التعليق على حلية طالب العلم 60

التعليق على حلية طالب العلم 60

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 60، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

المداراة والمداهنة في حلية طالب العلم

يوضح هذا المحور أهمية العمل بالعلم في حلية طالب العلم، مبيناً أن المداراة خلق حميد بينما المداهنة خلق منحط يؤدي إلى النفاق ويمس الدين. ويحذر من الخلط بينهما لئلا يقع طالب العلم في المداهنة المذمومة.

المداراة والمداهنة في التعامل مع المنكر

يفصل هذا المحور الفرق الجوهري بين المداهنة والمداراة عند التعامل مع المنكر، فالمداهنة هي الرضا بالباطل والسكوت عنه، بينما المداراة هي إنكار المنكر بالقلب والتعامل بالحكمة لإصلاح الفاسد. ويضرب مثال طالب العلم الذي يُسأل عن حكم القات فيجب عليه البيان التدريجي دون مداهنة.

المداراة والمداهنة في دعوة طالب العلم

يبيّن هذا المحور أن المداراة في الدعوة هي الحكمة في النصح والدعوة إلى الحق دون مجاملة على حساب الدين، بينما المداهنة هي السكوت عن الباطل أو التنازل عن الحق لإرضاء الآخرين. وقد نهى الله نبيه عن المداهنة وأمره بالصدع بالحق والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

ختام المجلس وتأجيل استكمال الآداب

أعلن المتحدث انتهاء الجلسة الحالية على أن يُكمل ما تبقى من آداب الفصل في مجالس قادمة. واختتم المجلس بالدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه، أما بعد: فلا نزال أيها الأحبة في الله مع الفصل السادس من فصول حلية طالب العلم للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. والفصل السادس كما سبق هو يعتبر من الفصول العظيمة؛ فهو يتحدث حول التحلي بالعلم، أو ماذا؟ التحلي بالعمل. فالعلم وسيلة والعمل غاية، والعلم وسيلة إلى كل فضيلة كما قال الإمام ربيعة بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى: «والواجب على المسلم أن يعمل بعلمه، وإلا كان ما يعلمه وبالاً عليه وحجة عليه، والقرآن حجة لك أو عليك». كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. ومر معنا الكلام حول أهمية العمل بالعلم، فهذا العلم الذي يعمل به هو يعتبر من العلم النافع الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا به من علم لا ينفع، من علم لا ينفع». قال رحمه الله تعالى: «قال: الأدب الثامن والأربعون، أي من آداب هذه الحلية: المداراة لا المداهنة». المداراة لا المداهنة. المداراة يا إخوان ممدوحة، بينما المداهنة هذه مذمومة. قال رحمه الله تعالى: «قال: المداهنة خلق منحط». كيف منحط يا إخوان؟ قال: «المداهنة خلق منحط»، يعني: خلق طيب يصعد بصاحبه إلى أعلى، أو أنه خلق سيء ينزل صاحبه إلى أسفل؟ قال: «المداهنة خلق منحط». عند من يا أبا تميم؟ معنا سمعت السؤال؟ سمعت السؤال؟ سمعت السؤال؟ سمعت السؤال؟ أعيد: «المداهنة، المداهنة خلق منحط». ما معنى منحط؟ هل هو خلق طيب يصعد بصاحبه عالياً، أم أنه خلق سيء يهبط بصاحبه أسفل؟ قال: «قال: خلق منحط، ها». فعند أكاشة: سمعت السؤال؟ طيب ما هو الجواب؟ يعلو بصاحبه أم ينزل به؟ قال: «خلق منحط، ها، يعلو به عالياً». أحسنت إبراهيم. توافقه أنت؟ توافقه أو لا؟ ها، أكس. يعني كيف ينزل؟ أحسنت، ينزل بصاحبه. منحط: أي أنه ينزل بصاحبه. قال: «أما المداراة فلا، أي ليست من الأخلاق المنحطة، وإنما هي من الأخلاق الحسنة». قال: «لكن، قال: لكن لا تخلط بينهما، لا تخلط بينهما، قال: فتحملك المداهنة إلى حضيض النفاق مجاهرة». قال: «والمداهنة هي التي تمس دينك، هي التي تمس دينك». ولهذا نبه رحمه الله تعالى إلى أهمية التفريق بين الأمرين. لماذا التفريق بين الأمرين؟ لأن الكثير من الناس يخلط بين المداهنة وبين المداراة. وأكد ذلك العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، قال: «لابد». العثيمين يقول رحمه الله تعالى: «قال: لابد أن تعرف ما الفرق بين المداهنة والمداراة». قال: «المداهنة أن يرضى الإنسان بما عليه قبيله، يعني يرضى بالباطل ويسكت عن المنكر، ويسكت عن المنكر». قال: «كان يقول لكم دينكم ولي دين، ويتركهم». هذه تعتبر مداهنة. يسمع المنكر ويسكت، ويعني يتظاهر بماذا؟ بالموافقة لهم، الموافقة لهم، الموافقة لهم. يذكرون شخصاً من خيار الناس ومن الصالحين، يذكرونه بسوء، فيقول: «الله يهديه، الله يهديه». هذه مداهنة، معناه أنك توافقهم على هذا الكلام. قال: «أما المداراة فهو أن يعظم في قلبه الإنكار عليه، لكنه يداريه، فيتألفه تارة ويؤجل الكلام تارة أخرى». قال: «وهكذا حتى تتحقق المصلحة». قال: «فالفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة يراد بها الإصلاح، لكن على وجه الحكمة والتدرج في الأمور، في الأمور». قال: «أما المداهنة، قال: فإنها الموافقة، فإنها الموافقة، يعني لأهل الباطل». قال: «ولهذا جاءت بلفظ الدهن، لأن الدهن يسهل الأمور، الدهن ماذا يسهل الأمور؟» قال: «والعامة يقولون في أمثالهم: ادهن السيل يسير». هذا مثل عندنا أيضاً: «ادهن السيل يسير». قال: «يعني: أعطِ الرشوة إذا أردت أن تمشي أمورك، إذا أردت أن تمشي أمورك». إذن المداهن يريد الإفساد، ويسكت عن الحق، ويرضى بالباطل، بينما المداري يريد الإصلاح، يريد النصيحة، ويريد أن يغير المنكر، ويصلح الفاسد، ويصلح الفاسد. فطالب العلم يبتعد عن المداهنة، وممكن أن يستعمل المداراة. تجلس عند مجموعة ويخزنون القات، فيقولون: «تعال، أنت تدرس في طيبة؟» قال: «نعم، أدرس في طيبة». «يلا تعال، الآن عندنا سؤال لك، ما هو السؤال؟» السؤال: «القات حلال أو حرام؟ حلال أو حرام؟» يعني طالب العلم لا يجوز له أن يداهن، يقول: «يا جماعة، أنتم آه، أنتم على خير، وأنتم ما شاء الله». إذا قامت الصلاة تخرجوه وتذهب إلى الصلاة، وتحاول تملس وتداهن. لا، ما يجوز. لكن لك أن تداري. والمدارة بماذا؟ أن تتدرج معهم في بيان الحكم، في بيان الحكم. مثلاً تقول: «يا جماعة، سؤالكم واضح، لكن أنا أسألكم سؤالاً: المال الذي ينفقه الواحد منا في هذه الأشياء، سيسأل عنه أم لن يسأل عنه؟» فأترك الجواب لهم، سيقول: «نعم، سيسأل عنه». طيب يا إخوان، لو أتينا بالقات فوضعناه في الكفة، هل سيكون في الخبائث أم في الطيبات؟ هل هو طيب مثل اللحم والعسل والدسم، أم أنه خبيث كالمخدرات والحشيش وغيرها؟» فالمداراة يتوصل من خلالها إلى بيان الحق، وإنكار المنكر، وإنكار المنكر. فالمداراة يا إخوان هذه من الأمور التي قد يحتاجها طالب العلم، قد يحتاجها طالب العلم في دعوته وتعليمه، وهكذا أيضاً نصحه وتوجيهه وإرشاده. بينما المداهنة لا، لا يجوز له أن يكون مداهناً. «ودوا لو تدهنوا فيدهنون». نهى ربنا عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم عن المداهنة. كيف سيداهنهم؟ أن يعبد، أو أن ماذا؟ يعني يعبد آلهتهم فترة، ويعبدوا إلهه فترة مثلاً. فهذه مداهنة، هذه مداهنة لا يجوز. «ودوا لو تدهنوا»: أي تتنازل عن الحق وتسكت عن باطلهم. الكفار يا إخوان كانوا يتمنون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكت عن آلهتهم: «لا تتكلم في الأصنام، ولا تحذر من الأصنام وعبادة غير الله عز وجل، خلك في دينك يا محمد، صلي وصم واقرأ قرآن، لكن لا تتكلم في ديننا ولا في آلهتنا». هنا سيرضون عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الله ذلك مداهنة، ونهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يقع فيها، وأمره سبحانه وتعالى أمر نبيه أن يدعو: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾، وأعرض عن المشركين. وهكذا أيضاً قال له سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. فإذن يا إخوان هذه من الآداب العظيمة التي على طالبي العلم أن يحذر المداهنة والمجاملة على حساب الدين، وعلى حساب نشر الحق، وعليه بيئة المداراة، أي أنه يكون حكيماً في نصحه، ويكون حكيماً في تعليمه وتوجيهه وإصلاحه للآخرين: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. طيب، نكتفي بهذا، نكتفي بهذا، ونكمل ما تبقى من آداب هذا الفصل في مجالس لاحقة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم، وعلى آله حسن يا رب العالمين.