شرح كتاب التوحيد 290

شرح كتاب التوحيد 290

الدرس في شرح كتاب التوحيد 290، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الشفاعة وأمثلة عليها

يشرح المقطع معنى الشفاعة بأنها التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، ويقدم أمثلة على ذلك في الحياة اليومية. يُوضح أن الشفاعة تتمثل في وجود وسيط بين طرفين.

تحريم الاستشفاع بالله وحدوده

يناقش المقطع مسألة الشفاعة وحدودها، ويبين أن جعل الله شفيعا عند خلقه يعتبر تنقصا في حقه تعالى ويحرم ذلك. يتناول تحريم الاستشفاع بالله على خلقه.

تفصيل في عبارات الاستشفاع وتحذير منها

يشرح المقطع عبارات مثل 'الله واسطتي' و'جاه الله عليك' و'وجه الله عليك' التي قد تُفهم على أنها استشفاع بالله، ويبين أن هذه العبارات محرمة إذا قصد بها الاستشفاع بالله على خلقه. ينبه على خطأ التبويب الذي يمنع طلب الاستشفاع بالله عند خلقه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب لا يستشفع بالله على خلقه. هذا الباب من الأبواب الجديدة التي باب عليها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، هذا الباب بقوله: باب لا يستشفع بالله على خلقه. وأورد رحمه الله تعالى هذا الباب لبيان الأدب الذي ينبغي أن يتحلى به المسلم مع ربه جل وعلا، فلا يستشفع بالله على أحد من خلقه. إضاءة هذا الباب، إخواني في الله، تجرنا إلى بيان ما معنى الشفاعة، حتى تتضح لنا الصورة، ومن خلاله نفهم معنى النهي في باب لا يستشفع بالله على خلقه. الشفاعة، عرفها العلماء بأنها التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة. التوسط للغير أحيانا يجد الإنسان نفسه أنه عاجز عن قضاء حوائجه إلا بما يسمى بعامل مساعد أو ما يعبر عنه في هذه الأزمان بواسطة تمشي به أموره. وهذه الأمور إما تكون من جلب منافع أو قد يكون من دفع مضار. مثاله: لو ربما إنسان أراد وظيفة، أراد أن يلتحق بمهنة، أراد أمرا من الأمور التي يحبها بنفسه لا يستطيع ولا يقدر عليها، فيذهب ويلتمس من أهل الوجاهة فيقول: يا فلان، يا فلان، هل لك أن تعين؟ هل لك أن تساعد؟ هل لك أن تعرفني على صاحب العمل، صاحب الشركة، على آل فلان، أريد أن أتقدم عندهم، فيأتي هذا العامل المساعد، صاحب الجاه، ويعينك في هذا الغرض، هذا تسمى شفاعة من باب جلب المنافع. أو يكون طلب الشفاعة والتوسط للغير في باب دفع المفسدة والمضر، مثاله: أنت الغرماء يطالبونك بأموال وقعت في حادثة، فلا زال الناس يطالبونك بالكلفة وهي باهضة، وأنت ما استطعت عليها، تبحث عن صاحب وجاهة، عن من له ريادة وقيادة، فتسأله بأن يدخل بشفاعته إلى آل فلان وإلى آل فلان أن يخففوا، وإلا فليعفوا عني، فتحقق هذا الأمر على يد هذا الشفيع الوسيط، فهذه شفاعة. إذن، هذه الشفاعة، إخواني في الله، هو أن يأتي أحد من الناس فيتوسط بينك وبين الطرف الثاني، بينك وبين من تريد أن تشفع وهو المشفوع له أو المشفوع إليه، هذا الوسيط هو الشافع، هذه العملية تسمى شفاعة. فالشفاعة هو التوسط للغير لجلب منفعته أو دفع مضرته. وهنا مسألة أخرى لا بد أن أنبه عليها في هذه العملية، من خلال النظر إلى الطرف الأول، أنا المحتاج، والطرف الثاني وهو الشافع، والطرف الثالث وهو المشفوع إليه، تجد أنه في الغالب أن الشافع هذا الوسيط هو أدنى من المشفوع إليه أدنى. ولهذا ماذا يفعل؟ تجد الوسيط يحاول بقدر الإمكان يتلطف مع الطرف الثالث، إن كان مصلحا يقف فلان طيب، فلا زال يغريه بالطرف الأول أنه عاقل، أنه رزين، وأنه حصيف، وأنه نبيه، وأنه ينفع، وأنه طيب، وأنه على خلق وعلى أدب، فلا زال الوسيط يحاول أن يكسب الطرف الثالث، إن كان لجلب منفعة أو إذا كان لدفع مضرة، فلا زال ماذا يخفف؟ أخي سامح، وعفو، أنت من أهل الإكرام، وأنت من أهل الجود، وترفع عن هذا الإنسان ما أراد. فتجد في عملية الوساطة أو قل الشفاعة تجد أن الوسيط يكون في المنزلة الدون، لأنه يطلب من المشفوع إليه يطلب منه طلبا إما دفع مصلحة أو رفع مضرة. إذا فهمنا هذا الباب نأتي الآن إلى هذا التبويب، ما معنى باب لا يستشفع بالله على خلقه؟ معنى هذا الباب وهو أن الإنسان يجعل ربه جل وعلا شافعا بينه وبين خلقه، من الوسيط الآن على هذا التبويب تجعل ربك عز وجل الوسيط، تقول: أنا أستشفع بالله عليك، أي أنا أجعل الله بيني وبينك وسيطا. وهل هذا يجوز؟ أعوذ بالله، ما يجوز هذا، هذا قدح في ربوبية الله جل وعلا، هذا تنقص في حق الله، لأن هذا المنزل إذا علمت ما مضى ستعلم أن الله عز وجل سيكون له المنزلة الدون، منزلة الدون أقل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب لا يستشفع بالله على خلقه، أي أنهى عن طلب الشفاعة بالله عند أحد من خلقه، لا تجعل الله شفيعا عند أحد، وإنما العكس، وإنما نحن نطلب من الخلق أن يشفع لنا عند الله، طبعا بشروطه وقيوده. أما أنك تعكس تجعل هؤلاء الطرف الثالث وتجعل الله هو الوسيط فقط يدور فيما بين الخلق، هذا لا يجوز. ولهذا قال العلماء: النهى هنا للتحريم. قال المؤلف رحمه الله: باب لا يستشفع بالله، أي لا تجعل الله عز وجل شفيعا بينك أو تجعله شفيعا عند أحد من خلقه كائنا من كان، فإن لله الشفاعة جميعا، ومن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه سبحانه. إذا كان الله عز وجل هو مالك الشفاعة ولا يأذن أحد بالشفاعة إلا بعد إذنه، كيف نجعل الله مالك الشفاعة نجعله الشفيع الدون؟ فهذه من الصور المحرمة لما فيها من التنقص. قال العلماء: أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب مع الأبواب التي مضت، باب ما جاء في كثرة الحلف، باب ما جاء في الإقسام على الله، وذكر هذا الباب لأن هذه الأبواب كلها منافية لتعظيم الله، كلها مما لا يجوز أن يقع. فربنا جل وعلا هو الكريم الكبير المتعال، فلا يكون شفيعا عند أحد من خلقه، بل الخلق هم الشفعاء عند الله سبحانه وتعالى. وهنا ألحق العلماء مسائل أو قل عبارات، عبارات لربما تكون على درج اللسان، ويتدخل كما أدخلها العلماء في هذا النهي، لأنه من باب الاستشفاع بالله على خلقه. من هذه العبارات: كان يقول القائل: الله واسطتي. وهذا في حق من إذا سئل من واسطتك؟ قال: الله واسطتي، هذا لا يجوز. الله واسطة واسطة عند من؟ عند من؟ من الذي ستذكره الآن؟ عند مدير، عند مسؤول، عند صاحب شان، عند صاحب رئاسة، عند صاحب قيادة، لا أحد، كل هؤلاء حلق من عبيده، فكيف الله عز وجل يكون واسطة فيما بينك وبينهم؟ وهذا من الأخطاء. قال العلم: وهذا العبارة أن تقول: الله واسطتي، وأنت تريد بذلك أن تستشفع بالله على خلقه، هذا حرام لا يجوز. وهكذا من العبارات التي يدخلها العلماء عند بعض الناس: جاه الله عليك، جاه الله عليك إلا فعلت وفعلت. جاه الله عليك إلا أن تأكل، جاه الله عليك إلا أن تدخل، جاه الله عليك إلا أن تعطي، أو بدل الجاه تقول: وجه الله، وجه الله عليك إلا فعلت وفعلت. قال العلماء: هذه المسألة إذا أراد القائل منها تقدير محذوف مقدر، بمعنى أبذل وجه الله عليك إلا فعلت وفعلت، أو أبذل جاه الله عليك إلا فعلت وفعلت، هذا يدخل في باب الاستشفاع بالله على خلقه، وهذا محرم. تقول: وجه الله، جاه الله عليك إلا فعلت، معنى أني أبذل جاه الله وأبذل وجه الله عليك إلا فعلت، كيف هذا؟ هذا لا يجوز إذا أراد بهذا. أما إن قال بعض الناس: لا، إنا والله ما أردنا هذا الكلام، ولا دخل في ظننا وفي اعتقادنا هذه الأفكار، ولا هذه التقادير، وإنما الذي أردنا: أسألك بوجه الله، أسألك بجاه الله إلا فعلت. نقول: ولو على هذا التقدير صحيح، هذا ليس فيه باب الاستشفاع على الله، لكن فيه ما جاء به النهي على أن جاه الله عظيم، وأن وجه الله كما مضى في أحاديث الباب التي خلت، لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، لا تجعل وجه الله سؤالا تأسأل به في حظ من حظوظ الدنيا. فالشاهد إخواني في الله أن هذا التبويب باب لا يستشفع بالله على خلقه، فهمنا أن مؤداه أنك يا عبد الله تمنع من أن تطلب من الله أن يكون شافعا عند أحد من خلقه، لما في ذلك من الطعن في ربوبية الله وعدم التعظيم لجنابه سبحانه وتعالى. وسكت المؤلف رحمه الله بالدليل الذي استدل به على هذا الباب إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.