الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 59، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع آداب طالب العلم من كتاب "حلية طالبي العلم" مؤكداً على صيانة العلم وعدم ابتيذاله للتكسب أو موافقة الباطل، ويضرب المثل بثبات الإمام الزهري ورفضه الكذب على آية قرآنية رغم ضغط الخليفة. ويختم بوصية تذكر العالم بأن حبل الوصل للمناصب هو طلبه للعلم لا غير.
يحذر النص من الغلو في إنكار المنكر علناً بلا حكمة ومن السكوت عن الحق حفاظاً على المنصب والراتب، مؤكداً ضرورة المحافظة على القيمة الدينية بالعلم والعمل به. ويستشهد بحديث "تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة" داعياً للسير بالحكمة والسياسة الحسنة.
يبيّن المقطع منهج العلماء الراسخين كابن باز والعثيمين في إنكار المنكرات بالحكمة والسياسة الشرعية فيجلسون مع الملوك فيُهابون وتقبل نصيحتهم، محذراً من حال من لا ينيب إلى الله إلا بعد التقاعد. ويختتم المتحدث بالصلاة على النبي والحمد لله والشكر للحضور.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين في كتابه القيم "حلية طالبي العلم"، ونحن مع الفصل السادس الذي عنون له بـ "التحلي بالعمل". ذكر رحمه الله تعالى من هذه الآداب التي تتعلق بالتحلي بالعمل: "صيانة العلم". يريد رحمه الله تعالى بهذا الأدب أن الإنسان إذا رزقه الله علمًا فيجب عليه أن يصونه، فلا يجعل العلم مبتذلًا، لا يجعل العلم شيئًا مهانًا مبتذلًا، بل يجعل العلم محترمًا معظَّمًا، فلا يلين في جانب من لا يريد الحق. وهكذا أيضًا ينبغي أن يبقى شامخًا ثابتًا، شامخًا ثابتًا. وهكذا أيضًا أن لا يأخذ العلم إلى أبواب الصلاطين، أو يجعله سببًا للتكسب من باب التكسب، ولربما من أجل الكسب قد يتنازل عن الحق وعما يقتضيه هذا العلم. ذكروا عن الإمام الزهري رحمه الله تعالى، الإمام الزهري محمد بن شهاب، أو محمد بن عبيد الله بن عبد الله الشهير بابن شهاب الزهري، أبو بكر، إمام متفق على جلالته. دخل على بعض أمراء بني أمية، أظنه عبد الملك بن مروان، وكان بنو أمية كثير منهم نواصب، أي ينصبون العداء لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. فدخل عليه الزهري على ذلكم الخليفة، فسأل الخليفة الزهري: قال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 11]، من هو؟ قال: عبد الله بن أبي بن سلول. قال: كذبت، هو علي بن أبي طالب، هو علي بن أبي طالب. فعاد الخليفة السؤال، فقال الزهري: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول. قال: كذبت، نزلت فيه علي بن أبي طالب. فقال الزهري كلمة، هذه الكلمة يا إخوان تشعر بعزة العلم وصيانة العلم، قال: «أكذب أنا، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت، لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت». فانظر إلى ماذا، إلى عزة العلم، وهكذا عزة العلماء. قال: "صيانة العلم". قال رحمه الله تعالى: «إن بلغت منصبا فتذكر أن حبل الوصل إليه طلبك للعلم». قال: فبفضل الله ثم بسبب علمك بلغت ما بلغت من ولاية في التعليم أو الفتيا أو القضاء، وهكذا أي غيرها من المجالات. أحد إذا من الله عليه بالعلم فأصبح قاضيًا، والقاضي هذا لا يختار إلا من كان عنده قضاء وعنده معرفة بالأحكام الشرعية وعنده معرفة بأحكام الفرائض المواريث، لا بد في القاضي أن يكون عارفًا بذلك، أو أصبح مفتيا أو غيرها من المناصب، السبب بعد توفيق الله لك هو ماذا؟ هو طلبك للعلم. قال: «فأعطي العلم قدره وحظه من العمل به، وإن زالت منزلته». قال: «وحذر مسلك من لا يرجون لله وقارًا، الذين يجعلون الأساس حفظ المنصب». لاحظ: يجعل الأساس أنه يحافظ على منصبه ولو تنازل عن الحق ولم يعمل بالعلم. قال: «وحذر مسلك من لا يرجون لله وقارًا، الذين يجعلون الأساس حفظ المنصب فيطون ألسنتهم عن قول الحق، ويحملهم حب الولاية على المجاراة». قال: «فالزم رحمك الله المحافظة على قيمتك بحفظ دينك وعلمك، وسار في نفسك». قال: «بحكمة ودراية وحسن سياسة، احفظ الله يحفظك، احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة». وهنا أشار إلى ما جاء عند أصحاب السنن في حديث ابن عباس: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة»، وذكره رحمه الله تعالى بالمعنى. وهذا يا إخوان، الناس فيه طرفان ووسط. وكم زلت فيه الأقدام! فبعض الناس من باب الصدع بالحق أصبح من الخوارج، أصبح يتكلم على الحكام من على المنابر، وإذا رأى معصية، رأى مثلا يعني شيء من الفساد الذي حصل، مباشرة عمل محاضرة وتكلم في الحاكم وفي الأمير، وأفسد أكثر مما يصلح، أفسد أكثر مما يصلح، كما يفعل بعض الدعاة اليوم بعدم الحكمة في إنكار المنكرات. النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمناصحة من ولاه الله أمرنا، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من كان عنده نصيحة لذي سلطان فليلقها سرًا فيما بينه وبينه، ولا يلقها علانية، ولا يلقها علانية. طرف آخر يا إخوان يلهثون وراء المناصب ووراء الدنيا، يقول: أنا إذا تكلمت في الفساد وأنكرت المنكرات وأنكرت المنكرات سأخرج من هذا المنصب، وسيتوقف الراتب والمعاش، وسأرجع إلى حالتي القديمة، ما عندي شيء. والحل قال: خلاص اسكت ولا تتكلم. وهذا خطأ يا إخوان. لكن طريقة العلماء الراسخون، الشيخ بن باز مثلا، والعثيمين، وهكذا كان شيخنا الوادعي، وهكذا اليوم لا زال العلامة الفوزان وغيره من العلماء، إذا رأوا شيئا من المنكرات يناصحون لكن بحكمة وبسياسة شرعية، يجلسون مع الملوك ومع الوزراء والأمراء، فيهابهم الملك، الملك يهابهم، يقوم الملك من مكانه ويقبل رأس العالم ويحتضنه حين أن يدخل، ويقول العالم الكلمة، فماذا فيكون لها الأثر العظيم البالغ، الأثر العظيم البالغ. وبعض المتسرعين، بعض حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام، يتكلم على هؤلاء الأعلام، يقول: ليس ساكتون، ولماذا لا يتكلمون؟ طيب أنت حين أن تكلمت إيش حصل؟ أدخلت إلى السجن، وثارت الأمور، وحصلت الفوضى في البلاد، وازداد الشر. لكن العلماء إذا تكلموا تكلموا بحلم وعلم، وإذا سكتوا سكتوا عن مصلحة شرعية يرونها، ليس خوفا ولا جبنا، ليس خوفا ولا جبنا. قال رحمه الله تعالى: «وإن أصبحت عاطلا من قلادة الولاية، وهذا سبيلك ولو بعد حين». يعني أنت إلى متى على الكرسي وفي المنصب؟ عاجلا أم آجلا ستنزل. قال: «فلا بأس، فإنه عزل محمدة لا عزل مذمة ومنقصة». قال: «ومن العجيب أن بعض من حرم قصدا كبيرا من التوفيق لا يكون عنده الالتزام والإنابة والرجوع إلى الله إلا بعد التقاعد. إذا تقاعد وأصبح ما عنده منصب وكبيرا في السن، عندها قد يتوب وينيب». قال: «فهذا وإن كانت توبته شرعية لكن دينه ودين العجائز سواء، إذ لا يتعدى نفعه». يعني الآن ما ينتفع بهذا إلا هو. قال: «أما وقت ولايته، حال الحاجة إلى تعدد نفعه، فتجده من أعظم الناس فجورا وضررا، أو بارد القلب، أخرس، أخرس اللسان عن الحق». قال: «فنعوذ بالله من الخذلان». حين أن كان وزيرا أو مسؤولا، إذا تاب سيصلح الله على يديه الكثير من الناس، لكن في ذلك الحال يكون ماذا؟ يكون بارد القلب، أي لا يغار على المحرمات والمنكرات، وهكذا أخرس اللسان على الحق، لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر. فهذا حال الكثير من الناس. قال: «فنعوذ بالله من الخذلان». بهذا نكون قد انتهينا من هذا الأدب، ألا وهو صيانة العلم. فنسأل المولى عز وجل أن يوفقنا لكل خير، وأن يصرف عنا كل شر وضير، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرا.