علمك. ولشرف العلم قال: «فإنه يزيد بكثرة الإنفاق، وينقص مع الإشفاق، وآفته الكتمان». ماذا قال الإلبيري في هذا يا سالم؟ ماذا قال الإلبيري في هذا؟ يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شدت ينقص إن به كفا شدت فماذا قال؟ وآفته الكتمان. ومر معنا المضار والمفاسد المترتبة على كتمان العلم، وأن من كتم علما ألجم يوم القيامة بلجام من نار. اللجام ما يوضع في فم الفرس، حديد ويشد إذا كان ماذا، ويستخدم في تقليل سرعة هذا الفرس. قال: ﴿وَلَا تَحْمِلَنَّكَ دَعْوَى فَسَادِ الزَّمَانِ وَغَلَبَةِ الْفُسَّاقِ وَضَعْفِ إِفَادَةِ النَّصِيحَةِ﴾، ما يستمعون للنصيحة كثيرًا، قد يسخر ويستهزئ بك. نحن في زمننا، نحن في زمننا أحوج ما نكون إليها. يقول: ﴿وَلَا تَحْمِلَنَّكَ دَعْوَى فَسَادِ الزَّمَانِ﴾، الزمان ظهر فيه فساد كثير، هذا لا يمنعك من نشر العلم. ﴿وَغَلَبَةِ الْفُسَّاقِ وَضَعْفِ إِفَادَةِ النَّصِيحَةِ﴾، ما يستمعون للنصيحة كثيرًا، قد يسخر ويستهزئ بك، آذى لا يمنعك من بثي ونشر العلم. قال: عن واجب الأداء والبلاغ. قال: «فإن فعلت، فإن فعلت»، أي كان ذلك سببًا لعدم البلاغ وعدم الأداء. قال: «فإن فعلت، فهي فعلة يسوق عليها ألف الساق، الذهب الأحمر، ليتم لهم الخروج عن الفضيلة ورفع لواء الرذيلة». هذا الذي يريده أهل الفسق، أن يسكت أهل الحق ويسكت العلماء وطلاب العلم، لكي يخلوا لهم الجو. «خلا لك الجو فبيضي واصفري، ونقري ما شئتِ أن تنقري». آكذا استشهد العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. ثم ختم كلامه، أي العثيمين، قال: «فلا تيأس، فكم من إنسان يئست من صلاحه ففتح الله عليه وصلح». طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا للمشاهدين.